في يوم القدس.. حتى لا تنخدع الأمة بشعارات محور المزايدة     تلاشي آمال التوصل إلى اتفاق سلام في اليمن     دول الثمان تحث الأطراف اليمنية على قبول مبادرة الأمم المتحدة لوقف الحرب     المبعوث الأممي يأسف لعدم التوصل لحل شامل في اليمن     قوات الجيش تكسر هجوما للحوثيين في الجدافر بالجوف والمشجح بمأرب     مقتل سكرتيرة سويسرية بالعاصمة الإيرانية طهران     وفيات وانهيار منازل.. إحصائية أولية لأمطار تريم حضرموت     أخاديد الوجع.. قصة طالب مبتعث قرر العودة إلى اليمن     حسن الدعيس.. شيء من ذاكرة التنوير اليمنية     محافظ مأرب يدعو للنفير العام لمواجهة مشروع الحوثي المدعوم إيرانيا     مواجهات عنيفة في مأرب ووحدات عسكرية للجيش تدخل أرض المعركة     وزارة الدفاع تنعي النائب العسكري الواء عبدالله الحاضري     جيش الاحتلال يقصف قطاع غزة وإصابات في صفوف الفلسطينيين بالضفة     مذكرات دبلوماسي روسي في اليمن     إعادة افتتاح مركز شفاك لاستقبال حالات كورونا بتعز    

الاربعاء, 23 ديسمبر, 2020 10:02:24 مساءً

لا تتركوا أحدا ينال مِن لغتكم العربية، لا تستصغروا أنفسكم ولا تبخسوا ذواتكم. اللغة ذات والتهجم عليها هو تهجم على ذواتكم. 
 
العربية لغة مِن آلاف اللغات ليست أفضلها وليست أدنى منها مكانة. بل إنها لغة أقدم وأثرى وأدق. لغة بالغة مستقلة بذاتها حملت ما ينتجه بها متحدثوها مِن أصول عربية وغير عربية بكل ثقة، وتمكن لعشرات القرون، وتمكنت هذه اللغة بفضل أهلها وبفضل اكتمالها وجذورها وأبعادها الاجتماعية والجغرافية والدينية مِن مقاومة الاجتياحات اللغوية عبر مغتصبي الأوطان.
لا تحفلوا بمن يشن عليها هجوما لمجرد الهجوم. هناك دعوات للتحديث والمواكبة والإصلاح. هذه لا تصدر عن العوام. هذا شأن لغوي معرفي وفلسفي. أعقد مِن أن يتصدى له مراهقو المعرفة والمستلبون في ذواتهم. 
"اللغة العربية عاجزة عن مواكبة نتاج المعرفة الحديث! "
 
بهذه المقولة الجامدة يريدون طمر لغة أمة بل لغة أمم. يقول دي سوسير (ابو علم اللسانيات الحديث): اللغة/النظام اللغوي واقع اجتماعي، وهو بهذا يعيد اللغة الى المجتمع. 
 
العاقل الذي يحترم رأسه سيقول أن المجتمعات العربية تعيش واقعا متراجعا عن انتاج المعرفة ينعكس في اللغة. هذه فيها نقاش، واحترامه للعقل سيدفعه إلى تقديم نقد موضوعي وطرح حلول.
 
وجدت في صفحة الدكتور حبيب سروري فكرة عملية والعلاج بيد المجتمع لا الفرد، بيد المؤسسة وهذه تتطلب إرادة سياسية وجهود عالمة لا طيش ايديولوجي ولا اعتساف للواقع. 
 
أن نعيب على اللغة عدم امتلاكها لكلمة نظير لشيء ابتكر في القرن الحادي والعشرين خارج البلاد العربية وفِي مجال حديث جدا والاسم مبهم غير وظيفي ومجرد اصطلاحي فإننا نستخف بعقول الناس. 
ليست العربية عاجزة لأن نظامها الصوتي أو البنائي عاجز، ولكن لأن متحدثوها لا ينتجون ولهذا فالمفردات لا تتولد. 
المفردات لا تتولد مِن تلقاء ذاتها. على الأقل في مرحلة نضوج اللغة. بالطبع لا أحد يعرف كيف ولدت المفردات، وهذه قضية فلسفية معقدة لا يوجد حسم فيها، فهناك آراء وآراء مضادة. 
يجب أن تستندوا إلى وقائع تاريخية لمعرفة حدود العربية. انظروا مثلا إلى علم التشريح، وهو مجال تقني واللغة العربية تقدم كل مفردات التشريح اللازمة لما وقع على عين الإنسان، وقياس اللغة العربية باللغة اللاتينية نجد تضارعاً موضوعيا فلا العربية أفوق ولا اللاتينية أدنى، بل إن اللغات الأوروبية الحديثة ما تزال تستخدم حرفيا مفردات لغة ميتة هي اللغة اللاتينية.
اسالوا الأطباء وسيقولون لكم حقيقة تعلم مفردات لاتينية إلى جانب لغة تعلم الطب مثلا. 
 
يقول المثل اليمني: "كما قد ولِد سيمناه"، عندما يأتي المولود سنهبه اسما، وعندما تتوطن المعرفة والانتاج التقني في بلاد العرب سنكتشف عندها مقدرة أو عجز العربية. 
 
هناك مآثر معرفية هامة للغة العربية في علوم اللغة عينها اخذت هذه المآثر وقتا حتى نضجت أدوات انتاج المعرفة وتم اعتماد المقارنة بين اللغات وتلاقحت المعارف بين الفلسفة وعلوم اللغة، بعض النظريات الفلسفية اللغوية الراهنة لهذا جذور بدائية أو متقدمة في أقوال علماء اللغة العرب.
هناك مقولات جمالية وتحليلية عربية ما تزال في العربية سباقة للنظر إلى تقنيات التناص بين المحدثين العرب والمختصين الأوروبيين. 
 
في كل عام نسمع ذات الأسطوانة التي تقلل مِن شأن اللغة العربية وتطلب منا كأفراد إما تحديث اللغة بضربة سحرية وهذا غير موضوعي أو هجران اللغة العربية والتحول إلى اللغة الانجليزية وهذا قول مِن السخف بمكان. 
حتى متحدثو اللغة الانجليزية لا يستطيعون الجزم بمستقبل اللغة الانجليزية أمام تقلب الامبراطوريات وتبدل القوة. 
 
لولا انهيار امبراطورية روما لما تطورت هذه اللغات الاوروبية ولما نشأت هذه القوميات، اعمار اللغات الأوروبية صغير نسبياً. 
وهي كما لغات الدنيا خليط مِن لغات، والعربية تهضم ما يؤتى اليها مِن مفردات وتصهرها في قوالبها الخاصة دون رفض، فكل جديد يصير بين الناس مألوفًا صار منهم. 
بل إن العربية ليس فيها حارس للمعبد يرفض هذه المفردة ويقبل تلك، المسألة مفتوحة للتفاعل والتلاقح والتلقي وقدرة التوصيل واستعمال ادوات الاتصال الحديثة. 
لماذا كل هذا الجنون والتجني؟
 
يجن جنون مِن يدعون الخوف على اللغة فيدافعون عينها بالأساطير. ويقابلهم المستغربون (بما تحمل هذه الكلمة مِن دلالات) بحملات غير موضوعية وكلام طائش وتجني وتعسف وهدم لضمائر الناس وذواتهم. 
درست إلى جانب العربية لغتين، وأعرف مِن عيوب هاتين اللغتين الكثير وقد عايشتهما سنوات طويلة تزيد على العشرين، وخلصت إلى أن لكل لغة عبقريتها وشخصيتها، ولكل لغة أسلوبها في البناء والتعبير. والعربية جميلة لا يكتشف جمالها إلا بالقراءة والاطلاع حب الاكتشاف دون أحكام مسبقة ولا سوء نية بل بالتزود بأدوات المعرفة والحس النقدي والمقارنة إن أمكن.


قضايا وآراء
غريفيث