ما حقيقة التوجه لتحييد خيار الانفصال جنوب اليمن؟     استهداف جديد بإيعاز إيراني لقاعدة عسكرية بأبوظبي والإمارات توضح     استهداف الحوثيين لأبوظبي يعكس الهشاشة في الدفاعات الجوية لدى دول التحالف     ضربات جوية للتحالف على صنعاء هي الأعنف منذ سنوات     عصابة مسلحة تقتل منير النوفاني وجماعة الحوثي تماطل بالقبض على القتلة     صراع الحوثية والأقيال بين التحدي والاستجابة     تشديد الخناق على الحوثيين في مأرب بعد تحول سير المعركة من الدفاع للهجوم     هل كتب عبدالله عبدالعالم مذكراته؟     شرطة تعز تضبط متهم بانتشال حقائب نساء     كيف خدع الغشمي عبدالله عبدالعالم     أحداث 13 يناير.. إرهاب حزبي مناطقي بلباس ماركسي     إيران تبادر لعودة التواصل مع السعودية والأخيرة تواصل وقف التصعيد الإعلامي     انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان في اليمن والأمم المتحدة تواصل إخفاء الفاعلين     بعد تعطيله لـ 7 سنوات.. هبوط أول طائرة في مطار عتق     جماعة الحوثي تُمنح 6 ساعات لمغادرة آخر منطقة بشبوة    

الأحد, 06 ديسمبر, 2020 09:56:34 مساءً

ما يزال حسين الوادعي يعيش اللحظات الأولى للانبهار بالحداثة، تلك الحالة من الإعجاب الشامل بكل شيء متعلق بالعالم الغربي. الأمر أشبه بمزاجية مراهق قادم من القرية، دلف للتو فجأة نحو المدينة، وراح يعتنق كل ما يصادفه في عالمه الجديد، متنكرًا لكل ما له علاقة بجذوره الأولى، ولربما أن ليس للرجل جذور ونحن لا نعلم. 
 
يسخر الوادعي من "الرمزيات الوطنية" الأشياء، الأشخاص، الأفكار، ويعتقد أن تمجيدها فعل ساذج، الرجل الذي أدمن النظرة المادية للعالم، يعجز عن رؤية ما يتجاوز أبعد من أنفه، يبدو خياله فقيرًا وهو مختنق بمنطق نفعيّ بائس، ينظر "لحذاء يمني قديم" بمنطق تاجر يفكر في جدواه السوقية، أنى لرجل مثل حسين أن يُفرِّق بين القيمة والثمن، بين الرمز والسلعة، رجل معجون بالخيال الرأسمالي النفعي، لا يمكنه أن يستوعب القيمة المعنويّة والدلالة الحضارية لرمزيات الأمم، مهما بدت بسيطة وعابرة. 
 
يتعامل الوادعي مع الحياة كمعادلة رياضية بحتة، ويتعامل مع الإنسان ككتلة مادية صماء، تحتاج لأن تأكل وتشرب وتدرس فحسب، لا أظنه يستوعب البنية المعقدة لهذا المخلوق العجيب، المخلوق اللغز، هذا الكائن الذي ينطوي على احتياجات نفسية تتجاوز عالمه البيولوجي نحو عالم رمزي، عمومي ومقدس وغير قابل للقياس. 
 
لم يتجاوز الوادعي منطق المصلحة البرجماتية المباشرة حتى وهو يفسر المثل العليا للشعوب، تلك القيّم المطلقة، الرموز المقدسة، المعاني التي تسكن وعيهم الباطن وتضخ الكبرياء في ذاكرتهم الوطنية الجريحة والمهددة.
 
وحتى بعيدًا عن ملابسات الظرف الراهن للشعب، فكل الشعوب وفي كل الظروف والأحوال ومهما بلغت درجة تطورها الحضاري ومستواها العلمي، تظل تشعر بنزوع داخلي للتباهي بالرمز والقيمة في حياتها وإن لم تكن تتوافر على امتداد حضاري غني بالأشياء، تلجأ لصناعة رمزيات جديدة وتمنحها قيمة متجاوزة لثمنها المادي؛ كي تثري عناصر قوميتها أمام الأخرين. 
 
لدى الوادعي تصور أحادي عن الحياة، هو التصور الغربي للعالم، يرى أنه النموذج النهائي والوحيد الذي يتوجب أن يذعن له الجميع ويسلم به، هذا المنطق يعكس خضوع المثقف لفكرة الهيمنة الحضارية الغربية على البشرية، حيث الجميع يتوجب أن يسلِّم بالنموذج السابق ويتجرد من كل ما له علاقة بذاته وموروثه، لا يدعو الوادعي للتفاعل مع العالم، بل للخضوع الشامل له، لدرجة نكران الذات والسخرية منها. 
 
على أن الغرب أنفسهم لا يعانون من الهزيمة النفسية التي يعاني منها مثقف يمني، غادر بلده وعاد كي يتهكم عليه ويسخر منه، فهم متصالحون تماماً مع أنفسهم، وإذا كان هناك من سخرية يشعرون بها فهي إزاء هؤلاء الحداثيين الجدد، القوم الذي خلعوا ملابسهم وذابوا في أحواض الأخرين، لدرجة أنهم باتوا يخجلون من ماضيهم وبشكل يدفع الأخرين لاحتقارهم من حيث يعتقد صاحبنا أنه سينال إعجابهم. 
 
أخيرًا، وهذه فكرة عامة عن الرجل: يحاول الوادعي بكل السبل الممكنة، أن يستثمر كل منطق علمي؛ لدحض التصورات الدينية والقومية في المجتمعات، يتعامل مع العلم ونتائجه كما لو أنها "أيديولوجيا بديلة" ليظهر تفوقه المنطقي، فيما هو يفعل ذلك بشكل متعسف، وأعني بالتعسف هنا هو أنه يلجأ للاستدلالات العلمية بطريقة انتقائية، مجزأة وتفتقد للنزاهة، وبما يعزز نظرته الأحادية للحياة، حتى لو كان ذلك أمرًا يطعن في أصالته كباحث منهزم في أعماقه ويدِّعى المنهجية العلمية في موازنته للأمور. 
 
حسين: مثقف مجتهد ونشط؛ لكنه يفتقد للأصالة الذاتية، الأصالة بمفهومها الفكري المتحرر من نظرة التماهي والإعجاب المطلق بالأخر أمام واقع كهذا، يصعب على أي مثقف تكوين رؤيته الخاصة تجاه القضايا والأفكار، يصعب عليه احترام ذاته ما لم يتجاوز حالة الإعجاب المطلقة والسالبة للذات بالأخر، يعجز عن القفز خطوة معرفية باتجاه النظرة النقدية إزاء القديم والحديث معًا كي يستعيد معياريته تجاه الأشياء والرموز ويتوقف عن السخرية من تأريخه وقومه.
 
إنّ حذاء مناضل يمنيّ قديم يا حسين، مناضل شقّ الأرض ونحت الصخر وشيّد القلاع، هو بمعيّار القيمة، أعظم من أبراج حضارتك الغربية كلها، ليس هذا منطق شعبوي عاطفي يعوض بؤس واقعه المدمر بالاحتفاء بالماضي، بل منطق مواطن لم يفقد ذاته بعد، لم يُصب برمد الحضارة وبهرجاتها، لا يحاكم الماضي بمعيار الحاضر، ولم يفقد معياره المعنوي في منح الأشياء قيمتها، مهما كان واقعه بائسًا ومدمرًا، فالحياة ليست سيارة فارهة ولا قطعة ورق نقدية ينطبع في واجهتها صورة لجورج واشنطن وتدفع الإنسان ليتنكر لأبيه وأمه ويبخِّس تأريخهم وأمجادهم. 

المقالة من صفحة الكاتب وموقع قناة بلقيس 
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء