مصرع 9 حوثيين في تعز بغارة للتحالف     واشنطن تكثف جهودها لوقف الحرب في اليمن وغارات ليلية في صنعاء     الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد    

السبت, 05 ديسمبر, 2020 01:42:56 مساءً

تعز وللأسف الشديد خذلها بعض بنيها، معدومي الوطنية والضمير، ممن جُبلوا على الانتهازية والترزق، والعيش في حظائر العبيد، وثمة قوائم كثيرة لأسماء ناصرت الغازي الغريب، تتوارد على الدوام، تقابلها حالة انتكاسة خافتة، ممزوجة بحسرات مُعلنة، الأمر الذي أتاح لغربان الخيبة أن تنعق وبقوة، موجهة اتهاماتها لمناطق معينة، والأسوأ من ذلك تعاطي البعض معها، وكأنها حقائق دامغة، ناسين ومتناسين أن تعز حددت مَصيرها، ولن يضرها من خذلها.
 
الخيانة بِمدلولها الشامل جزئية جدلية مُتصلة بالتاريخ، لا تنفك عن أحداثه، ودائماً ما تتكرر عبارة «مَزبلة التاريخ»، التي وضعت خصيصاً لهؤلاء، وأنا أتابع تلك الاتهامات المتبادلة، والمناكفات الغير مبررة، التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، انتابني حزنٌ لا حد له، خاصة وأن الخيانة كما أثبتت الأيام موجودة في كل زمان ومكان، وهي كتهمة ليست حكراً على منطقة بعينها، أو على أناس دون سواهم، والاستدلالات على ذلك كثيرة ومتشعبة، ولا أروع من تشبيه المثل الدارج: «في كل بيت حَمَّام!!».
 
يقول الشاعر فاروق جويدة: 
مهما وفى الشرفاء في أيامنا
زمن النذالة ما وفى
مهما صفى العقلاء في أوطاننا
بئر الخيانة ما صفى
 
خلال الـ 100 عام الفائتة، وجد على ظهر الحالمة طابور طويل من هؤلاء العبيد، كانوا سبباً في جميع انتكاساتها، ظلوا كشوكة في حلقها، وحجر عثرة في طريق تقدمها، هبطوا جميعاً إلى قعر المزبلة، وبقيت خياناتهم ذكرى مؤرقة، وندوب غائرة في جسد تعز المُنهك، من نور الدين محمد حسان الذي خذل المقاطرة ذات ثورة، وكان سبباً في سقوط قلعتها، إلى الشميري عميل الإمام، الذي دس السلاح في متاع المناضل عبدالله الحكيمي، وكان سبباً في سجنه، وغيرهم الكثير الكثير.
 
غير بعيد، قال جيفارا: «لا شيء أسوأ من خيانة القلم، الرصاص الغادر يقتل أفراداً، والقلم الخائن يقتل أمماً»، وفي تاريخ الشعوب لا أسوأ من أولئك المثقفين الذين باعوا ضمائرهم في أسواق النخاسة، وتحولوا إلى حملة مباخر، يتلاعبون بالكلمات، ينمقونها بلغة المكر والخديعة، يستميتون في مدح الطغاة، والمُحتلين، يبررون قبح الإجرام، وشناعة التصرفات، حتى وإن كان الضحايا من خُلص أهلهم، وأصدقائهم. 
 
الصحفي محمد الشرجبي، يحضر هنا كمثال ناجز لهذه الانتكاسة، أصدر في خمسينيات القرن الفائت، ومن مدينة تعز، صحيفة (سبأ)، دافع عبرها باستماته عن الإمامة والإمام، وتهكم بسخرية على الثورة والثوار، بل وصور الطاغية أحمد بـ «البطل الخارق، حامي المثل والأخلاق»، كان بشهادة كثيرين إمامياً حتى العظم، ملكياً أكثر من الملك، وكما ذهب هو وسيده إلى الجحيم، سيذهب أشباهه وأسيادهم إلى مزبلة الجحيم.
 
تعز هي عبدالرقيب عبدالوهاب، ذلك البطل المغمور، الذي استوطن اسمه القلوب والعقول، حاول لصوص الثورات محو تاريخه، إلا أن سيرته الموجعة ظلت متقدة في الذاكرة، عَصية على النِسّيان، لفرط حبي لها، غصت في أعماق أعماقها، التقيت بمقربين عايشوا تفاصيلها، تحدثوا بأسى عن جمال روح النقيب، وعظيم تضحياته، نزلت علي صاعقة الاكتشاف، حين تحدث أحدهم بنبرة مكلومة، عن عبدالرقيب الشهيد المغدور الذي قتله مشايخ الحجرية قبل أعدائه.
 
خُلاصة الحكاية: ذات نهار شتوي من العام 1968م، وقَّع بعض مشايخ الحجرية على وثيقة العار، أهدروا من خلالها دم ذلك البطل المغوار، خاطبوا أسيادهم في صنعاء بعبارات فيها تهكم وسخرية في حق ابن بلدهم، بطل ملحمة الـ 70 يوماً، «ما هو إلا راعي غنم، وأنتم الذين جعلتم له قيمه!!»؛ هكذا قالوا؛ وماهي إلا سنوات معدودة حتى صعدوا جميعاً إلى وهد الهاوية، ثم سقطوا في وحل النكران، رحلوا غير مأسوف عليهم، ظل ذكرهم باهتاً، وقيمتهم صفر على الشمال، وفي المقابل، بقي عبدالرقيب نجماً مشعاً في سماء النضال، ورقماً صعباً يصعب تجاوزه. 
 
حقائق صادمة لم أحبذ تجاوزها، واستحضارها هنا لا يعني الانتقاص من تعز ودورها النضالي، بقدر ما يعني التذكير بمصير أولئك الخونة الأنذال، وبنظرة فاحصة لأحوال أشباههم اليوم، لتبدى لنا وبوضوح سلوكهم الصارخ في تناقضاته، يتحدثون عن العدوان، وهم في ركاب المُعتدين، حقيرون، يقاتلون من أجل بقاء عبوديتهم، ديوثون، حالهم كمن يشارك في اغتصاب أُمه، ثم يقتلها ويرقص على جثتها، مسكونون بالخيبة، وبلاهة الحواس، ولو تمعنا أكثر في تفاصيل المشهد، لوجدنا أن ثمة عداء صامت بينهم وأسيادهم، سينفجر قريباً، وسيكونون أول ضحاياه.
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء