كلمة الرئيس هادي بمناسبة 30 من نوفمبر     محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام     مصرع قيادي كبير في تنظيم القاعدة في كمين بأبين     وكيل محافظة تعز يزور الشماتيين ويلتقي بقيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية     قراءة في الربح والخسارة في تصنيف الحوثية حركة إرهابية     اغتيال أكبر عالم نووي إيراني ولا مخاوف من اندلاع حرب في المنطقة     كيف حول الحوثيون قطاع الاتصالات إلى شبكات تجسس مرعبة     قراءة في جذور الخلاف ومداخل التقارب بين المؤتمر والإصلاح     الجيش يدعو الصليب الأحمر التدخل لانتشال جثث مليشيا الحوثي بمأرب     طوابير بمحطات الوقود بصنعاء واتهامات لمليشيا الحوثي بالوقوف خلف الأزمة     المرأة اليمنية واليوم العالمي لمناهضة العنف ضدها     محافظ شبوة يزور المعرض الدولي الكتاب     في محراب الشهيد الزبيري     مناطق نفوذ الحوثيين. موسم البسط على أموال الأوقاف مستمر     لماذا يستهدف الحوثيون المغنيين في الأعراس؟!    

الجمعة, 13 نوفمبر, 2020 11:30:33 مساءً

عزيزي مبارك الباشا: أعلم أنك تفكر بالانتحار كثيرًا، تفكر الآن وبالأمس وغدًا وما بعدها، أعلم أنك لا تمزح، كما لا تقول ذلك كي تثير شفقة أحد، أدرك كم أنك نزيه وخجول، طموح ومحطم.. تصارع الرغبة بالموت كما تصارع الرغبة بالحياة، وكل يوم تشعر أن الحياة مسدودة أكثر وأن روحك تتهاوى بشكل مخيف. 
 
أنا قلق يا صاحبي، لم يسبق أن عشت قلقًا مفتوحا على صديق، كشعوري معك، أفكر بك وأشعر بالقلق على وجودي حين أتصور حياة لا توجد فيها. أعلم أنك مرهق جدا، مرهق أكثر مما أتصور، أكثر من قدرة أي شخص على الشعور بك.
الحياة قاسية يا صاحبي، وقد كانت كذلك منذ البداية، هي هكذا ولم يعدنا أحد بحياة خالية من الأتعاب حين ولدنا، لم يمنحنا الخالق شيكًا يضمن لنا حياة فردوسية هنا؛ كي نشعر بالخيبة من عدم تحقق وعدا كهذا. 
 
عرفتك قبل 4 أعوام، كنت ممتلئًا بالحياة، عقل متوقد وأحلام عريضة، مرت الأيام، تجلى أمامك كابوس المستقبل، حاولت أن تصارع واقعك وكلما مر يوم يدب فيك وهن أكبر، وها أنت تشعر بأنك واقف على حافة كل شيء. 
 
أعلم أن لا شيء يمكنه تعزيتك الآن، لا الفلسفة ولا المنطق ولا الفن ولا الحقيقة أو ضدها، أنت تكفر بكل شيء، وترى بأن الحياة غير مبررة، هذا الشعور ليس غريب عني، لهذا أشعر بقربك مني، كنت أمر بأوقات أفقد فيها الإحساس بالمعنى، يتساوى لدي الشيء ونقيضه، أفتح كتابًا ثم ألعنه وأقول ما جدوى الكتب، أستمع لأم كلثوم وأسخر منها، ثم أتساءل: ما هو الفن، بماذا تنعق هذه الغبية، كل شيء عبث، عبث، أنا لا شيء، الحياة عقيمة ولا جدوى منها. 
 
الوجود ملتبس وغامض والعالم مركب بطريقة لا معقولة، الحياة تسير بشكل خطأ، وهؤلاء المليارات الذين يعيشونها لا يعني أنهم بلهاء، ولا يعني أنهم حققوا كل ما يريدون أو توصلوا لشفرة الحياة الحقيقية، إنهم يعيشونها كيفما كانت. فالحياة مناورة دائمة، حالة من المساومة والجدل المستمر مع فكرة العيش، لا يوجد حل حاسم لها غير هذا. 
 
كنت قد وعدتك بأن أبحث لك عن فرصة للعمل تؤمن بها الحد الأدنى من حياتك، وما زلت أحاول ولم أتمكن بعد. 
قد تشعر بالاستياء مني؛ بسبب هذه الرسالة، ستقول لي لا أريد شفقتك، ولا شفقة أحد، الشفقة عار، في الحقيقة أنا لا أشفق عليك، أنت أكبر من هذا، كل ما في الأمر، أنني مؤمن بك وأشعر أنك إضافة جيدة للحياة، حتى وأنت تراها عبء عليك، حتى وأنت كافر بها، وفي أشد لحظاتك بؤسًا منها، لم أفقد إيماني بك، أراك طاقة خلاقة، موهبة لم تصادف فرصتها في التحقق الكامل أنا مؤمن أن ثمة قدر آخر يليق بك ولسوف تحظى به يومًا، ولهذا أحرص على أن أتمسك بك، كي أستأنس بالوجود معك. 
 
قد تُشهر أمامي سؤالك الأبدي، من أين لك هذه الحماسة الدائمة تجاه الحياة، إنك تسوِّق للوهم يا مياحي، ثوريّ يؤمن بالإرادة بشكل مبالغ به، توقف عن فرض تصورك للحياة على الأخرين وإقناعهم بها. أنا لست صلبًا بشكل مطلق كما تراني، أحاول أن أبدو كذلك فحسب، الحياة هشة كما الموت والإرادة متذبذبة، كإرادتك الآن، وتأرجحك بين المصريين. 
 
إنك تكفر بالقدرة الذاتية على تغيير المصير، تكفر بالإرادة؛ لكن انهاء الحياة، لا ينفي فكرة الإرادة، فالانتحار فعل يؤكدها، إنه انتصار خبيث للإرادة كما يقول أحدهم. 
 
لهذا أؤمن أنك أكثرنا امتلاكًا للإرادة، أنت الذي تفكر كثيرا بإنهاء حياتك في أي لحظة، هذه الطاقة المرعبة للتخلي يمكن تصريفها باتجاه أخر، فما دمت قادر على انهاءها، فأنت قادر على مواجهتا بنفس القوة. 
 
دعنا نعيش التجربة إذًا، لا تجهض الحياة قبل أوانها يا صاحبي، الموت ليس حلا للغز الحياة، هو إغلاق تعسفي للمشكلة، لماذا نغلق الصفحة باكرًا وما يزال بإمكاننا أن نخترقها، نسخر منها، نكفر بالحياة والموت معًا، أنت عدمي، لكن العدمية لا تستوجب نفي الحياة، لا تكتمل عدميتك ما لم تقوض فكرة العدمية ذاتها في نهاية المطاف. أي أنك تنتصر على الموت والحياة معًا. 
 
أكتب لك الآن؛ كي لا أمزق نفسي، لو قدر الله وحدث لك شئيًا، أتمنى أن نعيد تأسيس حياة جديدة، وأفكر طويلا بكيف يمكننا فعل ذلك، لا يوجد حل نهائي، سوى المحاولة الدائمة والتجريب المتواصل. 
نحن أحياء الآن، وبإمكاننا أن نموت غدًا، لكننا حين نغادر، سيفقد الانتحار بريقه، سيغدو باهتًا كما هي الحياة الآن ، أنت حي بمعنى أنك تملك الخيارين معًا، فلماذا نموت ونفقد خيار جيد، الوجود مرعب، لكن العدم حزين، الحياة مشكلة يمكننا التعامل معها والتحايل عليها، لكن الموت ليس حلًا، من يدري، قد نذهب إليه ويكون مشكلة، دون قدرة منا على مواجهته. 
 
امنح الحياة فرصة متجددة يا صاحبي، ما نزال في ريعان شبابنا وبوسعنا فعل الكثير، ما يزال في العمر متسع وبوسعنا أن نخترق اللعبة.. لستَ مطالب الآن بشيء، لا النجاح ولا المجد، لا الزواج ولا المستقبل ولا تحطم الأحلام تستحق أن نفني الحياة بسببها، ما نسعى إليه ولم نبلغه ليس واجب مدرسي، والانجاز ليس دائمًا شرط للحياة، أنت هكذا وبدون شيء جدير بالحياة. 
 
نحن نسعى لتحسين شروط حياتنا؛ لكن عدم تمكننا من ذلك، ليس مبررا منطقيًا؛ كي ننهيها، ما جدوى الأحلام إن كان فشلها سيدفعنا للتخلي عن الحياة بكاملها، الطموح والنجاح شيء جيد، نحن نجتهد للوصول، وعلينا ألا نتوقف عن سيعنا هذا؛ كي تغدو الحياة أفضل، لكن من الجيد ألا ندع رغبتنا بحياة أفضل أن يتحول لسبب ندمر به ما لدينا.
 
تمسك بحياتك كيفما كانت، نحن نعيش واقع معمم على الجميع، ليس ذنبك ولا ذنب أي شاب أنه لم يتمكن من بلوغ ما يطمح له، يكفي في وسط هذا الخراب، أن تحافظ على روحك محروسة من الكآبة، لمجرد أنك ما تزال حيٍّا فهذا أكبر انجاز لك، وبعد غد ستنفتح دروب جديدة، نحن أبناء هذه الحياة، جيلها الصاعد ولسوف نرثها في النهاية مهما كانت اللحظة قاتمة والمستقبل مسدود.
 
ثمة أم في القرية أنت أملها الأوحد، أعرف أنها تنتظرك نهاية كل شهر، كي تخفف بؤس الحياة عنها، وحين لا تتمكن من ذلك تشعر بألم أعمق يضاعف خيبتك بالحياة، هذا ما قد يمنحك سبب إضافي للتخلص من ذاتك. وأنت تعيش هذا الإحساس المر، تذكر قلب أمك بدونك، عندها ستجد مبرر للعيش، ستقول: يكفي أن أغادر المدينة في العيد، فارغًا من كل شيء، يكفي أن أعود كي أحتضنك يا أمي، ولو لم يكن بحوزتي ما أسعدك به. 
 
أخيرًا: أعترف أني لا أعلم طريقة سحرية؛ كي أنقذك بها من رعب الحياة والممات معًا، أنا مثلك، لا أجرؤ على القول أني أفهم الحياة جيدا، كما أني لا أفهم الموت أيضًا، قد لا تشعر بشيء من رسالتي هذه، قد لا أملك ما أعزيك به؛ لكني أفضِّل ألا نستعجل الأمر، نحن الآن نعيش تجربة الحياة، هذا ما هو بيدنا الآن، وسوف تأتي تجربة الموت في وقت لاحق.. قد لا تكون الحياة مفهومة، قد لا نستطيع تفسيرها، لكنها تجربة تستحق أن تعاش، ربما أكثر من حاجتنا لفهمها أحيانًا.
 


قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ