محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام     مصرع قيادي كبير في تنظيم القاعدة في كمين بأبين     وكيل محافظة تعز يزور الشماتيين ويلتقي بقيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية     قراءة في الربح والخسارة في تصنيف الحوثية حركة إرهابية     اغتيال أكبر عالم نووي إيراني ولا مخاوف من اندلاع حرب في المنطقة     كيف حول الحوثيون قطاع الاتصالات إلى شبكات تجسس مرعبة     قراءة في جذور الخلاف ومداخل التقارب بين المؤتمر والإصلاح     الجيش يدعو الصليب الأحمر التدخل لانتشال جثث مليشيا الحوثي بمأرب     طوابير بمحطات الوقود بصنعاء واتهامات لمليشيا الحوثي بالوقوف خلف الأزمة     المرأة اليمنية واليوم العالمي لمناهضة العنف ضدها     محافظ شبوة يزور المعرض الدولي الكتاب     في محراب الشهيد الزبيري     مناطق نفوذ الحوثيين. موسم البسط على أموال الأوقاف مستمر     لماذا يستهدف الحوثيون المغنيين في الأعراس؟!     رئيس حزب الإصلاح في أقوى تصريح من نوعه حول اتفاق الرياض    

الثلاثاء, 03 نوفمبر, 2020 12:13:52 مساءً

إن العدوى النفسية كالعدوى الحسية المادية، تسري بين الجماعات كما يسري الوباء، والمرء يتقبل الأفكار أكثر كلما ترددت على مسامعه أكثر، لا كلما عُرضت على عقله، وخاصة في مرحلة الطفولة، ووفقًا لجوستاف لوبون: "وعلى نسبة أفراد الجماعة يكون تأثير العدوى شديدا. ولا يلبث المعتقد الضعيف أن يصبح قويا بعد أن يكتسب الأفراد الذين يعتنقونه صفة الجماعة. والمعتقد بعد أن ينتشر بالعدوى لا يُلتفت إلى قيمته العقلية؛ إذ لما كانت العدوى تؤثر في دائرة اللاشعور فإنه لا شأن للعقل فيها..". انظر: الآراء والمعتقدات، لوبون، 156.

وتزداد هذه العدوى ثباتا ورسوخًا في المجتمعات المنغلقة على نفسها والبدائية، والتي لا تنتشر فيها نوافذ الثقافة أو أضواء المعرفة، كما هو الشّأن في جبال شمال اليمن الحصينة التي ظلت مغلقة على نفسها فترة طويلة من الزمن، فباض فيها الكيان الإمامي وفرّخ، وامتلك حاضنة اجتماعية بسبب الجهل أو التجهيل الذي فرضت على كثير من شباب هذه المناطق. وهي أساسا لم تنشأ إلا في جبال الجيل والديلم، وجبال الرس، وجبال اليمن، بعيدا عن المدن. ومن هنا اكتسبت تلك الصلابة والشراسة والانغلاق على الذات.

هؤلاء الشباب الذين تستخدمهم الإمامة الهادوية في صراعها ليسوا مجرمين بالفطرة، أو متخلفين بالطباع، وإن كان لديهم من الإرث التاريخي ما يعزز هذا السلوك فيهم. لديهم فائضٌ في النشاط والحيوية، وفائض في البطالة والفقر، استغل هذا الفائض "الصنمان المقدسان" تاريخيا في المنطقة وما حولها: "امشيخ وامسيد"!! وجعل منهم كتلا متحركة، مجردين من أبسط الحقوق الطبيعية. شباب مكانهم الطبيعي الجامعات.. المعسكرات.. المصانع.. أسواق العمل المختلفة في اليمن وخارج اليمن. أما أن يظلوا فارغين في قراهم، بلا أعمال، كما يريد لهم هذان الصنمان فالكارثة لن تتوقف..

ولكون هذه الجماعة انعزالية شعوريا، ومتحيزة ثقافيا فقد أسسوا من وقت مبكر ما أسموه فقه آل البيت، أو علم آل محمد، معتقدين أنهم يتوارثونهم بواسطة أعضائهم التناسلية، وهو فقه وعلم غير الفقه الذي أجمعت عليه الأمة، ويمثل "نهج البلاغة" المنسوب لعلي بن أبي طالب مرجعية أدبية وسياسية لهم، كما تمثل قصيدة الشريف المرتضى واحدة من الأدبيات الشعرية التي حفظها أبناؤهم صغارا منذ القرن الرابع الهجري وإلى اليوم.
نَبّهتُهُمْ مِثْلَ عَوَالي الرّمَاحْ    إلى الوَغَى قَبلَ نُمُومِ الصّبَاحْ

فوارس نالوا المنى بالقنا     وصافحوا اعراضهم بالصفاح
إن في هذه القصيدة وحدها والتي نظمها نقيب الطالبيين ــ ومثلت مرجعية أدبية يتوارثها كلُّ طفل يولدُ من ذلك الزمن وإلى اليوم ــ من الحماس الثوري والاستثارة النفسية ما في كل قصائد الشعر من الحماس والاستثارة والتجييش كلها. ووفقا لابن الوردي: "حين يدافع الإنسان عن عقيدة من عقائده المذهبية يظن أنه إنما يريد بذلك وجه الله، أو حُب الحق والحقيقة، وما درى أنه بهذا يخدعُ نفسه. إنه في الواقع قد أخذ عقيدته من بيئته التي نشأ فيها، وهو ولو كان قد نشأ في بيئة أخرى لوجدناه يؤمن بعقائد تلك البيئة من غير تردد، ثم يظن أنه يسعى وراء الحق والحقيقة".  مضيفًا: "الواقع أن الإنسانَ يؤمنُ بعقيدته التي ورثها عن آبائه أولا، ثم يبدأ بالتفكير فيها أخيرا، وتفكيره يدور غالبا حول تأييد تلك العقيدة، ومن النادر أن تجدَ شخصًا بدّل عقيدته من جراء تفكيره المجرد". انظر: مهزلة العقل البشري، د. علي الوردي 43.
من هنا جاء التعدي وجاء إرهاب الغير، ووفقا لـ "ميلاني كلين" وهي من أبرز خلفاء فرويد في ميدان التحليل النفسي "أن العدوان يعتمل داخل الطفل من بداية الحياة". انظر: سيكولوجية العدوان، خليل قطب، 103.

 لهذا لا تحتاج الثورات والانقلابات فيما بعد إلا أن تقدح الزناد فقط فالبارود في الرأس، ولا يحتاج غير قدح الشرارة الأولى فقط. ومع تداخل الفرد مع الجماعة تتماهى أخلاقه داخلها، ويصبح وحشا كاسرا لا تعرفه، وقد تطبع بطباعها دون أن يدري، ومعلوم للجميع أن منطق الجماعة غير منطق الفرد. الجماعة جياشة عاطفية، مسرفة في عاطفتها وفي نزقها، وأقل تحريض من قائد القطيع يجعل الجماعة ترتكب أبشع الأعمال وأقساها. ومن يتأمل عنف الجماعات يجد جنونا من الوحشية غير متخيل.

إن المعتقدات الأيديولوجية قيود لا شعورية، تُسيّج العقل والفكر بدون أن يعرف الشخص، وربما ادعى عنصر الجماعة ــ أي جماعة ــ أنه متحرر الفكر، منطلق التفكير؛ لكنه لا يدرك أنه حر أو متحرر ولكن داخل الدائرة نفسها، وهي ما يمكن أن نسميها "حرية القمقم"..!

يحيطك المعلم/ المربي بدائرة ما، ثم يقول لك: كن حُرا داخل الدائرة..! وهي حرية تشبه حرية العصفور داخل القفص، أو حرية القطيع داخل الحظيرة الواسعة. وما لم يتجاوز هذا العنصر تلك الدائرة المضروبة حوله سيظل أبد الآبدين يعتقد أنه فكره ومعتقده هو الأصح وحده، وأن الآخرين على الخطأ، كل الخطأ. ومن هنا رأينا كيف تتمدد الأيديولوجية الهادوية بالجهل في المجتمعات الجاهلة، وتنكمش في المجتمعات المتعلمة والمثقفة بالوعي. وهو ما يدركه منظروهم الكبار والسياسيون، فيعملون على تجهيل الناشئة، وإن من تعليم لهم، فهو تعليم تراثهم الخرافي؛ أما أبناؤهم فيرسلونهم إلى أرقى الجامعات العالمية. وبين يدينا فتوى لفقيه مقامي وهو المفتى أحمد محمد زبارة الذي وجَّه رسَالَة للشهيد الزبيري، ينصحُه هو ورفاقه بعدم الاهتمامِ بالقبائل وأبنائها، وتركهم على حالهم، قائلا: ".. وإن من الأوفق لهم ألا يسعوا إلى تحسينِ وضع القَبَائلِ وتعليمهم، وإدخال الوسَائل الحديثةِ لإسعادِ أهل اليَمن، من بناء مدارسَ ومُستشفياتٍ وطرقاتٍ، وأنَّ عليهم السمعَ والطاعةَ للإمام وإن ضرب ظهرهم.. وأنه لا حاجةَ لهم من التعليم غير معرفة فروضِ العبادة، وأن الأولى والأجدر بالقبيلي أن يبقى فلاحًا، فلا يحتاج إلى نعال، ولا إلى ملابس، ولا إلى علاج؛ بل يجبُ أن يستمرَّ في جهالته وشقائه وبؤسِه ومرضِه، بجوار ثوره ومحراثه وماشيته". انظر: هجر العلم للأكوع، 604/2.




قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ