ديمقراطية تونس في خطر     استشهاد ثلاثة مدنيين بقذيفة لمليشيا الحوثي على حي سكني شرق مدينة تعز     ضبط خلايا إرهابية تابعة لمليشيا الحوثي في أربع محافظات     مليشيا الحوثي تستأنف الهجوم على الحدود السعودية     يوم فني في تعز على سفوح قلعتها العريقة     محافظ مأرب يشيد بالوحدات الأمنية ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار     مسلح حوثي يقتل والديه وهما صائمين بسبب رفضهم انضمامه لصفوف المليشيا     الفطرية في شخصية العلامة محمد بن اسماعيل العمراني     الموت البطيء في سجون الإمارات بعدن.. صحفي يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب     تفاصيل انهيار جبهة الزاهر بالبيضاء ومن أين جاءت الخيانة؟!     تخرج وحدات أمنية من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة أبين     القاضي محمد بن إسماعيل العمراني.. مئة عام من الفقه والتعليم     السلالية.. العنف والتمييز العنصري     الملك سلمان يلتقي سلطان عمان والإعلان عن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين     مسؤول في الجيش: المعركة مستمرة في البيضاء ومأرب والجوف بإشراف وزارة الدفاع    

الإثنين, 02 نوفمبر, 2020 11:02:50 صباحاً

من نافلة القول أن الأيديولوجيات لا تقوم إلا على إبادة مخالفيها، سواء كانت الإبادة مادية أم معنوية، أم الاثنين معا، فالأيديولوجيات بطبيعتها صارمة، نافية للآخر، وإن ادعت القبول به. وما يجب أن نعيَه يقينا أن الأيديولوجيا الإمامية بشكل عام من أقوى وأصلب الأيديولوجيات الدينية، وتمتلك موروثا سياسيا وثقافيا مهولا، وقد لا تكون هذه هي الخطورة هنا، الخطورة الأكثر تكمن في ذلك الكم من القطيع المؤمن بها إيمانا أعمى، على الرغم من كونها فكرة خرافية من أساسها، ولهذا سالت لها الدماء أنهارًا، وتكومت بسببها الجماجم تلالا، ذلك أن أبشع المظالم تنشأ عن أقوى المعتقدات لا عن صحتها، وبحسب إيريك هوفر: "ليس من الضروري لكي تصبح العقيدةُ فاعلة أن يفهمها المرء؛ ولكن من الضروري أن يؤمن بها".[1]وما أكثر القطيع المؤمنين بأيديولوجيا النظرية الهادوية، كما هو الشأن مع بقية النظريات المتطرفة الأخرى كالنازية والفاشية والصهيونية والخمينية.!! فجميعها نظريات سياسية إرهابية تدعي امتلاك الحقيقة وحدها دون غيرها، وتعمل على تنشئة أفرادها على هذا. ومن هنا يسهل قيادة القطيع المؤمن إيمانا أعمى بنظريته الخاصة؛ خلافا لذوي النزعات العقلية المتحررة، وأصحاب الفكر المستنير يصعب قيادهم، أو التحكم فيهم؛ إذ ينظر كل منهم لنفسه باعتباره فيلسوفا وقائدا لوحده، فيما المقلد أو الجاهل أمامَ قائده أو شيخه أو أستاذه كالميت بين يدي المغسل.

وقد احتوت التعاليم الفاشية العشرة على بند خاص يقول: "موسوليني على حق".[2]، وكونه على حق إذن فلا يجوز اعتراضه أو رد رأيه أو حتى التعقيب على كلامه. هذا هو شأن موسوليني وهي نظرية أرضية لا علاقة لها بالسماء، أما إذا ما تم ربطها بالسماء فالأمر أكثر سهولة ولا يحتاجُ لمزيد من التأكيد أمام الأتباع، فمناقشة أمر السماء كفر، يستوي في هذا البروفيسور والأمي على حد سواء..!
 
نعم.. نجد أساتذة الرياضيات والفيزياء والكيمياء والآداب واللغات من الحاصلين على درجة الأستاذية في تخصصاتهم العلمية يتركون مناهج البحث العلمي ومنطق الحجاج العقلي الذي استخدموه في بحوثهم العلمية جانبا في لحظة من اللحظات، ثم يولولون في زاوية حسينية على دم الحسين، أو على ظلم فاطمة حد توهمهم..! كما نجد أيضا بعضا من هؤلاء من الهندوس ممن يغادرُ مكتبه الفخم أو مختبراته العلمية لينحني أمام البقرة، معتقدا فيها الضر والنفع.! وذات الشأن أيضا مع فكرة الخلاص المسيحي وعودة يسوع، أو مع فكرة الهيكل المزعوم واستعادة مملكة الرب في أرضه..!
 
إنها سيكولوجيا المعتقدات التي تتطلب قلبا للإيمان بها، لا عقلا لمناقشتها، فمع المعتقدات تعامل بقلبك وضع عقلك جانبا.[3] لأنه متى ما اتجهت الأيديولوجيات إلى العقلنة قل توحشها، وقل أتباعها، ومن هنا تكتسب المعتقدات القوة من هؤلاء الأتباع "القطيع". وكلما كانت المعتقدات أكثر رسوخا في النفوس قل التسامح بشأنها وزاد العنف؛ لهذا تجد القاتل صاحب الأيديولوجيا الصلبة أكثر راحة نفسيّة كلما حصد سيفُه سابقا أو بندقيته حاليا الأكثر من الرؤوس. فكل ما يفعله هو من تعاليم الرب، ومقابل ذلك تنتظره الحور والغلمان والخمر وكل ما يحلم به وما لا يحلم؛ لهذا قال روبسبير: "إن الله يريدُ أن تُطرح الرأفة والإنسانية جانبا عند الجهاد في سبيله".[4] وفي الجماعات المسيحية كما في الجماعات الإسلامية كان الكاثوليكي في فرنسا يتلذذ بصوت الدم حين يذبح أخاه البروتستانتي، كما هو الشأن مع الشيعي الذي يرى في أخيه المسلم أكثر خطرا عليه من الصهيوني أو البوذي. ووفقا لجوستاف لوبون: "إن عدم التسامح بين أنصار المعتقدات المتقاربة يكون أشد مما بين المعتقدات المتباعدة".[5]
 
ويرى عالم النفس الاجتماعي الفرنسي "بيار بورديو" أن الخطاب الديني المتطرف الأصولي هو خطابٌ رمزي يؤول النصوص الدينية ويشوهها عبر خطاب عاطفي لا عقلاني. فهو يمتلك سلطة رمزية، تكتسب شرعيتها من مقولاتها الخاصة، ومن منطقها الداخلي، ومن مفاهيمها الذاتية. كما يستمد شرعيته من استعدادات مؤيديه بشكل غيبي وانفعالي يدغدغ الغرائز الحسية والجسدية، وينتج تأويلات خاطئة لمفهوم الحوار الثقافي، لأنه مستمد من خطاب ديني أسير الصورة الأولى البدائية، وتتحكم فيه ثنائيات ساذجة، كالخير والشر، والإيمان والفكر، والعقل والنقل، حيث ينتقل الخطاب الديني إلى خطاب إلهي، يتماثل مع النص الديني المقدس، أو يتماهى معه..[6]
[1] ــ المؤمن الصادق، إيريك هوفر، ترجمة: د. غازي بن عبدالرحمن القصيبي، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ط:1، 2010م، 133.
[2] ــ بينيتو أندريا موسوليني (29 يوليو 1883 - 28 أبريل 1945) حاكم إيطاليا ما بين 1922 و1943. شغل منصب رئيس الدولة الإيطالية ورئيس وزرائها وفي بعض المراحل وزير الخارجيَّة والداخليَّة. وهو من مؤسسي الحركة الفاشية الإيطاليّة وزعمائها، سمي بالدوتشي، أي القائد من عام 1930م إلى 1943م. يعتبر موسوليني من الشخصيات الرئيسية المهمة في تكوين الفاشية.
 
[3] ــ كان رودلف هس ــ وهو الرجل الثاني في الحزب النازي بعد هتلر ــ يقول للشباب حين يرددون القسم النازي: "لا تبحثوا عن أدولف هتلر بعقولكم، ستجدونه كلكم في قلوبكم".
[4] ــ روح الثورات والثورة الفرنسية، جوستاف لوبون، ترجمة: عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 33.
[5] ــ نفسه، 34.
[6]ــ انظر: سوسيولوجيا العنف والإرهاب، إبراهيم الحيدري، دار الساقي، بيروت، ط:1، 2015م، 117.
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء