الإثنين, 05 أكتوبر, 2020 12:29:15 صباحاً

 
الدبلوماسية الإنسانية نمط جديد من أنماط الدبلوماسية المعاصرة، لا يزال في مرحلة التبلور والنشوء والتكون، ولما تكتمل ملامحُه الأولية بعد، إذ لا يزال المصطلح إلى الدعوات والأمنيات أقرب منه إلى النشاط العملي على أرض الواقع، على الرغم من الأهمية المنوطة بهذا النشاط إقليميا ودوليا.
يعرف البعض الدبلوماسية الإنسانية بأنها إقناع صانعي القرارات وأصحاب الآراء بالعمل على الدوام، لما هو في مصلحة المستضعفين، باحترام المبادئ الإنسانية الأساسية على وجه تام.[1]
وتزداد أهمية هذا النشاط بازدياد أطماع الدول الكبرى والجماعات الأيديولوجية "الراديكالية" اللذين يسعيان للسيطرة تارة بالحرب المباشرة، وتارة بالاستحواذ عبر آليات وطرائق مبتكرة أخرى غير الحروب، لا خوفا من غوائل الحروب، وإنما تخفيفا لإمكانيات السيطرة والاستحواذ.
وتعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم عرضة لأطماع الدول الكبرى والمسيطرة، بحكم خيراتها، وبحكم الموقع الجيوسياسي المتحكم في منابع الثروة وطرق تجارتها.
 
لقد ظهر مصطلح الإنسانوية لأول مرة منتصف القرن التاسع عشر على يد المؤرخ والعالم اللغوي الألماني جورج فويت، وصارت "الإنسانوية" بعد ذلك فلسفة تركز على إنسانية الإنسان كقيمة عليا تنتهي عندها كل القيم. وقد أصبحت العديد من الحركات الإنسانية في العصر الحديث منحازة بقوة إلى العلمانية؛ حيث يستخدم مصطلح الإنسانية عادةً كمرادف للاعتقادات غير التوحيدية فيما يتعلق بأفكار مثل المعنى والهدف، ومع ذلك فقد كان الإنسانيون الأوائل متدينين، مثل أولريش فون هوتن الذي كان مؤيداً قوياً لمارتن لوثر والإصلاح البروتستانتي.
وتواصل ظهور النزعات الإنسانية في مفاهيم جديدة كالسلم والأمن والعيش المشترك، والتصالح والقبول بالآخر، بعد ذلك، وتحديدا عقب الحرب العالميّة الثانية؛ لكن تبقى هذه الدعوات أحلاما وردية وحالة "يوتوبيا" ما لم يتم تعزيزها عمليا من خلال نشاط يتخذ طابع الرسمية، أو شبه الرسمية على الأقل، وما لم يعم جميع الأقطار، باعتبار السّلام سلوكا جماعيا يتأسس على ثقافة راسخة، تتبلور مع مرور الوقت، ولا يمكن أن تُصنع بقرار فوقي، وإن كانت القرارات السياسيّة "الفوقية" تساهم في ذلك.
يتحتم على الدبلوماسية الإنسانية العمل باستراتيجية هادفة تصنع السّلام وتعزز من فاعليته من خلال عمليتين اثنتين، مرتبطتين ببعضها:
 
الأولى: القضاء على بؤر التوتر القائمة، ومحو أسباب المواجهات، وبعضها تاريخية تعود لقرون طويلة، كقضايا الحدود السياسيّة المختلف عليها، وقضايا الثارات المذهبية وغيرها.
الثانية: تعزيز ثقافة السّلام ببرامج مشتركة مرتبطة بمصالح مشتركة تعمل بين الشعوب، خاصة الدول المتجاورة، ورعاية هذا النشاط الإنساني محليا وإقليميا ودوليا، ثقافة تعزز من شرعية السّلام لا شرعية الحروب التي صار لها منظروها وأساطينها. "فحين يدرك المرء أنه عضو في الجماعة البشرية، ومسلح بالتقنية التي ابتكرها العلم يتحولُ إلى مواجهة الطبيعة التي يخضعها عندئذ لإرادته، فيشتغل مع الجميع في سبيل سعادة الجميع".[2]
 
إن تقنية السلاح المتطورة اليوم تغري النزعات الشريرة لارتكاب المحظور من أجل الهيمنة، ولا يواجهها إلا "تقنية إنسانية" يتم صناعتها ثقافيا وفكريا، لمواجهة هذا الغول المدمر، بفعل حمقى البشرية من رجالات السياسيّة المتجردين من قيم الإنسانية، خاصة ومنطقة الشرق الأوسط هي الضحية الأولى لأي حماقة من هذا القبيلة؛ كونها المنطقة الأكثر عرضة للكارثة النووية لا سمح الله، بفعل مفاعل ديمونا الإسرائيلية ومفاعل بوشهر الإيرانية، وغيرهما من المفاعلات النووية في الشرق الأوسط، وسنصبح أمام "الإرهاب النووي" الجديد الذي لا يقل خطرا عن الإرهاب التقليدي المعروف.
[1] ــ انظر: سياسة الدبلوماسية الإنسانية، بحث منشور عن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، على الرابط: http://www.ifrc.org/…/…/Humanitarian_Diplomacy_Policy-ar.pdf
[2] ــ قلق في الحضارة، سيجموند فرويد، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط:4، 1996م، 25.
 


قضايا وآراء
غريفيث