إدانات واسعة محلية ودولية لقصف الحوثيين على مركز الأورام بمدينة تعز     مدير شرطة تعز يزور النقيب مصطفى القيسي وعدد من جرحى الجيش     الحزب الاشتراكي في ميزان المجلس الانتقالي     مليشيا الحوثي تحرق مسجدا بمحافظة ذمار     مدرسة أويس بجبل صبر آيلة للانهيار.. 40 عاما بلا ترميم     الصفيون والتشيع في بلاد العرب     السعودية من إعاقة سبتمبر إلى قتل فبراير.. رحلة خراب     أطعمها في حياته فلازمته لحظة موته     تعذيب وقهر النساء في سجون الحوثي بصنعاء     صنعاء: الحوثيون يواصلون ابتزاز المواطنين بذريعة الاحتفال بالمولد النبوي     شرطة تعز تقبض على مشتبهين بتفجير سيارة النقيب السفياني بعد الحادثة بساعات     أمهات المختطفين تكشف عن تعذيب مروع لسجينات بمركزي صنعاء     وفد إماراتي إلى اسرائيل وتنقل للأفراد بدون فيزا     اليمن تعترض لدى مجلس الأمن حول إرسال إيران سفيرا لها إلى صنعاء     الحوثيون يشيعون قيادات عليا في قواتهم بعد مصرعهم بعدد من الجبهات    

الخميس, 24 سبتمبر, 2020 08:01:39 مساءً

يقولون إن كلمات اللغة محدودة، مهما بلغت من الغزارة في كل لغة، ولكن المعاني أو طرق التعبير عنها لا حدَّ لها ولا عدَّ، والمهم كيف يختار الكاتب كلماته، ويؤلف بينها حسب إبداعه وحالاته أو ظروفه. ويتحدث البعض عن العلاقات المنطقية بين الكلمات في أثناء بناء الكلام وتركيبه، فلا يمكن مثلا القول: تكلم الحائط أو ضحك الجبل (إلا في حالات خاصة). فما مدى صحة هذا الطرح، وهل ثمة سبيل تسلكه اللغة للتعبير عن المعاني غير المنتهية عن طريق ألفاظ منتهية أو محدودة؟
 
ليس أحد يماري في أن اللغة أو الكلام تحديدًا لا يعجز عن تلبية حاجات المرء عندما يقف في زاوية من زوايا الحياة، وتتراءى له في نفسه معان جديدة أو يريد هو أن يقيم علاقات جديدة بين مفردات اللغة لخلق معان جديدة. أو لكي يولد من المحدود ما لا حد له ولا نهاية.
 
 حسنًا، ماذا يفعل الكاتب الجيد أو المتحدث البارع؟ سوى أنه يهدم العلاقات المنطقية، ويخترق قانون التلاؤم بين كلمات اللغة، ويعيد بناء علاقات جديدة وغير مسبوقة. على أن هذا البناء بناء واعٍ أو غير اعتباطي، وهو بناء يعتمد على المجاز غالبًا، ودعك الآن من حكاية أن اللغة كلها مجاز، أو كلها حقيقة. وبالمجاز يردم الفجوات التي تنشأ بين كلمات الجمل والعبارات، والكتاب (جمع كاتب) يتفاوتون في هذا الخضم، فمنهم المتكلف المتعسف الذي يقتسر العلاقات اقتسارًا، ومنهم الجاف الغليظ الذي لا ماء ولا رواء لكتابته، حتى لكأنه ينحتها من الصخور أو يقتلعها من الجبال، ومنهم الجميل العذب، كأن جمله الماء الرقراق أو النسيم العليل، ومنهم المحاكي الذي يجتر عبارات الغير ومفرداتهم وطرقهم في التعبير، وفي التأتي للأمور حتى لتظنه فلانا وهو فلان، كأن طرق التعبير انعدمت، وكأن سبل الإبداع وقفٌ على غيره، أما هو فقد خلق للمحاكاة والترداد.
 
ثمة فرضية بطلها فتجنشتاين تقول إن اللغة استعمال، ومن ثم فليس هناك شيء اسمه الوضع، أي إن معانيها بحسب سياقها واستعمال الناس لها، ويتحدث في هذا السياق عما أسماه بلعبة اللغة، وثمة من يذهب إلى أن فتجنشتاين ليس الوحيد ولا الجديد الذي يذهب إلى هذا، فابن تيمية في ثقافتنا العربية يذهب إلى هذه السبيل أيضًا، أي إنه ينكر الوضع. وتلك فرضية منشؤها فهم صفات الله، فلئن فهم البعض إسناد الضحك والنزول والفرح واليد والاستواء وغيرها من صفات الله على أنها الرحمة والقدرة وسواها من التأويلات، فإن ابن تيمية ينكر هذه المعاني المجازية ويقول إن اللغة هنا مستعملة في حقيقتها، فالله يضحك وله يد حقيقة ويفرح... كل ذلك على الوجه الذي يليق به، ولا نريد القول إن ذلك نوع من الفذلكة أو الفهلوة التي لا تنبني على أساس علمي صحيح، ولكنه، على كل حال، قول له مؤيدوه ومناصروه. وأيًّا يكن، فالمحصلة أن ابن تيمية، ومعه فريق آخر، ينكرون المجاز، فمعاني المفردات تتنوع بحسب سياقها واستعمال الناس لها، وليست مفردات اللغة قوالب جامدة موضوعة في خانات أو معبأة في علب جاهزة.
 
ومع ما في هذه النظرة من تشدد واعتساف فإنها تؤكد أن طرق التعبير لا نهاية لها، وأن كل امرئ يستطيع أن يخلق علاقات جديدة بين المفردات، ويلائم بينها، سواء كان عن طريق المجاز أم الاستعمال والسياقات المختلفة عند من ينكر المجاز، أم غيرها من الطرق.
 
وإنكار المجاز أمر ليس هينًا ولا يسيرًا، فالأسد لفظ وضع على الحيوان المعروف، غير أن إطلاقه على الرجل الشجاع، مثلًا، إطلاق مجازي، ولا يمكن لأحد أن يماري ويقول قد تطلق هذه الكلمة على الإنسان أيضًا، وأنها ليست كلمة خاصة بذاك الحيوان المعروف. ولقائل أن يقول إن العرب تستعمل هذا اللفظ للإنسان الشجاع، ولكنه استعمال في كل الأحوال، ولا معنى وضعيًا للكلمات مفردةً، ومعانيها في استعمالها وسياقها كما يطرح فريق منكري المجاز في ثقافتنا العربية، وفريق لعبة اللغة التي ألمعنا إليها قبل قليل. ولكن الوضع والمجاز أو لعبة اللغة لا تناقض بينهما فالكلمة لها معنى أولي، ولها علاقات معينة مع كلمات أخرى، ولكن المستعمل قد يسند لها علاقات جديدة يتجاوز معانيها المنطقية، فالبحر لا يضحك ولا يغضب مثلًا، ولكن بإمكان شاعر أو ناثر أدبي أن يسند الضحك أو الغضب للبحر أي إنه يمكنه إقامة علاقة جديدة بينهما، حسب ما يسمح له الخيال والإبداع. ولذا إذا سمعنا مجنونًا يقول: ضحك البحر أشفقنا عليه؛ لأن إسناده غير واع، وفي حالة انفصام مع الواقع. والحال أن الأديب في حالة انفصام مع الواقع كذلك، ولكن انفصام الأديب اختياري، وانفصام المجنون بالإكراه أو بالإجبار، وهذا مبعث شفقتنا عليه.
 
لولا المجاز لتوقفت الحياة وانحسر الإبداع، وانعدم التفكير، وقل ما شئت من نواتج العدم أو الأشياء المخلوقة بلا فكر ولا حياة. المجاز هو السبيل الذي يمتطيه الكاتب لكي يرى الحياة بطريقة جديدة أو لكي يرينا الحياة بطريقة مختلفة، ويقضي على الروتين الممل والقاتل لها.
 


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة