تجهيزات لاحتفال بذكرى عيد 26 سبتمبر     ندوة فكرية بمأرب تزامناً مع العيد الوطني بذكرى سبتمبر المجيد     في ذكرى سبتمبر.. القاضي الارياني ونضال الحرية (2)     ندوة فكرية بمأرب تقرأ "الحصاد المر" لـ نكبة 21 سبتمبر على اليمن     محاولات ثورية وتنويرية مهدت لثورة سبتمبر في مواجهة نظام الإمامة البائد     كتاب جديد للباحث محمد الحاج حول التاريخ اليمني القديم عبر استنطاق 60 نقشا مسنديا     كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء    

الثلاثاء, 11 أغسطس, 2020 05:29:51 مساءً

 
حين يناقش بعض المحدثين دور علماء العرب في اللغة، فإنهم – مع إصرار مقصود ومفهوم - يحاكمونهم إلى ما قدمه النحاة مثلًا أو المعاجم اللغوية، ويهملون إنجازهم اللغوي العميق في فروع أخرى من فروع المعرفة الإنسانية. يضربون صفحًا، على سبيل المثال، عما أبدعه هؤلاء العلماء، في جانب البحث اللغوي، في كتب الأصول، والتفسير، وعلم الكلام، والأصوات، والبلاغة والأدب، وكتب الشروح، وغيرها من الإنتاج العلمي العربي الضخم في هذا الصعيد.
 
وفي الحق أن غير اللغويين، ممن عرضوا للغة ضمن مناسبات أخرى كهاته الفئات المشار إليها، ناقشوا مسائل اللغة أعمق من مناقشة اللغويين والنحاة أنفسهم. والأمانة العلمية أو الموضوعية تقتضي من هؤلاء المحدثين أن يحاكموا التراث اللغوي العربي بالنظر إلى ما أنجزه العرب في كل صعد المعرفة الإنسانية، وليس إلى كتب النحو أو اللغة فقط، ولكنَّ للقوم أغراضًا أخرى غير العلم، من بينها الحط من العرب ومن هذه النظرية العربية، ولا أقول التراث.
وفرضية أن غير اللغويين خاضوا في مسائل اللغة أعمق من اللغويين والنحويين أنفسهم فرضية قديمة، ومعروفة؛ فالإمام السبكي المتوفى (756هـ) قد ألمع إليها في سياق دفاعه عن أصول الفقه وثمرته الجليلة، بالقول: إن الأصوليين دَقَّقُوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدًا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تَضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراءٍ زائدٍ على استقراء اللغويّ. ولا يترك السبكي الأمر هكذا غفلًا ومجردًا بل يبسطه بوضع الأمثلة، فيقول:
دلالةُ صيغة "افعل" على الوجوب، ولا تفعل" على التحريم، وكون: كُلّ وأخواتِها للعموم، وما أشبه ذلك. لو فتشتَ كتبَ اللغة لم تجد فيها شيئًا في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبتَ معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلةٍ خاصة لا تقتضيها صناعةُ النحو.
 
وهذا الذي يقوله السبكي صحيح جدًّا، فلم يكن غاية النحويين البحث في الدلالات العميقة بالكلام بقدر ما كانوا يبحثون في بناء الجملة بناء صحيحًا والبحث في العلامة الإعرابية أو العامل والمعمول، ولا سيما المتأخرين منهم، ولم يكن غاية اللغوي إلا جمع مفردات اللغة وشرحها وترتيبها وفق نسق خاص، وكان المفسرون والأصوليون يبحثون في ما دقّ من الكلام ودلالاته وترابطه وانسجامه وعلاقاته المنطقية، سواء بين الجمل أو بين أجزاء القول كله، بما في ذلك عنوانات السور وعلاقة العنوان بالسورة وعلاقة السور ببعضها، وعلاقة الأوائل بالأواخر في السورة ذاتها، على النحو الذي نجده فيما عرف بعلم المناسبات عند علماء القرآن والتفسير.
 
بل ناقشوا علاقة العلامات اللغوية بمدلولاتها، وهل العلاقة طبيعة أو بناء على تواضع واصطلاح، وهل تشير هذه الدوال إلى مدلول في الذهن أو المرجع في العالم الخارجي، كما ناقشوا مقاصد المتكلمين وأحوال المخاطبين، كل ذلك وغيره ناقشه علماء العرب، ولكن البعض لا يعجبه العجب ولا الصوم حتى في رمضان! وقد يعجب المرء حين يعلم أن مصطلحات صوتية، مثل الصامت والصائت موجودة في نظريتنا العربية منذ القرن الرابع الهجري، وأن المحدثين أخذوا هذين المصطلحين وغيرهما من المصطلحات والأفكار من النظرية العربية القديمة.
 
الضرب صفحًا من لدن البعض عن هذه الثقافة الثرية له علاقة بالهزيمة النفسية، والارتداد الحضاري العنيف أو التعويض النفسي الداخلي والانبهار بالآخر، وأجزم أن الكثير من هؤلاء غير مطلعين على هذا الرصيد المعرفي العربي اطلاعًا كافيًا، والبعض ليس لديه أي اطلاع أصلًا، ولا حتى مجرد الاستعداد للاطلاع؛ فقط لأن هذا الرصيد عربي وزامر الحي لا يطرب!
 
إن المعرفة الإنسانية متناسلة، والنظريات متداخلة، والإعراض تمامًا عن جهود الآخرين نوع من السفه والطيش، وضرب من العبث والجنون.
 


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة