تجهيزات لاحتفال بذكرى عيد 26 سبتمبر     ندوة فكرية بمأرب تزامناً مع العيد الوطني بذكرى سبتمبر المجيد     في ذكرى سبتمبر.. القاضي الارياني ونضال الحرية (2)     ندوة فكرية بمأرب تقرأ "الحصاد المر" لـ نكبة 21 سبتمبر على اليمن     محاولات ثورية وتنويرية مهدت لثورة سبتمبر في مواجهة نظام الإمامة البائد     كتاب جديد للباحث محمد الحاج حول التاريخ اليمني القديم عبر استنطاق 60 نقشا مسنديا     كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء    

الثلاثاء, 11 أغسطس, 2020 10:14:52 صباحاً

يقال أن الرجال لا تعمل إلا تحت الضرورات، وقد خلص فيلسوف التاريخ "توينبي" إلى أن التحدي هو المحرك لنشوء الحضارات، غير أن ثمة محرك خطير لنهوض الناس هو أدق وأكثر تفسيراً لظاهرة نهوض المجتمعات البشرية، وهو قلق الوجود، فعندما تتعرض مجموعة بشرية لتهديد الفناء، يستحث عقلها الجمعي كل طاقتها وامكانيتها للتحرك نحو مشروع الحفاظ على الوجود، والانفلات من براثن الإفناء، وهذا هو المحرك الرئيس لنهوض المجتمعات.
 
فالمجتمع كالفرد، يستنهض قدراته وطاقاته إذا ما ألم به خطر عظيم، فلا يدري بعد ذلك من أين هبطت عليه تلك الطاقة الهائلة للفرار من الخطر أو مواجهته بكل بسالة.
 
ولفهم آلية هذا القانون الخطير، نحتاج أن نقف على شواهد تاريخية، تفسر لنا علاقة النهوض المجتمعي بقانون " قلق الوجود".
 
فقد سألني أحد الأصدقاء عن سر نجاح الأتراك في بناء دولتهم وفشل العرب في القرن الأخير، فقلت له : هنالك سبب رئيس يحرك النفسية التركية نحو بناء دولة حديثة، هذا السبب لا نجده يشتغل بقوة عند العرب، وهو القلق الجغرافي، فالتركي ينطوي على قلق وجودي، إذ هو نقيلة منبتة عن جذوره التركية وامتداده الجغرافي وسط آسيا، إذ لايزال  التركي يحمل قلق سليمان شاه الذي ظل يفر من زحف التتار من وسط آسيا وحتى أقصى بقعة في الأناضول.
 
هذا القلق يجعل من فكرة الدولة لدى التركي مقدمة على أي شيء آخر، ولو كان الدين، ولذلك يدعو التركي عقب صلاته : (اللهم أنصر الدولة والدين). فالدولة مقدمة على الدين، لأن بزوالها يزول الوجود البشري من هذه البقعة، ويزول الدين.
 
وقد رأينا هذا الترتيب متجسدا أيام كمال أتاتورك الذي فرض الهوية العلمانية بتوحش على المجتمع التركي،  فلم يثر عليه أحد، عدا شرذمة من الأكراد وقف الجميع ضدهم بما فيهم الشيخ سعيد النورسي، الذي نصح قومه من الأكراد أن يضعوا سلاحهم ولا يتصدوا لأتاتورك، خشية من انفراط أمر الدولة، ووقوعها تحت الاحتلال الروسي من الشرق والأوروبي من الغرب، ومن ثم استئصال الوجود التركي من تركيا كما حدث لعرب الأندلس الذين استأصلهم الإسبان بعد وجودهم فيها ثمانية قرون.
 
فالأتراك يدركون أنه لولا حاجة أوروبا الغربية لهم  كدرع أمام توغل الروس، لكان التعامل مع تركيا عقب الحرب العالمية الأولى مختلف، فخبر التاريخ يؤكد لنا أن بريطانيا ظلت تدعم الأتراك لمدة قرن أمام الروس كي لا يبتلع الروس شرق أوروبا، وهذا ملف تفصيلي شائك لمن خبر التاريخ التركي الحديث.
 
هذا القلق الوجودي هو السر وراء الروح الوطنية العالية عند التركي، فنجده لا يفرط بالثوابت الوطنية مهما كان الخلاف البيني، ولذلك يصطف العلماني خلف الإسلامي في قضايا سيادة البلد، وآخرها آيا صوفيا.
 
هذا القلق الوجودي هو الذي يجعل فكرة الدولة حاضرة في أذهان الشعب، ومقدمة على فكرة الطائفة أو القبيلة والعشيرة. بخلاف العرب الذين لا يشعرون بتهديد وجودي، إلا من انبثاق دولة لا تمثل قبيلتهم أو طائفتهم فينازعون فكرة الدولة إن كانوا في المعارضة، وإن كانوا في السلطة يفصلون ثوب الدولة على مقاس الطائفة أو القبيلة فقط!
ويبقى السؤال ماثلاً: هل يتشكل قلق وجودي للعربي على إثر الهجمة الجديدة على المشرق العربي، المحاط بمشروع صهيوني ماكر، ومشروع صفوي قاتل، ومشروع صليبي يمتص خيراتنا؟
 
هل يمكن لحالة التجريف المجتمعي، وحروب التطهير الطائفي، في المشرق العربي أن تورث الجيل قلقاً على الوجود البيولوجي للعرب، فينخلعوا من فكرة القبيلة والطائفة والعشيرة والمنطقة، ويلتفوا حول بناء دولة حديثة تترجم عن وجودهم، لا طوائفهم وقبائلهم؟
أعتقد أن هذا سيكون أكبر مكسب من الأحداث الأخيرة، إذا فقه العرب.
 
وإلا فإن الوجود العربي في المشرق يتعرض لتجريف ربما أكبر مما  تعرض له أثناء الغزو المغولي للمشرق العربي في القرن السابع الهجري.
 
هذا التجريف رأينا آثاره في نزوح ملايين من شعوب المشرق من العراق وسوريا واليمن في أصقاع العالم، وآخر مظاهر هذا التجريف أن يوقع عشرات الآلاف من اللبنانيين عريضة تطالب الاحتلال الفرنسي المتوحش بالعودة لحكم لبنان، نتيجة فشل أنظمة ما بعد الاستقلال في توفير الحد الأدنى من شروط الحياة على هذه الأرض.
من يدري فقد تسير بنا الأحداث إلى أن يحدث فراغ هائل في الجغرافيا المشرقية، يغطيه غيرنا، ثم لا يكونوا أمثالنا!
 


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة