الجيش يكشف بالأسماء عن أخطر خلية تجسس تابعة للحوثيين في مأرب (فيديو)     اللجنة الأمنية بتعز تصدر 14 قرارا مهما     منظمة دولية تدعو الإدارة الأمريكية لوقف مبيعات الأسلحة للإمارات     انهيار متسارع للعملة اليمنية مقابل العملات الصعبة واستفادة مباشرة للحوثيين     جلسة استماع للصحفيين المفرج عنهم من سجون جماعة الحوثي بمأرب     وزير الخارجية اليمني: استقرار اليمن من استقرار المنطقة بالكامل     منظمة دولية: استهداف الحوثيين للأحياء السكنية بتعز ترتقي لجريمة حرب     منظمة دولية تدعو الحوثيين للإفراج الفوري عن صحفي يمني     إحصائية جديدة .. وفاة نحو 233 ألف يمني بسبب الحرب في اليمن     افتتاح مخيم الوفاء الخيري لذوي الاحتياجات الخاصة بمأرب     مرخة العلياء الحلم الذي أصبح حقيقة     مجزرة جديدة للحوثيين بتعز تخلف قتلى في صفوف الأطفال والنساء     تنديد واسع بعنف الشرطة الفرنسية على مصور من أصول سورية     كلمة الرئيس هادي بمناسبة 30 من نوفمبر     محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام    

الثلاثاء, 11 أغسطس, 2020 10:14:52 صباحاً

يقال أن الرجال لا تعمل إلا تحت الضرورات، وقد خلص فيلسوف التاريخ "توينبي" إلى أن التحدي هو المحرك لنشوء الحضارات، غير أن ثمة محرك خطير لنهوض الناس هو أدق وأكثر تفسيراً لظاهرة نهوض المجتمعات البشرية، وهو قلق الوجود، فعندما تتعرض مجموعة بشرية لتهديد الفناء، يستحث عقلها الجمعي كل طاقتها وامكانيتها للتحرك نحو مشروع الحفاظ على الوجود، والانفلات من براثن الإفناء، وهذا هو المحرك الرئيس لنهوض المجتمعات.
 
فالمجتمع كالفرد، يستنهض قدراته وطاقاته إذا ما ألم به خطر عظيم، فلا يدري بعد ذلك من أين هبطت عليه تلك الطاقة الهائلة للفرار من الخطر أو مواجهته بكل بسالة.
 
ولفهم آلية هذا القانون الخطير، نحتاج أن نقف على شواهد تاريخية، تفسر لنا علاقة النهوض المجتمعي بقانون " قلق الوجود".
 
فقد سألني أحد الأصدقاء عن سر نجاح الأتراك في بناء دولتهم وفشل العرب في القرن الأخير، فقلت له : هنالك سبب رئيس يحرك النفسية التركية نحو بناء دولة حديثة، هذا السبب لا نجده يشتغل بقوة عند العرب، وهو القلق الجغرافي، فالتركي ينطوي على قلق وجودي، إذ هو نقيلة منبتة عن جذوره التركية وامتداده الجغرافي وسط آسيا، إذ لايزال  التركي يحمل قلق سليمان شاه الذي ظل يفر من زحف التتار من وسط آسيا وحتى أقصى بقعة في الأناضول.
 
هذا القلق يجعل من فكرة الدولة لدى التركي مقدمة على أي شيء آخر، ولو كان الدين، ولذلك يدعو التركي عقب صلاته : (اللهم أنصر الدولة والدين). فالدولة مقدمة على الدين، لأن بزوالها يزول الوجود البشري من هذه البقعة، ويزول الدين.
 
وقد رأينا هذا الترتيب متجسدا أيام كمال أتاتورك الذي فرض الهوية العلمانية بتوحش على المجتمع التركي،  فلم يثر عليه أحد، عدا شرذمة من الأكراد وقف الجميع ضدهم بما فيهم الشيخ سعيد النورسي، الذي نصح قومه من الأكراد أن يضعوا سلاحهم ولا يتصدوا لأتاتورك، خشية من انفراط أمر الدولة، ووقوعها تحت الاحتلال الروسي من الشرق والأوروبي من الغرب، ومن ثم استئصال الوجود التركي من تركيا كما حدث لعرب الأندلس الذين استأصلهم الإسبان بعد وجودهم فيها ثمانية قرون.
 
فالأتراك يدركون أنه لولا حاجة أوروبا الغربية لهم  كدرع أمام توغل الروس، لكان التعامل مع تركيا عقب الحرب العالمية الأولى مختلف، فخبر التاريخ يؤكد لنا أن بريطانيا ظلت تدعم الأتراك لمدة قرن أمام الروس كي لا يبتلع الروس شرق أوروبا، وهذا ملف تفصيلي شائك لمن خبر التاريخ التركي الحديث.
 
هذا القلق الوجودي هو السر وراء الروح الوطنية العالية عند التركي، فنجده لا يفرط بالثوابت الوطنية مهما كان الخلاف البيني، ولذلك يصطف العلماني خلف الإسلامي في قضايا سيادة البلد، وآخرها آيا صوفيا.
 
هذا القلق الوجودي هو الذي يجعل فكرة الدولة حاضرة في أذهان الشعب، ومقدمة على فكرة الطائفة أو القبيلة والعشيرة. بخلاف العرب الذين لا يشعرون بتهديد وجودي، إلا من انبثاق دولة لا تمثل قبيلتهم أو طائفتهم فينازعون فكرة الدولة إن كانوا في المعارضة، وإن كانوا في السلطة يفصلون ثوب الدولة على مقاس الطائفة أو القبيلة فقط!
ويبقى السؤال ماثلاً: هل يتشكل قلق وجودي للعربي على إثر الهجمة الجديدة على المشرق العربي، المحاط بمشروع صهيوني ماكر، ومشروع صفوي قاتل، ومشروع صليبي يمتص خيراتنا؟
 
هل يمكن لحالة التجريف المجتمعي، وحروب التطهير الطائفي، في المشرق العربي أن تورث الجيل قلقاً على الوجود البيولوجي للعرب، فينخلعوا من فكرة القبيلة والطائفة والعشيرة والمنطقة، ويلتفوا حول بناء دولة حديثة تترجم عن وجودهم، لا طوائفهم وقبائلهم؟
أعتقد أن هذا سيكون أكبر مكسب من الأحداث الأخيرة، إذا فقه العرب.
 
وإلا فإن الوجود العربي في المشرق يتعرض لتجريف ربما أكبر مما  تعرض له أثناء الغزو المغولي للمشرق العربي في القرن السابع الهجري.
 
هذا التجريف رأينا آثاره في نزوح ملايين من شعوب المشرق من العراق وسوريا واليمن في أصقاع العالم، وآخر مظاهر هذا التجريف أن يوقع عشرات الآلاف من اللبنانيين عريضة تطالب الاحتلال الفرنسي المتوحش بالعودة لحكم لبنان، نتيجة فشل أنظمة ما بعد الاستقلال في توفير الحد الأدنى من شروط الحياة على هذه الأرض.
من يدري فقد تسير بنا الأحداث إلى أن يحدث فراغ هائل في الجغرافيا المشرقية، يغطيه غيرنا، ثم لا يكونوا أمثالنا!
 


قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ