في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا     حسابات التحالف في معركة مأرب     الإعلان عن تشكيل مجلس تربوي بمأرب يضم عددا من مدراء مكاتب التربية بالجمهورية     أبوظبي في اليمن.. الإعلام والمساعدات للتغطية على الجرائم والأطماع     اختطافات بصنعاء تطال 30 ناشطا من المتضامنين مع عبدالله الأغبري     إصلاح تعز يحي الذكرى 30 لتأسيس الحزب     حزب الإصلاح اليمني يحتفل بالذكرى الثلاثين للتأسيس (نص البيان)     تسجيلات المتهمين بقتل الأغبري يؤكد أن الحوثيين ينوون التلاعب وتمييع القضية    

الخميس, 04 يونيو, 2020 08:37:31 صباحاً

عندما نتحدث في النحو فلا يعني أننا نستهين به، كيف وهو عمود الكلام الذي نتكلم به، ونقتفي آثاره، وقواعده، ووظائفه في أثناء حديثنا وتواصلنا؟! وإنما ننتقد محاولة البعض تقزيمه وحصره في العلامة الإعرابية من حيث لا يشعرون، على نحو يجعله كأنه علم العلامة الإعرابية، والنحو أوسع من ذلك بكثير، إنه ترتيب الكلام وفق نظام معين يقتضيه هذا العلم وتتواطأ عليه الجماعة اللغوية، من وظائف خاصة بكل باب، ووظائف عامة تدخل في أبواب كثيرة، وقواعد كلية وفلسفة عميقة تؤطره وتقف خلفه وتمنحه الشرعية والاعتبار.
 
 أجل، للنحو فلسفة واضحة وآليات وقواعد عامة انطلق منها النحاة، وهم يؤسسون لهذا العلم العظيم، وليس النحو مجرد أثر إعرابي يجلبه العامل في آخر الكلمة كما فهم ذلك المتأخرون. حتى معنى العامل الذي بني عليه النحو أو معظمه فهم فهما بعيدا عن فهم أوائل النحاة. 
 
لا يمكن أن نفهم الكلام بغيرالنحو، ما من أحد ينازع في ذلك. ولكن أي نحو؟ العلامة الإعرابية، وأثر العامل في المعمول؟ كلا! النحو كنظام كلي، ووظائف عامة، ووظائف خاصة ليست العلامة إلا إشارة إليها فحسب. وهو قبل ذلك فلسفة عميقة، وفكر جدير يتطلب خيالا خصبا وعقلا واسعا، وحساسية وتذوقا.
 
ولمعرفة ما الذي نروم إليه أو بعضه اليسير في هذه الخاطرة العجلى، نمثل بهذه الأمثلة:
 
في قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات"، يدلنا النحو على فهم هذا الحديث فهما صحيحا لم يكن ليحصل إلا به. حسنا، كيف يحصر النبي هنا الأعمال بالنيات والأعمال قد تحصل من دون نيات؟ تكون جالسا في مكانك ثم يأتي إليك صديق ينسجم معك وتنسجم معه، ولم تكن لتفكر أو لتنوي أي عمل، ثم يأخذ بيدك أو يقترح عليك الذهاب لعمل ما. هذا عمل من دون نية، وكل الأعمال التي تحدث لنا لساعتها أو بالصدفة هي على الأرجح من دون نية. فما معنى إنما الأعمال بالنيات؟ ما المعنى الذي قصد إليه الرسول؟ هنا يسعفنا النحو، ويقول لنا: المقصود إنما تصح الأعمال أو صحة الأعمال بالنيات. فالجار والمجرور متعلق بفعل محذوف أو مصدر، وبهذا اهتدينا إلى المعنى من الكلام. وهو أن صحة الأعمال وقبولها عند الله لا تكون إلا بالنيات وعندما يقول النبي عليه السلام أيضا "يولد المولود على الفطرة حتى يكون أبواه...." يخبرنا النحو لكي نفهم المعنى أن تعليق الجار والمجرور بالفعل "يولد" خطأ محض؛ لأنه يلزم منه أنه يكون على الفطرة في ساعة ولادته فقط، ويفهم منه أنه بعد ذلك لا يكون عليها، وليس الأمر كذلك، فالجار والمجرور هنا متعلق بحال مفهومة من السياق أي يولد المولود مستقرا، أو نحو ذلك من التقديرات، على الفطرة فهو يستمر ويستقر على الفطرة حتى تتدخل عوامل البيئة فتؤثر فيه، وهذا يكون إلى حين البلوغ. فأين هذا المعنى من المعنى الأول؟! ثمة من يعلقه بالفعل يولد، وهذا رأي يفسده المعنى.
 
ومن ذلك أيضًا أن "أحوى" في قوله تعالى: " فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ (الأعلى 5) لا يجوز أن تكون صفة للغثاء، وإنما هي حال؛ لأن معنى "أحوى" أسود من شدة الاخضرار لكثرة الري وهذا لا يناسب "غثاء"، فـ "أحوى" حال من المرعى، أخر للتناسب. والأصل أخرجَ المرعى أَحْوى فجعله غثاءً. وثمة آراء أخرى في توجيه أحوى، ولكنها لا تتفق مع المعنى الصحيح. كل هذا يؤكد لنا أن النحو ليس العلامة الإعرابية فحسب، صحيح أنها قد تؤشر أو تدل على المعنى، ولكن الدليل ليس هو المدلول عليه، أو ليست العلامة الإعرابية مكافئة للمعنى بالمعنى الحصري لهذه الكلمة، فالأكثر أهمية منها بأشواط كثيرة هي الوظيفة ذاتها وتناغمها مع المعنى الدلالي المراد. ومن متى كانت العلامة تعني الوظيفة؟! إنها حكم عليها فحسب، والأحكام لا تدخل في الحدود كما يقول المناطقة.
 
ولقد يقف المرء حائرا في معنى من المعاني لتعدد فهم الوظيفة النحوية، فإن رجح وظيفة على أخرى فهم معنى هو غير المعنى الموجود في الوظيفة الأخرى، وهكذا.
 
وقد يختلف الفقهاء وهم يستنبطون الأحكام الشرعية من أدلتها بسبب اختلافهم في هذه الوظائف وفهمها. أو في عود ضمير أو في فهم نوع حرف من الحروف فقط.
 
وجماع هذا القول أن النحو ليس بالتخصص قليل الشأن، ولكن على ألا يفهم أو يحصر في العلامة الإعرابية والأثر الإعرابي. إن في هذا تقزيما له وإساءة بالغة إليه.


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة