استلمت أسرته صندوقا لم يسمح لهم بفتحه وبعد أسابيع حصلت المفاجئة     اتحاد طلاب اليمن في الصين يقيم احتفالاً لخريجي دفعة التحدي والنجاح 2020     كيف تضاءل نفوذ السعودية في اليمن لصالح الإمارات     آيا صوفيا.. مسجدًا للمرة الثانية.. القرار الصعب     قراءة في مغالطات العلامة محمد الوقشي حول نظرية المذهب الزيدي     تراجع مخيف للحوالات الخارجية بسبب كورونا وإجراءات جديدة اتخذتها دول الخليج     الدفاع والداخلية يستعرضان تفاصيل تنشر لأول مرة حول خلية سبيعان بمأرب     ذكرى استهداف معسكر العبر.. التدشين الأول لاستهداف اليمنيين باسم الضربات الخاطئة     تشويش قيمة الحب     الإمارات وأدواتها وقوات الساحل في مهمة إسقاط تعز من الداخل     حجرية تعز: اختزال عميق للشخصية اليمنية العتيدة     اختراق إلكتروني يتسبب بحريق في إحدى المنشآت النووية وإيران تتوعد بالانتقام     كيف دربت بريطانيا طيارين سعوديين شاركوا في استهداف مواقع مدنية في اليمن؟     طلاب يمنيون في الصين يناشدون الحكومة سرعة التدخل لإجلائهم     شيخ المقاصد يفند خرافة الصلاة على الآل في الكتاب والسنة    

السبت, 30 مايو, 2020 09:35:08 مساءً

إنما قيمة الإنسان فيما يحسن، لا أدري إن كانت هذه العبارة قرأتها من قبل، ونطت إلى رأسي الآن، والمؤكد أنها ليست من عندياتي، وأيا يكن مصدرها فإني أؤمن بها تمامًا، ذلك أن أقدار الناس تتفاوت، وميولهم تختلف، وكذلك استعداداتهم في كل شيء، ولأمر ما سخر الله بعضنا لبعض. وذلك بما زود كل إنسان منا بميول واستعدادات وقدرات، تجدها في هذا ولا تجدها في ذاك، وتلك فكرة تكاد تكون من المسلمات التي لا يماري في صدقها أحد.
 
ومن آيات هذه الفكرة أن الكاتب قد يكون ممتازا في نثره ومقصرا لا، بل مضحكا في شعره، والعكس صحيح تمامًا، هذه قاعدة تكاد تكون مطردة. والقارئ في البيان والتبيين للجاحظ، على سبيل الإلماع، يجد أمثلة كثيرة على هذا فعبد اﻟﺤﻤﻴﺪ اﻷﻛﺒﺮ، ﻭاﺑﻦ اﻟﻤﻘﻔﻊ، ﻣﻊ ﺑﻼﻏﺔ ﺃﻗﻼﻣﻬﻤﺎ ﻭﺃﻟﺴﻨﺘﻬﻤﺎ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﺎﻥ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﺮ ﺇﻻ ﻣﺎ ﻳﺬﻛﺮ ﻣﺜﻠﻪ. أي إنهما يحاكيان شعرا قد قيل، وينسجان على منواله، وأيا يكن فالشعر موهبة على أنها تحتاج إلى الصقل والمران، كما تحتاج إلى خيال واسع وامتلاك لناصية اللغة.
 
ﻭبالعودة إلى صاحبنا ابن المقفع هذا، ألح عليه بعض أصدقائه، لما رأوا غزارة علمه، وطالبوه بقول الشعر أو سألوه مستغربين، لم لا يقوله! ﻓﻘﺎﻝ لهم: اﻟﺬﻱ ﺃﺭﺿﺎﻩ ﻻ ﻳﺠﻴﺌﻨﻲ، ﻭاﻟﺬﻱ ﻳﺠﻴﺌﻨﻲ ﻻ ﺃﺭﺿﺎﻩ.
 
عبارة فصيحة وجميلة، ولكن الشعر شيء آخر.
 
ﻭﻫﺬا اﻟﻔﺮﺯﺩﻕ ﻭﻛﺎﻥ ﻣﺴﺘﻬﺘﺮًا ﺑﺎﻟﻨﺴﺎء، ﻭﻛﺎﻥ ﺯﻳﺮ ﻏﻮاﻥٍ، ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﺑﻴﺖ ﻭاﺣﺪ ﻓﻲ اﻟﻨﺴﻴﺐ ﻣﺬﻛﻮﺭ، ﻣﻊ ﺣﺴﺪﻩ ﻟﺠﺮﻳﺮ. ﻭﺟﺮﻳﺮ ﻋﻔﻴﻒ ﻟﻢ ﻳﻌﺸﻖ اﻣﺮﺃﺓ ﻗﻂ، ﻭﻫﻮ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺃﻏﺰﻝ اﻟﻨﺎﺱ ﺷﻌﺮًا. حتى لقد قيل إن جريرا كأنه يغرف من بحر، وإن الفرزدق كأنما ينحت من صخر، ولذا فشعر الفرزدق أقوى وأفخم، وشعر جرير أسهل وأجرى على الألسنة، شعر الفرزدق شعر نخبة، وأما شعر جرير فشعر جماهير، ثم هو أكثر رشاقة وأعذب موسيقا ولذا فقد كان سريع الانتشار، ولعل هذا السبب هو الذي جعل الفرزدق يغار منه.
 
ولا يكتفي الجاحظ بهذا بل يحاجج أكثر على فكرته التي توصل إليها بعد طول تأمل وكثرة قراءة وتذوق، ويمنحنا أمثلة أخرى على أن الشاعر قد يكون مجيدًا في غرض أو باب ومقصرًا في آخر، يقول: ﻭﻓﻲ اﻟﺸﻌﺮاء ﻣﻦ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻣﺠﺎﻭﺯﺓ اﻟﻘﺼﻴﺪ ﺇﻟﻰ اﻟﺮﺟﺰ، ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻣﺠﺎﻭﺯﺓ اﻟﺮﺟﺰ ﺇﻟﻰ اﻟﻘﺼﻴﺪ، ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ يجمعهما ﻛﺠﺮﻳﺮ ﻭﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﻟﺠﺄ، ﻭﺃﺑﻲ اﻟﻨﺠﻢ، ﻭﺣﻤﻴﺪ اﻷﺭﻗﻂ، ﻭاﻟﻌﻤﺎﻧﻲ. ﻭﻟﻴﺲ اﻟﻔﺮﺯﺩﻕ ﻓﻲ ﻃﻮاﻟﻪ ﺑﺄﺷﻌﺮ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﻗﺼﺎﺭﻩ.
 
ويشير أيضًا إلى أن من اﻟﺸﻌﺮاء ﻣﻦ ﻳﺨﻄﺐ ﻭﻓﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟﺨﻄﺎﺑﺔ، ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺣﺎﻝ اﻟﺨﻄﺒﺎء ﻓﻲ ﻗﺮﻳﺾ اﻟﺸﻌﺮ. ﻭاﻟﺸﺎﻋﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﻗﺪ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﺣﺎﻻﺗﻪ.
 
ﻭقد ﻗﺎﻝ شاعر مثل اﻟﻔﺮﺯﺩﻕ: ﺃﻧﺎ ﻋﻨﺪ اﻟﻨﺎﺱ ﺃﺷﻌﺮ اﻟﻨﺎﺱ ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻣﺮﺕ ﻋﻠﻲ ﺳﺎﻋﺔ، ﻭﻧﺰﻉ ﺿﺮﺱ ﺃﻫﻮﻥ ﻋﻠﻲ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺃﻗﻮﻝ ﺑﻴﺘًﺎ ﻭاﺣﺪًا.
 
الفرزدق هذا شاعر فخم، وليس من اليسير فهم شعره، وقد أتعب النحويين من بعده، والقارئ في كتب تاريخ الأدب وطبقات النحويين، يلمح بوضوع معالم معارك، وإحن بينه وبينهم، أنشد مرة قصيدة أمام نحوي كبير مثل عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، فلما انتهى إلى قوله:
 
وعضّ زمانٍ يا ابن مروان لم يدع 
 
من المال إلاّ مسحتاً أو مجلّف
 
وقف له ابن إسحاق هذا، وقال له مستنكرا: 
 
علام رفعت مجلف؟ فثار الفرزدق وحدجه بنظرة قوية، وقال له: على ما يسوءك وينوءك، علينا أن نقول، وعليكم أن تتأولوا. ثم قال الفرزدق: الطويل:
 
فلو كان عبد اللّه مولىً هجوته
 
 ولكنّ عبد اللّه مولىً مواليا
 
لا أدري ما الذي يغري نحويا كابن أبي إسحاق حتى يعترض على عملاق من عمالقة الشعر العربي الكبار، وأحد المبرزين فيه، وأمير من أمراء الكلام العربي! لا أدري ما الذي يغريه بمعارضة شاعر مثل الفرزدق! يتحدث لغة عربية فصيحة وعالية، ملتزما معاني النحو، ومؤاخيا بينها، على ما يقتضيه النحو العربي، بنى فأحكم النسج، وقال فأبدع، وصور فأبرع، وأوصل معانيه فأفهم، ثم يأتي مثل ابن أبي إسحاق، يسأله مستنكرا عن جزئية تتعلق بإعراب كلمة، منطلقا من معيارية صارمة، والكلام أوسع من أن تحيط به علامة إعرابية، ثم هو أقدم من القاعدة النحوية تلك التي نشأت استنادا على الذائع الشائع من كلام العرب، ثم إن الشاعر له من الضرورة ما ليس لغيره، والضرورة لغة، وقد خالف قواعد النحويين من هو أقدم من الفرزدق وأفصح وألصق بالبادية، وهنا يضع النحويون أكفهم عجبا، وكان عليهم أن يتعجبوا من مقاييسهم التي وضعوها، ومعاييرهم التي اخترعوها؛ حتى إذا أعجزتهم الحيل، وأرهقهم التفكير اهتدوا إلى القول إن هذا من الشاذ أو النادر أو هو لحن. في منطق غريب، وحجاج سقيم لا يصمد أمام أي نقاش علمي صارم.
 
 نعود إلى صاحبنا ابن أبي إسحاق، وقد سمع بيت الفرزدق الآنف، فقال له في المنطق الغريب نفسه: أردت أن تهجوني فلحنت أيضاً. يا ألله! لكأن هذه المعايير قوانين إلهية معصومة، أو لكأنهم زعموا أن كلام العرب كله لا يقع فيه مثل هذه المخالفات لقواعدهم. في القرآن مثلا: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون"، وفي القرآن أيضا "ثم عموا وصموا كثير منهم" وفي القرآن "أن الله بريء من المشركين ورسوله" بكسر رسوله في قراءة. كل ذلك موجود في القرآن، وكل ذلك مخالف لمقاييسهم التي بنوها على الكلام الذائع من كلام العرب. ولولا أنه قرآن لوجدت أولئك النحويين يقولون لمستعمل مثل هذا الاستعمال إنه لحن، وإنه غلط فاحش.
 
 وعودا إلى صاحبنا الفرزدق مرة أخرى، يقول صاحب خزانة الأدب: والفرزدق مشغوف في شعره بالإعراب المشكل المحوج إلى التقديرات العسرة، بالتقديم والتأخير المخل بالمعاني.
 
وعندي تفسير لهذا، لعل تلك المعارك التي كان يخوضها مع النحويين ومهاجمتهم له، لعل ذلك جعله يتقصد إلى تلك الغرابة قصدا إمعانا في مخالفة قواعدهم ومعاييرهم، تلك التي تحد الإبداع وتوقف سيلان الشعر، وتقيد حركة اللغة وتطورها. ولسنا مع صاحب الخزانة في أن الفرزدق يتصرف بالكلام على نحو يخل بالمعاني، لأن عدم الوصول إلى المعنى أحيانا بسهولة لا يكافئ أن المعنى مختل إلا في ذهن من عجز عن الوصول إليه.
 
وجماع هذا الذي قدمناه أن كل إنسان مزود بقدرات واستعدادات معينة، وذلك يؤكد أن الكمال أو مقاربته عزيز ونادر. والعادة أننا عندما نرى أي إنسان يحاول ملامسة كل شيء فإنه يخفق عن أن يكون صاحب مشروع أو مذهب، ويظل كل ما يقدمه أقرب إلى السطحية منه إلى الأعماق، ولا يقدم أي جديد غالبًا؛ وأن الكلام الفصيح المستعمل أكبر من كل قانون، ومن كل قاعدة؛ ففي البدء كانت الكلمة، ولم تكن القاعدة.


قضايا وآراء
أزمة مفتعلة للمشتقات النفطية بصنعاء