الاستخبارات العسكرية توقف صحفي يعمل بمكتب محافظ حضرموت والنقابة تدين     تركيا تفتتح مستشفى تم بنائه خلال 45 يوما لمواجهة فايروس كورونا     تعزيزات جديدة لدعم المتمردين بزنجبار قادمة من الساحل الغربي     مخاطر محتملة تهدد الأرض بعد اكتشاف المنخفض المغناطيسي جنوب الأطلسي     كورونا كسلاح جديد للسيطرة على العالم     عبدالفتاح مورو يتعزل الحياة السياسية بشكل نهائي     مصرع عناصر للمليشيا بمحافظة الجوف واستعادة أطقم عسكرية     احتجاجات بعدد من المدن الأمريكية بعد خنق شرطي لرجل أسود     المنخفض المداري بحضرموت يخلف وفيات وإصابات في يومه الأول     وزارة الصحة تعتمد وحدة صحية طارئة لعدن تصل الأربعاء     رمزي محروس يترأس اجتماع اللجنة العليا للطوارئ ومكتب الصحة بسقطرى     مقتل مسؤول أمني بمحافظة حضرموت بعبوة ناسفة     معارك دامية بأبين بعد فشل هدنة استمرت ليوم واحد     تزايد عدد الإصابات بفايروس كورونا في اليمن والحالات غير المعلنة ثلاثة أضعاف     تركيا تكشف عن طائرة قتالية مسيرة بمواصفات تكنولوجية فائقة الدقة    

الثلاثاء, 24 مارس, 2020 06:31:55 مساءً

قد يبدو العنوان غريبا بعض الشيء؛ بل غريبا جدا للوهلة الأولى، مصحوبا بسؤال استنكاري: وهل يكون الشر أحد أوجه الخير؟! ليكون الرد بالإيجاب القاطع، نعم. وباستقراء فصول التاريخ ومساراته الكبرى نخلص إلى هذه الحقيقة التي هي في حقيقتها مسلّمة من مسلمات التاريخ. وإلى هذا أشارت قوانين الجدل الهيجلي التي فسرت حركة الكون والتاريخ والعلوم، وفقا لثلاثة قوانين مركزية تُحكم عملية التطور والصراع وتفسر حقائقه ومالاته. وأولى هذه القوانين قانون تحول الكم إلى الكيف. أي أن التطور الكمي يفضي تلقائيا إلى التحول النوعي، كما سنرى.
إن حالات التفاعلات الداخلية لأي حدث أو فعل ما تتبلور في طريقها من الجزئي إلى الكلي، ومن الأصغر إلى الأكبر، ومن اللامرئي إلى المرئي، وعند هذه الحالة يكون التحول الحتمي لأي حدث، كالماء مثلا حين تجري عملية تسخينه وغليه، يبدأ بالسخونة رويدا رويدا، وما أن يصل إلى درجة 100% حتى تبدأ عملية التحول لكمية الماء داخل هذا الإناء من البرودة إلى السخونة، فالغليان، ومن الحالة السائلة إلى الحالة الغازية. وهو ما يسميه البعض أيضا بظاهرة "التغيُّر والتغيير" فالتغيُّر نتاج طبيعي لعوامل داخلية في بنية الحركة والحدث، بفعل التطور الطبيعي للمجتمع، يفرزه التراكم الكمي بصورة تلقائية وطبيعية، كعملية الولادة للحامل؛ أما التغيير فهو حالة خارجية، يتم بالتدخل في واحدة من اثنين: إما تسريع للتراكم، أو استجلاب للتحول، بصورة قسرية، تشبه عملية التوليد، لا الولادة، وخطر هذا التغيير أنه قد ينتهي بصورة خارج مساق التصور والرؤى الأولية، وخارج سياقات الفعل الطبيعي، وهذا ينطبق على بعض ثورات الربيع العربي التي حدثت بفعل "التغيير" كتدخل من خارج بنية الأنظمة نفسها لأنه لم تحصل عملية "تغير" داخلية في بنية هذه الأنظمة التي كان يجب عليها أن تجدد نفسها بنفسها من داخلها، وأن تسبق علمية التغيير الخارجية؛ لأن التغير عملية مقدور عليها من داخل بنية النظام نفسه، بالانتقال من طور إلى طور، ومن حالة إلى حالة؛ أما عملية التغيير فيصعب التحكم بها أو توجيه مسارها، وهو ما كان فعلا.
 
ويكاد ينطبق قانون التراكم الكمي على كل الثورات الناجحة في كل أنحاء العالم؛ حيث أفضت التراكمات الكمية خلال عقود وربما قرون من الزمن إلى خلق حالة من التحول النوعي في التغيير والبناء الجديد، وفقا لشروط المرحلة، ولشروط البناء ذاته؛ إذ تحولت أنظمة من الإقطاع إلى الاشتراكية، وتحولت أخرى من الاشتراكية إلى الرأسمالية؛ ذلك أن عملية التراكم الكمي قد استنفدت كل شروط البقاء، فأفضت إلى التحول الجديد "النوعي" بصورة مفاجئة أو شبه مفاجئة على الأقل في عملية مركبة ومتداخلة يصعب تقييمها أو حصرها في سبب واحد أو عامل وحيد؛ ذلك أن طبيعة الأحداث المركبة لها أكثر من وجه، تتعدد فيها المدخلات، كما تتعدد فيها المخرجات. إنهما علميتان تشبهان "الموت الطبيعي" و "القتل" الأولى تسير بحالة طبيعية، فيما الثانية اعتراض وخرم أجل بحسب تعبير أدبيات الفقه الإسلامي.
من ناحية أخرى لم تكن الحركات الإرهابية أو النظريات المتطرفة إلا حالة من التحول النوعي بعد حالة طويلة للتراكم الكمي في عملية نقيضة، فأنتج النقيضُ نقيضَه بلا حسبان؛ لأن أقصى اليمين في خدمة أقصى اليسار كما قيل. وما أشبه هذا القانون بالسيول الجارفة، ينظر الناس أحيانا إلى السيل كنتيجة، لكنه ينسى أن هذا السيل العرم أصله من قطرات بسيطة، تراكمت كليا، فتحولت نوعيا، تماما كحركة المجتمعات التي تبدأ في احتجاجات فردية بسيطة متفرقة هنا وهناك، ثم ما تلبث أن تتجمع في عاصفة غاضبة، كما تجمع ذلك السيل من قطرات.
أما القانون الثاني فهو قانون وحدة وصراع الأضداد.
وأساس هذا القانون المقولة السائدة: إن الشيء يولدُ ويولدُ نقيضه معه، وأن كل ظاهرة حين تولدُ فإنها تحمل بين ثناياها بذور فنائها، كالحياة التي تأتي من الموت، والموت الذي يأتي من الحياة، ولولا كل منهما منفردا، ما كان الآخر، فالخلايا الجذعية داخل جسم الإنسان، يموتُ بعضها على الدوام، لتحيا أخرى، فمثلا، ومن وجهة نظر علمية: الذرة تتكون من بروتونات ونيوترونات والكترونات، ومعروف أن شحنة البروتونات موجبة دائما، وشحنة النيوترونات متعادلة دائما، أي لا سالبة ولا وموجبة؛ أما الإلكترونات فشحنتها سالبة دائما، وكل هذا داخل الذرة، وكلها تعيش في وحدة واحدة رغم تناقض هذه الشحنات وتنافرها. ومن وجهة نظر اجتماعية فإن حالات الاضطراب والصراع داخل المجتمع الواحد بين رأس المال المتوحش من جهة، وبين الطبقة العمالية من جهة أخرى مثالٌ على ديمومة الحياة الطبيعية داخل المجتمع المتصارع طبقيا في حالة من الجدل المستعر والاضطراب بين طبقتي البرجوازيين والعمال. وهو ما أشرنا إليه سابقا.. أي أن الأصل في كل شيء الحركة، فيما السكون استثناء. وينطبق هذا القانون أيضا على الصراعات السياسية في المجتمع الواحد.
ولعل أفضل ترجمة شعرية لهذا القانون فيما ذكره الشاعر عبدالله البردوني في واحدة من عيون قصائده؛ حيث يقول:
نعرف الموت الذي يعرفنا مسنّا قتلا ودسناه قتـــال
وتقحمنا الدّواهي صورا أكلت منّا أكلناها نضــــال
موتُ بعض الشّعب يحيي كلّه إنّ بعضَ النقص روح الاكتمال
ها هنا بعض النّجوم انطفأت كي تزيد الأنجم الأخرى اشتعال
تفقد الأشجار من أغصانها ثمّ تزداد اخضرارا واخضلال
إن الحياة جميعا ــ وفقا لهذه القانون ــ هي حياة الأضداد وتصارعاتها التي لا بد منها: الخير والشر، الظلمة والنور، الحر والبرد، المعرفة والجهل، الحرب والسلام، الاستبداد والعدل، الديكتاتورية والديموقراطية، الهدم والبناء، الحب والبغض، الأسود والأبيض، الذكر والأنثى، الغنى والفقر، الموت والحياة، والليل والنهار... إلخ. هذا هو قانون وحدة وصراع الأضداد، وهو أساس التطور والنماء. وللقارئ أن يتخيل ما ذا لو كانت الحياة كلها لونا واحدا..1. (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ)
وأخيرا.. القانون الثالث، وهو قانون نفي النفي أو سلب السلب
وهذا القانون مرتبط بالقانون الأول، على اعتبار أن التراكمات الكمية التي تفضي إلى التحولات النوعية تنفي عن نفسها خصائصها السلبية، مبقية على الخصائص الإيجابية، وهو ما يشير إليه البعض بقوله: إن التاريخ يعيد نفسه، ولا يستسيغ بعض الفلاسفة هذه المقولة بطبيعة الحال؛ لأن حركة التاريخ ومسيرة الأحداث لولبية في مظهرها، الأمر الذي يجعل الناظر للأمور بسطحية وكأنها إعادة إنتاج لها مرة ثانية، فيما هي عملية نفي للمرحلة السابقة، تبدو منها وليست في الواقع منها، وقديما قيل: إنك لا تستطيع أن تسبح في النهر مرتين. والمتأمل في حركة المجتمع الأوروبي على وجه التحديد وتطوره يدرك ــ بوضوح ــ ملامح هذا القانون، من مجتمع العبودية والإقطاع التقليدي إلى الإقطاع الرأسمالي الذي ولَّد بدوره المجتمع الصناعي وطبقة البروليتاريا التي أفضت بالنهاية إلى تكوين النقابات ثم الثورة من أجل الحقوق، وصولا إلى المساواة بين الجميع. وإلى هذا أشار إنجلز فيما سماه النفي الإيجابي، وضرب لذلك مثلا بخروج الشرنقة من البويضة التي هي عملية نفي لمرحلة البويضة، لتبدأ مرحلة تراكم كلي جديدة حتى تنضج الفراشة جنسيا، وتصبح مؤهلة للتزاوج، فيتم التزاوج لتضع البيض وتموت، نافية النفي، وهو مثال ينطبق على بقية الكائنات. وقبل مثال إنجلز لدينا الإشارة القرآنية إلى هذه المتوالية من قانون نفي النفي في قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علمٍ شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج).
وهكذا هي سنة التطور القائمة على نفي النفي، في متوالية زمنية من عمليات التجديد المستمر للحياة. (كل يوم هو في شأن).
والخلاصة أن الشرّ هو الوجه الآخر للخير، يتخلق منه بصورة طبيعية، كما تتخلق توبة التائب من مدلهمات المعاصي، وتنبثق سبحات الروح من ظلامات القطيعة. وأيضا تتأتى التوبة الصادقة من ركامات المعاصي. ولم تتخلق هذه الحياة بكل إبداعاتها وجمالها وتفاصيلها إلا نتيجة لجريرة أبي البشرية الأول، وستتخلق الحياة الأخرى من هذه الحياة، في متوالية حركية يصعب تصور تفاصيلها.
 


قضايا وآراء
الحرية