إساءة الرئيس الفرنسي للمسلمين والموقف الطبيعي في الرد     موسم "الدناءة" الحوثية في استغلال الرسول الأعظم     ‏الاتحاد الدولي للصحفيين يؤكد مقتل 44 صحفيا يمنيا خلال سنوات الحرب     شرطة تعز تلزم جميع منتسبيها بارتداء الزي أثناء المهام الرسمية     ارتفاع عدد القتلى والجرحى في تركيا جراء زلزال إزمير     مقتل أربعة فرنسين طعنا وإصابة خامس بالقنصلية في السعودية     محافظ شبوة يلتقي قيادات السلطة المحلية بمديرية الروضة     حادثة حسن زيد.. تضارب وتخبط وصراع أجنحة في صفوف الحوثيين     حادثة حسن زيد بصنعاء.. اغتيال أم تصفية     تضارب التصريحات حول الهروبين بميناء عدن ومن الجهة التي تقف خلف الشحنة     أمنية شبوة تقر خطة جديدة للحفاظ على الأمن والاستقرار بالمحافظة     شرطة جبل حبشي تلقي القبض على قاتل بعد ساعات.. وحملة أمنية في التربة     في صنعاء.. القطة التي تأكل أولادها     من يقف خلف اغتيال السياسي البارز في هواشم صنعاء حسن زيد     الجيش يمشط مناطق بالقرب من معسكر الخنجر بالجوف    

السبت, 14 مارس, 2020 04:51:32 مساءً

هذا تأويل جديد ورأي مختلف في هذه الآية، ولا مراء في أن العلماء اختلفوا كثيرا في فهمها، وبالتحديد في الكاف. والحق أن في الكاف هنا سرًّا لطيفًا فطن إليه عالم مثل محمد عبد الله دراز، وهو ملمح عميق وجميل ينم عن ملكة جمالية وتذوقية لدى الرجل، وكثيرا ما يكون المعنى خفيًّا لا يدرك إلا بالروح والتذوق. وموضع هذا السر يكمن في حقيقة الكاف في "كمثله". 
يقول دراز:
أكثر أهل العلم قد ترادفت كلمتهم على زيادة الكاف بل على وجوب زيادتها في هذه الجملة، فرارًا من المحال العقلي الذي يفضي إليه بقاؤها على معناها الأصلي من التشبيه؛ إذ رأوا أنها حينئذ تكون نافية الشبيه عن مثل الله، فتكون تسليمًا بثبوت المثل له سبحانه، أو على الأقل محتملة لثبوته وانتفائه؛ لأن السالبة -كما يقول علماء المنطق- تصدق بعدم الموضوع. أو لأن النفي -كما يقول علماء النحو- قد يوجه إلى المقيد وقيده جميعًا. تقول: "ليس لفلان ولدٌ يعاونه" إذا لم يكن له ولد قط أو كان له ولد ولا يعاونه. وتقول: "ليس محمدٌ أخًا لعلي" إذا كان أخًا لغير علي أو لم يكن أخًا لأحد. ويلمع دراز إلى نفر قليل قالوا بجواز بقاء الكاف على أصلها ورأى هؤلاء أن بقاء الكاف على هذا الأصل لا يؤدي إلى ذلك المحال لا نصًّا ولا احتمالًا؛ لأن نفي مثل المثل يتبعه في العقل نفي المثل أيضًا.
وذلك أنه لو كان هناك مثل الله لكان لهذا المثل مثل قطعًا وهو الإله الحق نفسه، فإن كل متماثلين يعد كلاهما مثلًا لصاحبه، وإذًا لا يتم انتفاء مثل المثل إلا بانتفاء المثل وهو المطلوب.
ويرى دراز أن هذا الرأي، على أهميته، مصحح لا مرجح، أي إنه ينفي الضرر عن هذا الحرف، ولكنه لا يثبت فائدته ولا يبين مسيس الحاجة إليه. ويحاجج ببرهان فيقول: ألست ترى أن مؤدى الكلام معه كمؤداه بدونه سواء، وأنه إن كان قد ازداد به شيئًا فإنما ازداد شيئًا من التكلف والدوران وضربًا من التعمية والتعقيد. وهل سبيله إلا سبيل الذي أراد أن يقول: "هذا فلان" فقال: "هذا ابن أخت خالة فلان"؟ فمآله إذًا إلى القول بالزيادة التي يسترونها باسم التأكيد، ذلك الاسم الذي لا تعرف له مسمى ها هنا؛ فإن تأكيد المماثلة ليس مقصودًا البتة، وتأكيد النفي بحرف يدل على التشبيه هو من الإحالة بمكان. ونكاد نشتم في طريقة حجاجه أنه متأثر بعبد القاهر الجرجاني. وذلك يعني، فيما يعني، أن الرجل تشبع بروح عبد القاهر الجرجاني من خلال كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، ومن عنده خبرة بهذين الكتابين وتذوق لروح صاحبهما في منهج التحليل والحجاج، والتأتي للأمور يدرك ذلك بجلاء.
وأيًّا يكن، نعود إلى صاحبنا دراز، يقول بعد ذلك: ولو رجعت إلى نفسك قليلًا لرأيت هذا الحرف في موقعه محتفظًا بقوة دلالته، قائمًا بقسط جليل من المعنى المقصود في جملته، وأنه لو سقط منها لسقطت معه دعامة المعنى، أو لتهدم ركن من أركانه، ونحن نبين لك هذا من طريقين، أحدهما أدق مسلكًا من الآخر:
"الطريق الأول" -وهو أدنى الطريقين إلى فهم الجمهور: أنه لو قيل: "ليس مثله شيء" لكان نفيًا للمثل المكافئ، وهو المثل التام المماثلة فحسب؛ إذ إن هذا المعنى الذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه. وإذًا لدب إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام: أن لعل هنالك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها، وأن عسى أن تكون هذه المنزلة للملائكة والأنبياء، أو للكواكب وقوى الطبيعة، أو للجن والأوثان والكهان، فيكون لهم بالإله الحق شبه ما في قدرته أو علمه، وشرك ما في خلقه أو أمره.. فكان وضع هذا الحرف في الكلام إقصاءً للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنو منها، كأنه قيل: ليس هناك شيء يشبه أن يكون مثلًا لله، فضلًا عن أن يكون مثلًا له على الحقيقة. وهذا باب من التنبيه بالأدنى على الأعلى، على حد قوله تعالى: "فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا" نهيًا عن يسير الأذى صريحًا، وعما فوق اليسير بطريق الأحرى.
"الطريق الثاني" -وهو أدقهما مسلكًا: أن المقصود الأولي من هذه الجملة وهو نفي الشبيه، وإن كان يكفي لأدائه أن يقال: "ليس كالله شيء" أو "ليس مثله شيء" لكن هذا القدر ليس هو كل ما ترمي إليه الآية الكريمة، بل إنها كما تريد أن تعطيك هذا الحكم تريد في الوقت نفسه أن تلفتك إلى وجه حجته وطريق برهانه العقلي.
ألا ترى أنك إذا أردت أن تنفي عن امرئ نقيصة في خلقه فقلت: "فلان لا يكذب ولا يبخل" أخرجت كلامك عنه مخرج الدعوى المجردة عن دليلها. فإذا زدت فيه كلمة فقلت: "مثل فلان لا يكذب ولا يبخل" لم تكن بذلك مشيرًا إلى شخص آخر يماثله مبرأً من تلك النقائص، بل كان هذا تبرئة له هو ببرهان كلي، وهو أن من يكون على مثل صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك؛ لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات وبين ذلك النقص الموهوم.
على هذا المنهج البليغ وضعت الآية الحكيمة قائلة: "مثله تعالى لا يكون له مثل". تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه. فلا جرم جيء فيها بلفظين، كل واحد منهما يؤدي معنى المماثلة؛ ليقوم أحدهما ركنًا في الدعوى، والآخر دعامة لها وبرهانًا. فالتشبيه المدلول عليه "بالكاف" لمّا تصوب إليه النفي تأدَّى به أصل التوحيد المطلوب؛ ولفظ "المثل" المصرح به في مقام لفظ الجلالة أو ضميره نبه على برهان ذلك المطلوب. وهكذا يفتش دراز عن هذا المعنى الدقيق، ويخرجه لنا من صدفة ظلت مكنونة كل هذه القرون، وهكذا يلفت عنايتنا إلى جانب مهم ومشرق وراء بعض أسرار التعبير القرآني الأنيق والعميق.


قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ