أمريكا تواجه أخطر احتجاجات شعبية منذ عقود وترامب يدخل ملجئ سري للمرة الأولى     مقتل 4 أشخاص وإصابة 18 بعد قصف الحوثيين لحي الزهور بالحديدة     رحيل الدكتور صالح السنباني أحد القادة البارزين في حزب الإصلاح     مسؤول حوثي يظهر في وسائل الإعلام وعليه أعراض كورونا     إدانات شعبية ورسمية رافضة تعذيب صحفي من قبل الحزام الأمني بمحافظة لحج     الاستخبارات العسكرية توقف صحفي يعمل بمكتب محافظ حضرموت والنقابة تدين     تركيا تفتتح مستشفى تم بنائه خلال 45 يوما لمواجهة فايروس كورونا     تعزيزات جديدة لدعم المتمردين بزنجبار قادمة من الساحل الغربي     مخاطر محتملة تهدد الأرض بعد اكتشاف المنخفض المغناطيسي جنوب الأطلسي     كورونا كسلاح جديد للسيطرة على العالم     عبدالفتاح مورو يتعزل الحياة السياسية بشكل نهائي     مصرع عناصر للمليشيا بمحافظة الجوف واستعادة أطقم عسكرية     احتجاجات بعدد من المدن الأمريكية بعد خنق شرطي لرجل أسود     المنخفض المداري بحضرموت يخلف وفيات وإصابات في يومه الأول     وزارة الصحة تعتمد وحدة صحية طارئة لعدن تصل الأربعاء    

الأحد, 08 مارس, 2020 11:48:13 صباحاً

حين أخطأت طريقي إلى هذه الحياة كانت هناك امرأة تلدني وأخرى تستقبلني. الأولى شابة صغيرة السن قليلة الخبرة يتيمة الأم ما زالت تشعر بيتمها حتى اليوم هي أمي. والأخرى نخلة باسقة في منتصف عمرها هي جدتي. لأسباب مختلفة قضيت طفولتي الأولى مع جدتي أكثر مما قضيتها مع أمي. ومن هذه المرأة رضعت الحب حتى ارتويت. ذلك الحب الذي شكل جانبا مهما من شخصيتي وضمن لها الكثير من الاستقرار. لست أدري كيف كانت شخصيتي لتبدو لو لم ألتق تلك المرأة.
كانت جدتي هي بؤرة الجمال في أسرتنا الكبيرة. فكل ملامح الجمال الظاهري إن وجدت في هذه العائلة تعود إليها دون شك. ولجمالها هذا تزوجها جدي بالرغم من أنها كانت مطلقة وتكبره في السن.
 
كان جدي بدوره صيادا ماهرا إلى جانب كونه حكواتيا بارعا للسير الشعبية، كسيرة سيف بن ذي يزن وألف ليلة وليلة، وخرافات بدائع الزهور وما شابه ذلك. لا بد أنه رآها في إحدى القصص الشعبية التي قرأها وكان يرويها لأصحاب القرية المجتمعين في مقيله قبل أن يراها في الواقع. ذلك القوام المعتدل كأنه تمثال روماني، ذلك الأنف المستقيم ذو النهاية المكورة كأنه أنف ملكة. ذلك التناسق والتناسب في ملامح الوجه، ذلك الهدوء الخصب، إلى آخره. لقد كانت موديلا لرسامي البروتريه لا تحتاج سوى عمليات تجريد ذهني تزيح عن وجهها عطب الزمان وخربشات البيئة والظروف. وكثير من جداتنا جميلات لولا ما تفعله البيئة والظروف بأجسامهن وأرواحهن.
 
لم تكن جدتي تحكي لي الحكايات كما تفعل الجدات في قصص الأطفال. بل لم تكن كثيرة الكلام أصلا. فهي لا تتحدث إلا لحاجة كأنها صدقت أن الكلام من ذهب. على عكس شقيقتها الثرثارة تماما. فقد كانت هذه الأخيرة مثالا للثرثرة واختلاق الأخبار الزائفة. يخيل إلي أنها لو عاشت في القرن الثاني الهجري لكانت إحدى واضعي الحديث النبوي! لطالما أوهمتني وأنا طفل صغير بأن والدي المغترب في السعودية قد عاد وأن سيارته الآن في العقبة، فيختلج قلبي فرحا وأجري لاستقباله. ويمر اليوم كاملا في انتظاره ولا يأتي أبي. كانت تفعل بي هذا في كل زيارة لنا. والطريف أنني قد أدمنت أكاذيبها وصرت أذكرها الكذبة بنفسي إذا نسيتها! فيما بعد لاحظت أن ابن هذه الجدة الكذابة والمحبوبة أيضا هو الوحيد في قريتنا الذي انتمى إلى حزب المؤتمر الشعبي العام! كيف دخلت السياسة في الحديث عن جدتي؟ لا أدري.. دعونا نعود إلى جدتي فاطمة.. هذا هو اسمها. وهو اسم مرتبط في حياتي بالحب، لأنه كان اسما لامرأتين في حياتي منحاني الحب أكثر من أمي، الأخرى هي خالتي التي لا يتسع المجال لذكرها الآن.
 
حينما أعود بالذاكرة إلى طفولتي وأفتش عن سر تعلقي بجدتي لا أجد شيئا سوى الحب. حبها الذي كنت أشعر به كطاقة كهربائية تسري في روحي. والحب هو أعظم عطية تمنحها امرأة لطفل أو رجل! ولا يبدو أن جدتي قد منحت ذلك القدر من الحب لأحد غيري من أطفال الأسرة. باستثناء ما قد يشعره أشقائي من عطفها وحبها بعد مفارقة الأسرة للقرية. وعلى عكس جدي الذي توقف اهتمامه بي بعد سن المراهقة، ظلت جدتي تحمل جذوة الحب لحفيدها كلاعب الأولمبياد الذي يحمل الشعلة لمسافات بعيدة، على الرغم من انقطاع الوصل بيننا معظم الوقت بسبب مفارقتنا للقرية. وفي مرض الموت كانت آخر كلماتها لوالدي – حسب رواية أمي - أوصيك في عصام. إنها توصيه برجل متزوج كان قد أنجب حينها طفلين!
 
أكثر شيء يؤلمني في ذكراها هو أنني لم أستطع البكاء عندما سمعت خبر موتها. لم يكن تقصيرا، بل إحساس عميق بالألم لا يناسبه البكاء. مختلط بشعور مريح لأنها فارقت الألم. ألم مرضها، وألم حزنها على ولدها الذي قتل ظلما في نزاع قبلي عبثي كان يغذيه علي عبد الله صالح نفسه. والمفارقة أن اسم ولدها القتيل هو علي عبد الله صالح أيضا! اللعنة على السياسة، إنها تفسد كل شيء حتى الحكايات! في رسالتي للماجستير الثانية كان الإهداء: إلى الجدة فاطمة، والخالة فاطمة، غيمتان حانيتان في هجير الناس.




قضايا وآراء
الحرية