تقدير موقف لمركز المخا للدراسات حول انعكاس هجمات الحوثيين على أبوظبي     ما حقيقة التوجه لتحييد خيار الانفصال جنوب اليمن؟     استهداف جديد بإيعاز إيراني لقاعدة عسكرية بأبوظبي والإمارات توضح     استهداف الحوثيين لأبوظبي يعكس الهشاشة في الدفاعات الجوية لدى دول التحالف     ضربات جوية للتحالف على صنعاء هي الأعنف منذ سنوات     عصابة مسلحة تقتل منير النوفاني وجماعة الحوثي تماطل بالقبض على القتلة     صراع الحوثية والأقيال بين التحدي والاستجابة     تشديد الخناق على الحوثيين في مأرب بعد تحول سير المعركة من الدفاع للهجوم     هل كتب عبدالله عبدالعالم مذكراته؟     شرطة تعز تضبط متهم بانتشال حقائب نساء     كيف خدع الغشمي عبدالله عبدالعالم     أحداث 13 يناير.. إرهاب حزبي مناطقي بلباس ماركسي     إيران تبادر لعودة التواصل مع السعودية والأخيرة تواصل وقف التصعيد الإعلامي     انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان في اليمن والأمم المتحدة تواصل إخفاء الفاعلين     بعد تعطيله لـ 7 سنوات.. هبوط أول طائرة في مطار عتق    

الأحد, 08 مارس, 2020 11:48:13 صباحاً

حين أخطأت طريقي إلى هذه الحياة كانت هناك امرأة تلدني وأخرى تستقبلني. الأولى شابة صغيرة السن قليلة الخبرة يتيمة الأم ما زالت تشعر بيتمها حتى اليوم هي أمي. والأخرى نخلة باسقة في منتصف عمرها هي جدتي. لأسباب مختلفة قضيت طفولتي الأولى مع جدتي أكثر مما قضيتها مع أمي. ومن هذه المرأة رضعت الحب حتى ارتويت. ذلك الحب الذي شكل جانبا مهما من شخصيتي وضمن لها الكثير من الاستقرار. لست أدري كيف كانت شخصيتي لتبدو لو لم ألتق تلك المرأة.
كانت جدتي هي بؤرة الجمال في أسرتنا الكبيرة. فكل ملامح الجمال الظاهري إن وجدت في هذه العائلة تعود إليها دون شك. ولجمالها هذا تزوجها جدي بالرغم من أنها كانت مطلقة وتكبره في السن.
 
كان جدي بدوره صيادا ماهرا إلى جانب كونه حكواتيا بارعا للسير الشعبية، كسيرة سيف بن ذي يزن وألف ليلة وليلة، وخرافات بدائع الزهور وما شابه ذلك. لا بد أنه رآها في إحدى القصص الشعبية التي قرأها وكان يرويها لأصحاب القرية المجتمعين في مقيله قبل أن يراها في الواقع. ذلك القوام المعتدل كأنه تمثال روماني، ذلك الأنف المستقيم ذو النهاية المكورة كأنه أنف ملكة. ذلك التناسق والتناسب في ملامح الوجه، ذلك الهدوء الخصب، إلى آخره. لقد كانت موديلا لرسامي البروتريه لا تحتاج سوى عمليات تجريد ذهني تزيح عن وجهها عطب الزمان وخربشات البيئة والظروف. وكثير من جداتنا جميلات لولا ما تفعله البيئة والظروف بأجسامهن وأرواحهن.
 
لم تكن جدتي تحكي لي الحكايات كما تفعل الجدات في قصص الأطفال. بل لم تكن كثيرة الكلام أصلا. فهي لا تتحدث إلا لحاجة كأنها صدقت أن الكلام من ذهب. على عكس شقيقتها الثرثارة تماما. فقد كانت هذه الأخيرة مثالا للثرثرة واختلاق الأخبار الزائفة. يخيل إلي أنها لو عاشت في القرن الثاني الهجري لكانت إحدى واضعي الحديث النبوي! لطالما أوهمتني وأنا طفل صغير بأن والدي المغترب في السعودية قد عاد وأن سيارته الآن في العقبة، فيختلج قلبي فرحا وأجري لاستقباله. ويمر اليوم كاملا في انتظاره ولا يأتي أبي. كانت تفعل بي هذا في كل زيارة لنا. والطريف أنني قد أدمنت أكاذيبها وصرت أذكرها الكذبة بنفسي إذا نسيتها! فيما بعد لاحظت أن ابن هذه الجدة الكذابة والمحبوبة أيضا هو الوحيد في قريتنا الذي انتمى إلى حزب المؤتمر الشعبي العام! كيف دخلت السياسة في الحديث عن جدتي؟ لا أدري.. دعونا نعود إلى جدتي فاطمة.. هذا هو اسمها. وهو اسم مرتبط في حياتي بالحب، لأنه كان اسما لامرأتين في حياتي منحاني الحب أكثر من أمي، الأخرى هي خالتي التي لا يتسع المجال لذكرها الآن.
 
حينما أعود بالذاكرة إلى طفولتي وأفتش عن سر تعلقي بجدتي لا أجد شيئا سوى الحب. حبها الذي كنت أشعر به كطاقة كهربائية تسري في روحي. والحب هو أعظم عطية تمنحها امرأة لطفل أو رجل! ولا يبدو أن جدتي قد منحت ذلك القدر من الحب لأحد غيري من أطفال الأسرة. باستثناء ما قد يشعره أشقائي من عطفها وحبها بعد مفارقة الأسرة للقرية. وعلى عكس جدي الذي توقف اهتمامه بي بعد سن المراهقة، ظلت جدتي تحمل جذوة الحب لحفيدها كلاعب الأولمبياد الذي يحمل الشعلة لمسافات بعيدة، على الرغم من انقطاع الوصل بيننا معظم الوقت بسبب مفارقتنا للقرية. وفي مرض الموت كانت آخر كلماتها لوالدي – حسب رواية أمي - أوصيك في عصام. إنها توصيه برجل متزوج كان قد أنجب حينها طفلين!
 
أكثر شيء يؤلمني في ذكراها هو أنني لم أستطع البكاء عندما سمعت خبر موتها. لم يكن تقصيرا، بل إحساس عميق بالألم لا يناسبه البكاء. مختلط بشعور مريح لأنها فارقت الألم. ألم مرضها، وألم حزنها على ولدها الذي قتل ظلما في نزاع قبلي عبثي كان يغذيه علي عبد الله صالح نفسه. والمفارقة أن اسم ولدها القتيل هو علي عبد الله صالح أيضا! اللعنة على السياسة، إنها تفسد كل شيء حتى الحكايات! في رسالتي للماجستير الثانية كان الإهداء: إلى الجدة فاطمة، والخالة فاطمة، غيمتان حانيتان في هجير الناس.




قضايا وآراء
انتصار البيضاء