السبت, 08 فبراير, 2020 03:30:04 مساءً

عدا جوقة النظام السابق ومناصريه وعدا السذج من الناس، لم تكن الثورة فعلا اعتباطيا ولا حدثا استعراضيا ولا استجابة لدواع مشبوهة، في نظر اليمنيين، ولم تكن ملهاة للسخرة واللعب، بل كانت حدثا مهما وفعلا تأخر كثيرا وكثيرا جدا.
 
لم تكن أوضاع البلد على ما يرام، في كل النواحي، المعيشية والحقوقية وفي الحريات وحتى في الأحلام، لقد كانت خيرات البلد تعود لعصابة سيئة تحكمت بمصاير اليمنيين وأنهكتهم وأضرت بهم كثيرا، اليمن ذلك البلد الضارب عميقا في التاريخ والحضارة، وبموقعه الإستراتيجي المهم، وبشواطئه الممتدة، وبمعادنه الغزيرة تحول على أيدي أولئك العابثين إلى شحاذ كبير، يشحذ لقمته ومشافيه ومدارسه وطرقه من المانحين والمنظمات، الشوارع تتكدس بطوابير الخريجين، وتكتظ بالعاطلين، الأمراض تفتك بالناس، الجهل يحجب عنهم الرؤية والبصر؛ فيما فئة قليلة، هم عناصر العصابة، تتمتع ببعض خيراته، والكثير منها كانت مطمورة بفعل العصابة ذاتها ولأسباب لا تخفى على أحد.
 
صحيح أن الثورة تأخرت كثيرا، لكن علينا ألا نغفل عن أحداث مهمة كانت كالمقدمات الضرورية أو الإرهاصات الأولية لها، وعمليا لم يكن تاريخ الحادي عشر من فبراير إلا الذروة واللحظة الفارقة التي تقاطر فيها اليمنيون من كل المدن والأرياف مجلجلين ملء حناجرهم بذلك الشعار الخالد العظيم (ارحل) الذي بدد كل أحلام الطغاة. على أن الثورة بدأت في العام ٢٠٠٦م حين قررت أحزاب المعارضة المنضوية تحت ما عرف بتكتل اللقاء المشترك أن تدعم مرشحا مستقلا هو المناضل فيصل بن شملان، وكادت أن تعصف برأس النظام سلميا، وأينا لا يتذكر رأس النظام وهو يهدد ويرغب في خطابات بدا من خلالها خائفا مرتبكا وقلقا مضطربا!؟ ويبدو أنه تذوق مرارة الهزيمة، وأحس أن العرش طفق يهتز من تحته ويترنح. لقد قيل إن نتائج الانتخابات أفرزت فعلا فوز مرشح المعارضة، وقيل أيضا إن رأس النظام العصبوي هدد باستخدام القوة العسكرية إن أعلنت اللجنة فوز ابن شملان، ويمم الرجل وجهه شطر القصر.
 
كان هذا الفعل تتويجا للنضال السلمي واختبارا حقيقيا لوعي الجماهير في حتمية التغيير، وعلى أية حال، كان النضال. السلمي متنفس الجماهير الوحيد في محاولة إحداث خرق في جدار الأزمة بعد أن سدت كل منافذ التغيير.
 
 يومها كانت الجماهير اليمنية لا تقل صخبا ولا هديرا عن أيام فبراير العظيم وما بعده. عند هذه النقطة بالتحديد بدأت كرة الثلج تتدحرج بقوة كبيرة، وبدأت الأمور تتجه إلى طريق آخر بعد أن شعرت الجماهير باستحالة التغيير سلميا.
 
وقبل هذا الحدث المفصلي وبالتحديد في العام 2004م عقد أكبر أحزاب المعارضة اليمنية (تجمع الإصلاح) مؤتمره العام الثالث تحت شعار: النضال السلمي طريقنا لنيل الحقوق والحريات، وفي 2007م عقد مؤتمره العام الرابع، تحت شعار: النظام السلمي طريقنا إلى الإصلاح الشامل. وبدا أن التوجه الجديد للحزب يتناغم مع إرادة الجماهير اليمنية، وكانت إحدى الشعارات المعلقة في قاعة المؤتمر العام الرابع: لا قدست أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من قويها وهو غير متعتع! ولكن النظام كان مصرًّا على ما هو عليه من الكبت والتضييق والتجويع، لا يأبه لأحد!
 
لم يبق أمام الجماهير اليمنية المحتقنة من سبيل إلا الخروج بثورة جديدة ترمي إلى خلع ذلك النظام العفن، ولكن كيف! والنظام يمسك على البلد بقبضة من حديد، ولا يتورع عن استخدام القمع والتنكيل بكل معارضيه أيا تكن النتائج، والشعب عارٍ عن كل سند أو ظهير!
 
كان في الضفة الغربية من العالم العربي حدث مهم، تونس بوعزيزي، هي ذي خرجت في مظاهرات سلمية تنادي بخلع النظام، واستطاعت الإطاحة به، وخلعه بحناجرها الفولاذية القوية التي قذفت بشعاراتها الثورية كاللهب وانتصرت الثورة، هنا التقط اليمنيون الشفرة، واستبانوا الطريق، ومضوا في الدرب نفسه، المظاهرات تجوب الشوارع، ويوما عن يوم تكبر، وينضم إليها آخرون حتى كانت الجماهير كالسيل الهادر والطوفان العظيم، ولا سيما بعد انضمام تكتل اللقاء المشترك إليها. وتتطور الأحداث على نحو دراماتيكي فينضم إلى الثورة وحدات من الجيش اليمني بقيادة الجنرال علي محسن الأحمر، وبدأ النظام يترنح أكثر فأكثر. وعند هذه المرحلة بالتحديد ركب الموجة، فيمن ركب، خلق كثير من الطامعين والمتربصين والمتزلفين والمتسلقين.
 
من إشكالات الثورات أنها عندما تقترب من الانتصار يندس فيها الصادق والكاذب، والمخلص والمنافق، وأصحاب الأغراض غير الشريفة، من طامعين ومتربصين وأصحاب مشروعات خاصة تافهة، وتلك نقطة تجمعها، وبعبارة حصرية كل تلك المشروعات لا تمت إلى الفعل الوطني الشريف بأي صلة، كما ينضم إليها جواسيس من ذات النظام، كل هؤلاء ينضمون إليها ويدخلون فيها، وكل هؤلاء يضمرون أهدافا أخرى خارج سياق الثورة ومدها العظيم، وحتى تنجح الثورة نجاحا حقيقيا كان لا بدّ من ارتجاجات عنيفة وقوية يسقط فيها الكثير من تلك الفئات، وتتكشف الكثير من الأقنعة، ويتعرى الزائفون، دخلت الثورة منعطفا جديدا وخطيرا أيضا، هذه المرة بانقلاب جديد عرفنا خلفياته، انقلاب رافقته دماء غزيرة، ودخلت البلاد في أتون حرب مدمرة وعنيفة، وهذا الارتجاج العنيف عرى الكثير أيضا، وكشف الوجوه المدهونة بأنواع المساحيق الزائفة والمظاهر الخداعة، كشفها وما فتئ يكشفها إلى الآن، وتلك نقطة مهمة وإيجابية في سبيل طهر الثورة ونقائها.
 
عندما جاءت المبادرة الخليجية وضمنت لرأس النظام الحصانة والعفو، على عادة اليمنيين في الكرم والعفو، أفرزت هذه المبادرة، فيما أفرزت، رئيسا جديدا من الحزب الحاكم نفسه، وهذه آية أخرى على نبل المقصد وسمو الغاية، فالثورة لم تكن من أجل مصالح ذاتية بل كان ثمة إجماع على حتمية التغيير بغض النظر عمن يعتلي عرش الجمهورية، حتى ولو كان أحد أفراد النظام ذاته. كانت الثورة إذن تروم إلى الإطاحة بالنظام العائلي الفاسد، وبناء دولة المواطنة المتساوية، ولم تكن ضد حزب معين من حيث المبدأ.
 
وبعد، من زاوية شاملة، فثورة فبراير هي في الحقيقة استمرار لثورة 1948 وما أعقبها من ثورات حتى ثورة 1962م، هي أم الثورات اليمنية، وعلينا الاعتراف اليوم أن ثورة 1962م لم تحقق شيئا ذا بال، ونحن نراهن في هذا الاستنتاج على أهدافها التي لم يتحقق منها شيء، كانت فترة استراحة لخمسة عقود، وجاءت فبراير لتعيد الألق وتستنهض الهمم من جديد في سبيل بناء الدولة التي يطمح إليها جميع اليمنيين. على أن الاستعجال بقطف الثمرة سريعًا افتراض عجل ولا ينم عن وعي بطبيعة التغيير. إن الثورة، حتى تحقق أهدافها، قد تحتاج إلى جيل كامل، وهي فترة معقولة ومفهومة في إزاء تغيير مجتمع أو أمة بكاملها.
 
وليس سبيل أمام اليمنيين اليوم من أجل إنجاح الثورة واستكمال جدارها السميك ومدها العظيم إلا الوقوف والتخندق خلف الشرعية الدستورية بقيادة رئيسها عبد ربه منصور هادي، وأي تكتل يعمل خارج الإجماع الوطني والشرعية الدستورية إنما يخدم أجندة أخرى غير أجندة الثورة والوطن.
 


الحرية