الخميس, 06 فبراير, 2020 09:10:56 مساءً

 
إن كان هناك من خطأ لثورة فبراير، فخطأها الوحيد أنها كانت متسامحة مع المؤتمرين بشكل خاص أكثر مما ينبغي. كانت أكثر سخاء تجاهكم وكنتم لئامًا لا تستحقون المغفرة، إنكم تجلدون الثورة اليوم؛ لأنها تنازلت عن حقها في جلدكم. أنتم لا تعلمون كم هي ثورات الشعوب عنيفة ومرعبة، لا تعلمون ذلك؛ لأن فبراير لم تريكم سوى وجهها الناعم، كانت رؤوفة بكم؛ ولهذا أنتم ساخطون عليها.
تتحدثون بوقاحة وتحملونها نتائج الكارثة التي صنعها زعيمكم؛ ليس لأنها من صنعت الكارثة فعلًا، بل لكونها تسامحت مع صانع الكارثة، فلم تلسع ظهره بالسوط ولم تسحل جثته بالشوارع؛ كي تبث الرعب في أوصالكم؛ فتنعقد الألسن وتلزمكم المهابة حين تتذكرونها.
 
لقد قبضت فبراير على جراحها وغضت الطرف عن بقاء الثعبان بكامل كرامته في البلد، فعلت ذلك؛ لتختصر الطريق وتخفف كلفة الذهاب للمستقبل، فإذا بكم تفسرون سماحتها ضعفًا وتنازلها عجزًا ومخافة، وأكثر من هذا ذهبتم بعيدًا في استثمار سماحتها، فصنعتم الكارثة ثم عدتم تحملونها نتائج ما صنعتموه، بلا خجل، ولا بقايا دم في الوجوه.
 
نعم، لقد أخطأت فبراير، حين تنازلت عن حقها في النقمة منكم، فلم تفتح لكم محاكم التفتيش، كما تفعل الثورات العنيدة؛ حين تقتص للشعب من حكامه السفلة، ولم تكوي ظهور قادتكم بالنار؛ لتذيقهم بعض ما ذاقه الشعب في ظل حكمهم، لم تفعل الثورة ذلك، لقد تخلت عن حقها المشروع بالثأر، وتقبلت اللقاء معكم في المنتصف، ربما كان هذا خطأها الذي فعلته بحسن نيه وظنّته صوابًا حينها، ولربما كانت بحاجة لشيء من التوحش؛ كي تفهموا الدرس جيّدا وتعلموا أن الثورة حق، كان ينبغي عليها أن تنصب المشانق في باب اليمن وفي ميدان التحرير؛ كي تطهركم وتثأر لمظلومية سنين، حينها كنتم ستهدأون بل وسترفعون أصابعكم إيمانًا بها، وتكفون عن الشتيمة.
 
لقد صافحتكم الثورة على مضض وما زلتم بكامل أوساخكم، فعلت ذلك مجبرة وفي أعماقها كانت تقول: لعلهم يتطهرون اليوم أو غدا، لعلهم يخجلون من أنفسهم ويدشنون بداية جديدة ونعفي أنفسنا من كلفة المواجهة. لكنّها لعنة العبودية وقد تنقعت في عظامكم وتأبى اليوم إلا أن تثبت نفسها في مواقفكم ضد ثورة خطأها الوحيد هو غفرانها لكم.
 
تلك العبودية الخفية هي من تدفع صاحبها ليشتم فبراير التي أكرمته فيكشر أنيابه ضدها، وبالمقابل تراه يتغاضى عن الإشارة لمن أوسعوه ذلا ومهانة، وأكثرهم بطولة يتحدث عنهم بخجل، وحتى حين يتحدث عن نذالة الأنصار، فلا تجده يملك الشجاعة ليعقد المقارنة ويعترف بكرم فبراير معهم، بل على العكس يزيد فوق لؤمه بأن يحملها نتائج الكارثة، الكارثة التي صنعها زعيمهم وذهب إليها بسمعه وبصره، وهكذا يعود للنقطة صفر مرة ثانية.
 
يا إلهي لقد أفسد نظام صالح فطرتكم السوية وما عادت مغفرة الثورة والثوار قادرة على تطهيركم مهما فعل أصحابها لإنقاذكم.
قبل مصرع زعيمكم، كنت أتفهم سخطكم على فبراير، كنا نقول لقد سلبت زعيمهم الملك، ومن الطبيعي أن يغضب الأتباع رغم أنها أبقت له على كل مستلزمات ملكه_ أما وقد صار الملك المفدى جثة، وسقط بأيادي شركاءه الذين تحالف معهم للنقمة من فبراير، أما وقد حدث ذلك؛ فكنت أظنكم أول من سيتعذر لفبراير ويصلي في محرابها، إن لم يكن إيمانًا بها، فتقديرا لكرمها معكم، بعد أن أدركتم الفرق بينها كخصم شريف وبين حليف لئيم، هشّم رأس الزعيم بالمطرقة؛ لكنكم لم تفعلوا، ربما حياءً، ربما حقد ملجم، ربما مكابرة، وأكثر الظن ينقصكم قليل من الشجاعة لفعل جسور كهذا، لا تقوون عليه.
 
كتبت ما سبق وشعرت بالأسى، ما كنت أرغب بأن نستعيد اشتباكنا هذا معكم وقد بات الهدف واحد؛ لكنكم مصممون على التمترس خلف عداءكم القديم المتجدد، ولا يبدو أنكم مستعدين لمراجعة مواقفكم، ولا أظنكم تمنحون المرء فرصة ليواصل تسامحه معكم. فما زلتم محنطين بأحقادكم، مكفهري الوجوه ضد الثورة، وكأنكم ضحايا لها وكأنها هي من صنعت بكم كل هذا ولستم أنتم من جنى علينا جميعا وجنى على نفسه في النهاية.
 
 


الحرية