السبت, 01 فبراير, 2020 06:49:31 مساءً

يستدل السلاليون على أحقيتهم في السلطة والثروة بنصوص دينية أهمها دعوى اصطفائهم عرقيا على بقية السلالات. والنقاط التالية تحطم هذه الدعوى بالضربة القاضية. وتثبت أن مفهوم الاصطفاء في القرآن له معنى وظيفي لا عرقي. بمعنى أن الله يختار أشخاصا أو جماعات لأداء وظائف محددة. بعض هذه الوظائف لا علاقة له بالدين. وأن معايير الاختيار موضوعية لا عرقية.
 
أولا: يستعمل القرآن مصطلحين مختلفين للإشارة إلى معنى الاصطفاء، مع وجود فرق دلالي بسيط بينهما. المصطلح الأول هو "الاصطفاء" ومشتقاته، والمصطلح الآخر هو "الاجتباء". والاصطفاء كلمة تعني: الاختيار لمهمة جليلة. لكن لا يشترط في هذه المهمة أن تكون مما يحبه الله ويطلبه. والاجتباء هو الاصطفاء نفسه لكن لمهام يحبها الله ويطلبها. فالنبوة مثلا وظيفة دينية جليلة يصطفي لها الله رجالا يقومون بها. والملك كذلك وظيفة علمانية جليلة، قد يصطفي لها الله رجالا كما فعل مع طالوت بطلب من بني إسرائيل. لكن أين مقام النبوة من مقام الملك؟ وأين الاصطفاء من الاصطفاء؟!.
 
ثانيا: استعمل القرآن كلمة الاصطفاء في اختيار ملك لبني إسرائيل هو طالوت: قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. (البقرة 247). وقد دل هذا الاستعمال على أنها كلمة خبرية ليس فيها معنى التكريم. إذ لو كان في الاصطفاء معنى التكريم والخيرية لكان أنبياء بني إسرائيل الموجودين زمن طالوت أحق بالاصطفاء لوظيفة الملك منه. فقد كان بجواره النبي صموئيل والنبي داود. ومن المعلوم أيضا أن اختيار الله لطالوت ملكا لم يكن بدافع الضرورة. بل استجابة لطلب بني إسرائيل. مما يدل على أن وظيفة الملك ليست وظيفة دينية. ولو كانت كذلك لفرضها الله ونص عليها ابتداء دون انتظار لطلبهم، فما بالك وقد كان النبي صموئيل يحاول إثناء قومه عن هذا الطلب، وكأنه يرى الملك وظيفة غير مثالية!.
 
ثالثا: دلت آيات القرآن على أن الاصطفاء الإلهي ليس حكرا على الأنبياء وحدهم، أو على سلالة منهم. فقد جعله الله حكما لكل من آمن به وبرسله. قال تعالى في مخاطبة المؤمنين عامة: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ. (الحج 78). لقد دخل المؤمنون جميعا في هذه الآية تحت حكم الاجتباء، وهي درجة أعلى من الاصطفاء. فكيف يقال بعد ذلك إنه حكم خاص بسلالة من الناس؟
 
رابعا: عملية الاصطفاء للأشخاص والجماعات مستمرة إلى يوم القيامة ولم تتوقف عند الأقوام التي ذكرها القرآن. لأن الاصطفاء آلية طبيعية تعمل وفق القانون الطبيعي الذي وضعه الله في الكون. فالله يصطفي كل يوم ملوكا مثل طالوت في كل مكان على وجه الأرض. ويصطفي علماء يسهمون في تقدم البشرية وتحسين مستوى عقلها وصحتها وأخلاقها. ويصطفي أمما تقوم بمهام التقدم التكنولوجي والعلمي، وهكذا.
 
خامسا: القرآن لم يذكر كل الذين شملتهم عملية الاصطفاء الإلهي للقيام بمهام جليلة في الماضي. نستدل على ذلك من وجود ملوك هم أكثر خيرية وأكبر مقاما وأعظم إنجازا من طالوت، مثل ذو القرنين. ومع ذلك لم يصرح القرآن باصطفائه. مما يدل على أن القرآن لم يقصد الحصر وإنما ذكر عينات اقتضاها السياق. فقد ذكر نصا الأنبياء الذين ينحدر من صلبهم كفار قريش وبنو إسرائيل الذين كانوا في حالة جدل مع القرآن. ولو أن القرآن نزل في الصين أو اليونان لذكر لهم الأشخاص الذين اصطفاهم من تلك الأقوام!
 
سادسا: إذا كان الاصطفاء حكما عنصريا يمتد إلى جميع ذرية الشخص المصطفى، فكل بني آدم مصطفون مجتبون لأن القرآن قد نص على اجتبائه بعد وقوعه في المعصية وتوبة الله عليه قال تعالى: وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ (طه 121/122). وإذا قالوا إنها غير ممتدة في الذرية فقد أسقطوا دعواهم العنصرية وثبت أنه اصطفاء وظيفي لا عرقي، يتوقف عند انتهاء الوظيفة.
 


الحرية