السبت, 25 يناير, 2020 12:25:02 صباحاً

لا أتذكر بالضبط كم كان عمري حين شاهدت مجلة العربي للمرة الأولى، لكني أعرف جيدًا الشخص الذي شاهدتها معه لأول مرة. أتذكر بداية كل شهر وهو يصطحب معه عدد جديد من المجلة لفترة أسبوع تقريبًا، نجدها معه في مجالس القرية وأمام المعهد (مدرسة أويس لاحقًا) وفي المسجد. كنت أخذ المجلة وأٌقلب الصور من البداية وحتى النهاية، كانت مثيرة ومغرية في ملمسها ولا تشبه الكتب التي في منزلنا، ومرت سنوات وبدأت هذه المجلة تدخل منزلنا على يد شقيقي الكبير وعرفت سر حبه لها، فقد فعلت ذات الشيء معها لسنوات طويلة.
أتذكر ذات الشخص حين كان يتحدم النقاش بمجالس القرية وحين يتاح له الحديث ستسمع كلامًا جديدًا مترابطًا وأفكار جديدة لا تجدها عند أخرين، كل ذلك كان يبهرني ويشدني نحوه للسماع والحديث أكثر وللدخول معه في صداقة لم يعكر صفوها يومًا واحدًا.

إنه الاستاذ القدير جمال أحمد سعيد المليكي، من رحل عن دنيانا صباح اليوم في حادث مروري مؤسف بمدينة شبوة أثناء عودته إلى القرية.

الأستاذ جمال إلى جانب الفكاهة التي تتلبس حديثه دائمًا وهي سر حب الناس له - وهي على فكرة حكاية أسرة عرفت بذلك - فقد كان المثقف الأول في القرية بلا منازع. منه تعلم الكثير وأنا أولهم. اشتغل في مجال التعليم لأكثر من عقدين، وتعب كثيرًا خلال السنوات الأخيرة بعد إصابته بالسرطان، ومع انقطاع الرواتب ومحاولاته للبحث عن مصدر رزق له ولأطفاله وصل حد بيع القات.

في مجموعة "نون" من سنوات وهو يخوض نقاشًا معرفيًا وفكريًا وسياسيا هائلًا وذلك في أغلب المجموعات والمجالس. كان يحدثني عن التحالف في 2015م ويسرد لي تاريخ السعودية لحظة الحماس الزائد لدينا وهو يقلب لي التاريخ، وكنت أرفض النقاش معه بدافع الحماس، ومؤخرًا كلما يذكرني بما آلت إليه الأوضاع ألوذ بالصمت.

في 2012م حصلت لي مشكلة في القرية مع عدد من الزملاء والأساتذة بسبب خطبة جمعة أسيء فهمها وانقلبت القرية رأسًا على عقب وهاجت الشائعات وسوء الفهم، وكان للأستاذ جمال أن يقف إلى جانبي بقوة، وبقي يدافع عني لسنوات مع معلمين متنورين أخرين لا آنساهم أبدًا.
كان معجب بشخصية جمال عبدالناصر إعجابًا شديدًا لكن التيارات الحزبية كلها لم تستطع أن تستوعبه بسبب شجاعته وحريته واستقلالية أفكاره، ونقده لهم بلا مواربة، ولذلك عاش بلا تأطير حزبي حتى توفي رحمه الله.
 



الحرية