السبت, 18 يناير, 2020 09:33:40 مساءً

كيف يمكن أن تتعرف على النموذج العدمي للمناضل والرجل المصروع بخصومته.
إنها حالة عدائية منفلتة ونفخ مبالغ فيه للمشاكل في تعز عين ما يقوم به خالد سلمان.  هذا التضخّم المتطرف في لغته يكشف أزمة نفسية مستحكمة بصاحبها أكثر من كونها حرقة صادقة على المدينة.. يلتحف رداء الحمادي؛ ليطعن في خالد فاضل، يلمز حمود سعيد ويتجاهل هاني بن بريك..؟!
 
سلمان، أحد هؤلاء المناضلون الجدد الذين ناموا طويلًا في المنافي ثم استيقظوا أخيرًا؛ ليشيطنوا طلائع النضال الأولى، جاءوا متأخرين؛ ليزايدوا علينا في القضيّة ويشككوا في انجازات من سبقوهم في الكفاح ونزاهتهم، وأكثر من هذا يبالغوا في تصدير صورة قاتمة عن كل شيء بحق وبدون حق..
تعز، قيادة المحور، قادة المقاومة، مأرب، الإصلاح، وكل ما له علاقة بمشروع الدولة وليس على وفاق معه.
 
أربع سنوات وهو متخفيًّا عن الأنظار، حين كان الرجال يسكبون دماءهم في الجبال؛ كي لا تسقط سارية المدينة، كان خالد سلمان يتفسح في منفاه الاختياري ويعيش حياته الخاصة بعيدًا عن كل ما يعكر صفو الحياة. في الزمن العصيب حيث البلاد تصنع مصيرها وتنحت قدر الأجيال بالدم والبارود ظلّ الرجل صامتًا لم يسند بلاده بكلمه، وما إن بدأت تعز تلملم جراحها وتخطو قليلا جاء ينصِّب نفسه قاضيًا في أمر المدينة يرفع من يشاء ويقدح فيمن يشاء، يتقمص دور البروليتاري الموجوع ويهجو خصومه بلغة متشنجة، عاطفية، مشحونة بالأحقاد وتخلو من أي لغة منطقية قابلة للأخذ والرد في مسرح النقد.
 
تعز مرتبكة، لا ينكر أحد هذا، هناك حالة من السخط الشعبي تجاه المشاكل المتفاقمة، وهذا أمر يمكن تفهمه ويتوجب معالجته وعدم السكوت عنه، فهي مدينة خارجة للتو من حرب طاحنة، وثمة أخطاء متفرقة فيها تستدعي النقد والتصويب والنقاش بشأنها مع رفقاء السلاح والسلطة وهي بكل الأحوال اخفاقات قابلة للمعالجة، غيّر أن هذا شيء، ومحاولة تصويرها كمدينة يحكمها الشياطين واتخاذ المشاكل كمدخل للمزايدة والمبالغة في نسف كل شيء فيها هو موقف لا يخلو من التربص بالمدينة، ناهيك أنه سلوك يفتقد للنزاهة ويكشف دوافع خفيّة لإعاقة أي جهود تهدف لتسوية الوضع وتجاوز الارتباكات الإدارية الحاصلة في تعز على أكثر من مستوى.
 
يكشف نشاط خالد سلمان عن حالة من الإسهال الحاد، غير أن هذه ليست مشكلة، فالسيولة الإنشائية المنفلتة هي سلوك تدريبي لرجل اكتشف الكلمات للتو وراح يلهو بها للتمرس على الكتابة أو ربما استعادة قدرته عليها. كل هذا أمر لا يمثل مشكلة. فهي لغة قد تؤدي دورًا تنفيسيًا لمراهق مكبوت، وتلك وظيفة لحظية ما تلبث أن تتلاشى من الذاكرة بعد الفراغ من قرأتها بقليل.
 
لكننا حين نأخذها من مثقف يفترض به أن يقارب المشكلة بلغة تُشّخصها وتضع حلا لها وتستند لمعلومة دقيقة في توصيف الواقع وتضعها في سياقها وتحاصر المشاعر لأقصى حد ممكن. على النقيض من هذا لا تسعفك اللغة التي يكتب بها الرجل على معاينة الواقع كما هو بل هي لغة تزيفيية تحجب عنك قدرتك على فهم أوضاع المدينة كما هي عليه وتشحنك بمشاعر فائضة وخصومات عبثية فارغة.
 
ما لفت نظري في كتابات الرجل هو استقدامه لأفكار عمومية في سياق نقد الخلفية الدينية لخصومه السياسيين، فكرة الوصاية واحتكار تمثيل السماء والنطق باسم الله والكتاب والسخرية من التزامهم الديني، مواظبتهم على الشعائر وأداء النوافل وقراءة الفاتحة عند كل صلاة.. وهو أمر يؤكد أن نشاطه يتخطى أي منطق نقدي ليعكس دوافع ثأرية وعلى الأرجح تماهٍ مع مخططات تهيئ الأجواء لإرباك مشروع استقرار المدينة ككل.
 
يمكنني تقبل اسقاطات دينية كهذه من شباب ضجرين، يرغبون بحياة خفيفة ويعبرون عن سخطهم من الجماعات الدينية الخانقة، غير أن لجوء مثقف لحديث فضفاض كهذا في معرض صراعه مع خصم سياسي، أمر يكشف حالة الإفلاس الثقافي الذي يعانيه الرجل، بحيث لم يتبق له سوى تهويمات عائمة، أحاديث شمولية، منطق تحريضي عنيف، أشبه بمهرج يعيد تكرير نفس الصياغات الميّتة لحقبة الجدل السفسطائي في زمن الإغريق وما قبلهم.
 
حسنًا، نحن هنا لا نُعيّرك بشيء، لا بلغتك ولا بصمتك الطويل فيما مضى، كما لا نبخسك حقك؛ لكن من الجيد أن تتذكر الفارق بينك وبينهم، وهو فارق بالطبع لا يصادر حقك في النقد؛ لكنه يكشف فارق الحرص بينكما على المدينة.  من الجيد أن تتأمل وضعك المكشوف جيدا؛ كي لا تتهور كثيرًا، وتذهب بعيدا لممارسة دور الوصاية على الجميع. فلست بأكثر حرص على مستقبل المدينة ممن سقوها بدمهم ودفعوا أعز ما يملكون لحماية شرفها، بصرف النظر عن أخطائهم وتعثراتهم العابرة.
كما لا تنسى بأنك لو قضيت عمرك كلّه مناضلًا ما بلغت مجد المناضلين الأوائل قط، ممن كان لهم شرف الدفاع الأول عن الجمهورية والدولة في اللحظة التي كنتَ فيها تغط في نوم عميق وتنتظر دورك لمعاودة الدسيسة والمساهمة في تعطيل أي محاولة لتطبيع حياة المدن وإعادة تأسيس دولتهم المنهارة.



الحرية