النفوذ الإيران وتأثيره على أهداف الإمارات في اليمن     المحلوي..المفكر الثائر وعاشق الحرية     الحوثيون يغلقون مصرف الكريمي الأشهر في اليمن     السعودية تضبط خلية مدربة تابعة للحرس الثوري الإيراني     ندوة بمؤسسة وطن عن دور التجار والمرأة في دعم ثورة سبتمبر     محافظ سقطرى في رسالة مفتوحة للرئيس هادي حول عبث الانتقالي بالجزيرة ودعم التحالف     الزبيري حين اتسع لوطن وضاقت به طاقية العسكر     التوقيع على اتفاق لإطلاق سراح 1080 مختطف وأسير     أبو الأحرار الزبيري.. النموذج الأكمل للثائر والمناضل     صاروخ بالستي يستهدف مدرسة للطلاب بمدينة مأرب ليلة الاحتفال بذكرى العيد الوطني     المركز الأمريكي للعدالة يدين قصف الحوثيين لمواقع مدنية بمأرب     عقل سبتمبر وقلب فبراير.. لماذا سقطت الجمهورية     في ذكرى سبتمبر.. شرعية الفنادق بمشايخ الضمان     سبتمبر التي هوت بفكرة السلالة وولد معها اليمنيون من جديد     ومضات من كتاب "خيوط الظلام: لعبدالفتاح البتول    

السبت, 18 يناير, 2020 08:20:32 مساءً

من فائض القول أننا نستعمل المجاز في حياتنا اليومية أكثر مما نستعمل الحقيقة، بل إن طريقة اللغة في التعبير تتخذ طريق المجاز أكثر من طريق الحقيقة، ففي كنانة اللغة مفردات قليلة لا تفي بأغراض المتكلمين ولا بأغراض الحياة المتطورة باستمرار، ولا بأساليب التعبير عن هذا التطور. 
المجاز حاضر بقوة في حياتنا لدرجة أنه في حرب مستمرة مع الحقيقة، تبدو الغلبة له كثيرًا، ولذا كثيرًا ما تلجأ اللغة إلى حيل كثيرة لإفهام السامع أن المقصود هو الحقيقة وليس المجاز، فوظيفة التوكيد، على سبيل المثال، حائل يحول دون فهم المتلقي للكلام في إطار المجاز. أمامنا الجملة الآتية: جاء المدير. هذه الجملة البسيطة تحتمل الحقيقة وتحتمل المجاز، أي إن احتمال أن الذي حضر من ينوب المدير، وليس المدير نفسه، وارد جدًّا ولا سبيل أمامنا لنفي هذا الاحتمال إلا بحيلة جلب كلمة أخرى تنفي المجاز وتنتصر للحقيقة، كلمة نفسه مثلًا. هنا نحن أمام الحقيقة واضحة لا لبس فيها ولا احتمال.
 
يفهم البعض أن المجاز خاص باللغة الأدبية فقط، وهذا شعور ساذَج وينم عن جهل شديد باللغة (اللغة هنا بمعنى الكلام المستعمل، وليس النظام اللغوي كما في الدرس اللساني الحديث)، ونحن إذا تفحصنا الكثير من تعبيراتنا اللغوية اليومية لوجدنا المجاز مختبئا فيها وكامنا وراء ما نستعمل من مفردات اللغة وعباراتها وجملها، غير أننا لا نحس به لكثرة الاستعمال، فكثرة الاستعمال هذه تُبلي المجاز، وتقربه من خانة الحقيقة، ومن ثم يدخل في المعجم اللغوي وكأنه حقيقة، وتلك يضعها البعض على أنها مشكلة من مشكلات المعجم العربي، والأمر ليس كذلك. 
 
تتصل لصديق لك، وتسأله: أين أنت؟ فيجيب: أنا في الكلية. ولا مراء أن المجيب هنا يمتطي ظهر المجاز لتبيلغ رسالته الجوابية لصديقه؛ في هذا الجواب: أنا في الكلية. يظهر هنا شبح المجاز المرسل، الذي يتخذ سبيل ذكر الكل وإرادة الجزء، لأن المجيب هنا يجلس في جزء من الكلية، في قاعة من قاعاتها مثلًا أو في ساحتها، أو في قسم من أقسامها... إلخ؛ هذا المجاز لا نكاد نحس به لكثرة استعماله ووضوحه، والوضوح هنا نتيجة من نتائج كثرة الاستعمال. وتداوليًّا يقولون إن الافتراض المسبق قد أعان كلًّا من الطرفين على الفهم. وعندما نعرب نستعمل ألفاظًا من نحو: مجرور، منصوب، مرفوع... وكلها استعمالات مجازية. وعندما قال رجل لأعرابي: أتجر فلسطين؟ قال إني إذن لرجل قوي! لقد فهم هذا الأعرابي من الجر المعنى الاجتماعي الأساسي، ولم يكن يعرف أن الجر قد اكتسب معنى جديدًا اصطلاحيًّا مع تطور الحياة واتساع العقليات وتطور العلم. وهكذا في كل مصطلحات العلوم والفنون، المجاز حاضر بقوة على حساب الحقيقة.
 
حسنا، ولكن كيف يحدث هذا المجاز!؟ والإجابة يمكن إجمالها في الآتي: واحدة من طرق التطور الدلالي للكلمات هي انتقال مجال الكلمة من معنى إلى معنى (النقل)، وهذا الانتقال سبيل من سبل تطور اللغة (الكلام)، وهذا الانتقال سبيله المجاز، وجزء من هذا المجاز لا علاقة له بالتصوير الفني، أي إن المنشأ له ليس محاولة التأثير في المتلقي، وإنما محاولة لتوسيع اللغة/ الكلام، مثل: رجل الكرسي، أسنان المشط... إلخ. ويسمي غيرو هذا النوع من التطور بالتسمية الإدراكية. وثمة نوع من المجاز غرضه الأساسي الذي نشأ من أجله أول مرة هو التأثير أو التصوير الفني الذي غايته التأثير في المتلقي، ولكن لكثرة استعماله يبلى ويصير واضح المعنى محدد المعالم فيدخل في سبيل الحقيقة، ومن ثم يتحدث العلماء عن بِلى المجاز والاستعارة الذاوية كما هو الحال عند ستيفن أولمان.
 
لولا المجاز لضاقت أساليب التعبير أمامنا، ولأضحت الحياة ضيقة جدا، ولعجزنا عن الإفصاح عما نحس به في دواخلنا بدقة، ولغاب الجمال من حياتنا وتعطلت الحياة. إن المجاز هو الحياة!
 


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة