المقاومة الفلسطينية تصنع معادلة جديدة للصراع في المنطقة     طفلة بحالة حرجة بقصف للحوثيين على مدينة تعز ليلة العيد     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين في جبهتي المشجع والكسارة بمأرب     "غريفيث" يقدم إحاطة أخيرة لمجلس الأمن حول اليمن بعد تعينه بمنصب جديد     الولايات المتحدة تكشف حقيقة شحنة السلاح الكبيرة في بحر العرب     32 شهيدا بقصف الاحتلال على غزة وقتيلين صهاينة بضربات المقاومة     ما الذي يحدث في القدس وما سر توقيته؟     الدراما التركية وتكثيف مواجهة الخيانة     في يوم القدس.. حتى لا تنخدع الأمة بشعارات محور المزايدة     تلاشي آمال التوصل إلى اتفاق سلام في اليمن     دول الثمان تحث الأطراف اليمنية على قبول مبادرة الأمم المتحدة لوقف الحرب     المبعوث الأممي يأسف لعدم التوصل لحل شامل في اليمن     قوات الجيش تكسر هجوما للحوثيين في الجدافر بالجوف والمشجح بمأرب     مقتل سكرتيرة سويسرية بالعاصمة الإيرانية طهران     وفيات وانهيار منازل.. إحصائية أولية لأمطار تريم حضرموت    

الخميس, 09 يناير, 2020 01:52:36 مساءً

لماذا لم نستفد من عبر التاريخ الماضية؟. لماذا نكرر أخطاء أجدادنا الذين كرروا أخطاء أجدادهم؟!. هل بسبب غياب حاسة الاعتبار لدى الإنسان؟. أم بسبب طغيان الرغبات لديه على قوة العقل والإرادة؟.
أيا ما كانت الإجابة فإني أعتقد بوجود سبب إضافي لذلك هو قصور الكتابة التاريخية.
جميعنا يقرأ التاريخ، لكننا نقرأه بوصفه حكاية الآخر لا حكاية الذات. لقد عجز كتاب التاريخ عن إقناعنا بأن ما جرى للآخرين من قبلنا سيجري لنا إذا ما مضينا على نفس الخطى والطريق.
صحيح أن بعضهم أخبرنا بذلك لكنه لم يتمكن من إقناعنا به بحيث يصبح شعوراً راسخاً في النفس. هناك فرق كبير بين أن تخاطب الذهن بمعلومة وأن تخاطب الوجدان بالمعلومة نفسها. هو الفرق نفسه بين العارف والمجرب. العارف يتعامل مع معطيات باردة، والمجرب يتعامل مع معطيات متوهجة في وجدانه، يدرك قيمتها النفعية. ولهذا السبب تبدو الروايات الأدبية وروايات السينما والدراما أكثر تأثيراً من روايات التاريخ.
 
الأمر هنا لا يتعلق بطبيعة اللغة الأدبية كما قد يظن البعض. وإنما يعود لتفاصيل صغيرة ترد في الرواية الفنية والأدبية ولا ترد في الرواية التاريخية. وتعود كذلك لاختلاف المنظور السردي بين التأريخ والأدب. وهنا تظهر واحدة من ميزات الأسلوب القرآني في السرد. فالقرآن - في سياق جدله مع التاريخ - لا يقدم تاريخاً على الطريقة التقليدية - مع أن ذلك متاح له بيسر - وإنما يقوم بعملية انتقاء شديد الذكاء لمشاهد ومعاني تاريخية ثم يضعها في منظور سردي يخدم القضية التي يسوق لها. منظور مشحون بالقيم والصور النفسية والذهنية. فتأتي الحادثة التاريخية في موكب من المعاني التي تخاطب الذهن والوجدان معاً.
 
ولهذا يركز القرآن - في معالجة مشكلة الفساد في الأرض - على مشكلة الشعور لا على مشكلة المعرفة. وكأنه يقول إن مشكلة الذين أفسدوا في التاريخ لم تكن مشكلة معرفة بل مشكلة شعور (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون). وهو بذلك يقدم لنا منهجاً خاصة في التعامل مع التاريخ يمكن الإفادة من فلسفته لا من طريقته. أعني كتابة التاريخ بطريقة تجعل القارئ يشعر به لا أن يعرفه فقط. والكتابة التاريخية التي تصل إلى هذا المستوى لا بد أن يكون صاحبها قد جمع بين العلم والفن.. العلم بالتاريخ وفن كتابته.
 
انظر مثلا إلى قصة بني إسرائيل في القرآن. إنه لا يروي قصة أمة بقدر ما يروي قصة نمط نفسي وسلوكي متوارث بين الأجيال. ولو أن المسلم تلقى القرآن بحس بكر لنظر إلى سردية بني إسرائيل وكأنها سرديته المحتملة. وكأنها قصته المؤجلة إذا سار على الطريق نفسه. إلا أن المسلمين طوال الوقت يتعاملون معها باعتبارها قصة الآخر العدو!. لماذا حدث ذلك؟. لماذا لم يفلح القرآن في إقناع المسلم بأن تاريخ بني إسرائيل قد يكون تاريخه هو أيضا؟. الجواب: لأن الفكر الإسلامي التاريخي شوش حاسة الاستقبال لدى المسلم، بحيث لم تبق على بكارتها الأولى.

 
ومسألة القراءة البكر للقرآن تحتاج إلى حديث مطول لا مجال له هنا. تذكرتها بالأمس وأنا أتابع حديث عالم الرياضيات الأمريكي جيفري لانج الذي أسلم قبل مدة وهو يروي قصة تأثره بالقرآن. لقد كان الرجل يتأثر بمعاني يمر عليها المسلمون طوال الوقت دون أن تترك فيهم أثراً. والفارق بين جيفري لانج والمسلمين هو فرق في بكارة الحس الذي يقرأ الكتاب!. وقد تأتي فرصة أخرى للحديث في موضوع البكارة هذا بتوسع ووضوح.

* صفحة الكاتب على فيسبوك 



قضايا وآراء
غريفيث