محافظ تعز يرأس اجتماعا استثنائيا لقيادات السلطة المحلية وقيادة الجيش     الحكومة تتهم "الانتقالي" بعرقلة تنفيذ اتفاق الرياض     الحكومة تتهم "الانتقالي" بعرقلة تنفيذ اتفاق الرياض     ما خفي وراء توقيع اتفاق الرياض (ترجمة)     مأرب.. الدم والخذلان     ارتفاع عدد مجزرة مسجد الاستقبال بمأرب إلى 11 شهيد     وفاة يمنيان بقارب صيد بمنطقة رأس العارة بلحج     مركز الملك سلمان يدشن مشروع تشغيل وتطوير مركز الأطراف الصناعية بتعز     وسائل إعلام خليجية.. الحوثيون وراء استهداف معسكر الاستقبال بمأرب     منظمة ترفع شكوى للنائب العام حول علاقة وزير الاتصالات بالحوثيين     هل ينجح اختبار تركيا الأول في ليبيا     محافظ تعز وكذبة اقتحام الجرحى لمكتب المحافظة     في استغلال للوظيفة العامة.. النائب العام يعين مقربين بأجهزة القضاء بمأرب     رابطة جرحى تعز تنفي قيامها بأي فعالية بديوان محافظة تعز وترفض الافتراءات الكاذبة     تمرد الثلاثاء بالسودان يجبر مدير جهاز المخابرات لتقديم استقالته    

الخميس, 26 ديسمبر, 2019 10:43:01 مساءً

قصة قصيرة
 
لم يكترث أحد بذلك الرجل الذي انهار على قارعة الطريق في أكثر شوارع منهاتن ازدحاما، بلحيته الكثة المبللة بالدموع.. توقفت دون إرادة مني - وقد عودتني هذه المدينة ألا أتوقف - غير أن حزنا كثيفا كان يغمر المكان ونظرات ضائعة ومقهورة ذكرتني بصديق قديم..
اقتربت منه على حذر كانت ملابسه متسخة لكنها لم تكن مهترئة كثيرا كبعض المشردين الذين أراهم مستلقين في الصبواي .. ويبدو لي أنه ظل متماسكا لفترة من الوقت ثم سقط فجاه بعد طول مقاومة..
أمسكت بيده على حذر وساعدته على الوقوف.. أجلسته على مقعد قريب ثم سألته إن كان جائعا .. هز رأسه بالنفي فصمتُ..
كان يمسح دموعه بطرف كمه المتسخ فيصبح وجهه أكثر بياضا ونظافة.. لقد تراكمت الأوساخ على وجهه كما فعلت الأحزان بقلبه.. بدا أكبر مما هو عليه بتجاعيد عميقة وغائرة..
هدأ قليلا فقلت..
- هل أستطيع مساعدتك ؟
نظر إلي بعينين رماديتين كشعره الأشيب ثم نكس برأسه مجددا.. صمت وطال صمته..
اتجهت الى محل كان بالجوار واشتريت بعض السندوتشات وكوبين من القهوة، ناولته فبدأ بالأكل ..
أخذت أشرب القهوة وصورة الصديق القديم لا تفارق مخيلتي كان أصغر منه سنا و أكثر بهاء بجبين عريض وعينين زرقاوين غير أنه كان مثله حزينا وموجوعا..
تنبهت اليه وهو يسعل فناولته بعض المناديل مسح أنفه بكمه وعاد ينظر إلى الأرض بعينين مرتبكتين..
أستطيع ان آخذك الى مكان تنام فيه هل تريد ذلك؟ هز رأسه بالنفي مرة أخرى وعاد للصمت.. - نحن على مشارف الشتاء.. قلت له..
- لا تستطيع أن تنام في الشوارع مجددا ..
كنت أراه كل يوم اثناء ذهابي إلى معهد اللغة الإنجليزية وعودتي منه.. وكان يبدو لي مألوفا غير انه دائما ما يكون ذاهلا عن نفسه..
هذه المرة بدا لي مختلفا.. كان وجعه أكبر منه، لذا عندما سقط على قارعة الطريق لم أكن قادرة على تجاوزه وما أكثر من نتجاوزهم كل يوم..
قلت له :-
قد لا أستطيع أن أعمل لك الكثير لكني أستطيع أن اجعلك تحيا بصورة مختلفة ليوم واحد.. هل تحب ذلك؟ !
نظر إلي مندهشا فابتسمت وأنا أخرج كتاب اللغة من حقيبتي.. قلت له أنظر لقد أضعت يوما دراسيا بسببك.. تستطيع ان تكون معلمي ليوم واحد.. هز رأسه بالموافقة فأخذته الى محل ملابس رجالية رخيصة وابتعت له قميصا وبنطلونا وطلبت منه أن يرتديها.. كان مطيعا وخانعا.. غسل وجهه ورتب شعره فبدا وسيما حقا..
اتسع جبينه كذلك الصديق وبدا باهيا بحلته الجديدة.
ذهبنا إلى أقرب حديقة وبدأ يحدثني عن نفسه.. -هذا جزء من الدرس!!
تساءلت مازحة فتبسم وكان آية في الحزن فتنتني وفطرت قلبي.. استطرد فيما الدموع كانت تنهمر من عيني.. لم أكن أستمع اليه.. وكأنما كان الصديق القديم هو من يتحدث وكانت الصور تتوارد الى ذاكرتي عندما وصلت إلى هذا البلد وكنت أتهاوى فلا أجد يدا تمتد لتنتشلني غير كلمات ذلك الصديق.. لا أزال أتذكره وهو يعدو إلى الجانب الآخر من الشارع ثم يلتفت نحوي باسما وعندما أقترب يقول بصوته الخفيض:
- هذه مدينة الركض. عليك أن تركضي قبل أن تقفل الإشارة.. وعليك أن تركضي لتلحقي بالباص قبل أن يقفل بابه.. وعليك أن تركضي قبل أن تخلفك الحياة وراءها..
 
عاد يسعل بشدة فارتدى جاكته ممزقة ومتسخة.. ناولته بقية المناديل التي كانت لا تزال في كيس السندوتشات.. مسح أنفه ورفع عينيه نحوي.. عينان رماديتان قلقتان وحائرتان.. كم تخيفني العيون الرمادية لكنهما في هذه الحالة كانتا كسحابتين محملتين بالشجن..
- كنت معلما. قال..
- أعرف. قلت..
- كيف تعرفين ذلك
ابتسمت وانا أشير إلى كتابي الذي بين يديه وقلت:
- لقد كنت معلمي ..
نظر الي مندهشا.. نقل نظراته في الفراغات المزدحمة بالناس.. الأقدام تروح وتجيء من حولنا.. عاد من شروده ليغمغم.
- أتمنى أن أكون قد علمتك شيئا يستحق. 
ربت على كفه هامسة: -
- لقد فعلت ..
توقف وهو يناولني كتابي ودون أن يقول شيئا عدل ياقة قميصه ومضى..
 
ذلك اليوم كان ذلك الصديق يركض ليلحق الباص قبل أن يقفل بابه لكنه لم يستطع إدراكه..
نظر نحوي وهو يلوح لي بكفه واتجه نحو المترو أسفل الأرض .
 


الحرية