حادثة حسن زيد.. تضارب وتخبط وصراع أجنحة في صفوف الحوثيين     حادثة حسن زيد بصنعاء.. اغتيال أم تصفية     تضارب التصريحات حول الهروبين بميناء عدن ومن الجهة التي تقف خلف الشحنة     أمنية شبوة تقر خطة جديدة للحفاظ على الأمن والاستقرار بالمحافظة     شرطة جبل حبشي تلقي القبض على قاتل بعد ساعات.. وحملة أمنية في التربة     في صنعاء.. القطة التي تأكل أولادها     من يقف خلف اغتيال السياسي البارز في هواشم صنعاء حسن زيد     الجيش يمشط مناطق بالقرب من معسكر الخنجر بالجوف     الزلزال في بنية المملكة السعودية هل يعجل بسقوطها؟     جولة ثانية لكورونا تضرب دولا أوربية ومخاوف من انهيار الأنظمة الصحية     إدانات واسعة محلية ودولية لقصف الحوثيين على مركز الأورام بمدينة تعز     مدير شرطة تعز يزور النقيب مصطفى القيسي وعدد من جرحى الجيش     الحزب الاشتراكي في ميزان المجلس الانتقالي     مليشيا الحوثي تحرق مسجدا بمحافظة ذمار     مدرسة أويس بجبل صبر آيلة للانهيار.. 40 عاما بلا ترميم    

الإثنين, 23 ديسمبر, 2019 06:41:28 مساءً

أمضي الدكتور محمد شحرور الحاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة من جامعة كامبردج. قرابة خمسة وعشرين عاماً في البحث والتقصي ليخرج كتابه الضخم (الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة). إنه جهد صادق ومضن.. يحدوه الأمل في الخروج بالفكر العربي والفقه الإسلامي من أزمته الخانقة والتوصل إلى استنباط منهج مبتكر في كيفية تناول كتاب االله بالدراسة والفهم الموضوعين.
ويشرع شحرور ومنذ الصفحات، الأولي في نقاش المفاهيم المتوارثة التي ترسخت في العقل المسلم كمسلمات أخذت عن علماء السلف دون تمحيص رغم أنهم أبدعوها في ضوء الأرضية المعرفية السائدة في عصرهم الأمر الذي يطبعها بطابع النسبية الزمانية والمكانية. ينطلق الباحث من منطلق أن الكتاب الكريم وحي من االله ويبرهن على ذلك بأنه: يحمل الطابع المطلق في محتواه لأن االله مطلق كامل المعرفة ولا يتصف بالنسبية. ويحمل الطابع النسبي في الفهم الإنساني بما يتفق مع حقيقة التطور في الفكر الإنساني مما يكفل لكتاب االله استمراره كهدي للناس في كل عصر.
ويحمل الطابع الخاص في الصياغة لاحتوائه المطلق الإلهي في المحتوي والنسبية الإنسانية في فهم هذا المحتوي وهي صياغة معجزة لا يستطيعها الإنسان تسمح بتعدد التأويل على مر العصور، ولهذا فالكتاب لا يعد تراثاً إنما التراث هو الفهم الإنساني النسبي له.
واعتمد شحرور في قراءته لكتاب االله على المنهج اللغوي لأبي علي الفارسي والمتمثل بالإمامين ابن جني وعبد القادر الجرجاني، وعلي آخر ما توصلت إله علوم اللسانيات الحديثة من نتائج علي رأسها أن كل الألسن الإنسانية – بما فيها اللسان العربي – لا تحتوى خاصية الترادف بل إن الكلمة إما أن تهلك عبر التطور التاريخي أو تحمل معنى جديداً مع عبارة ثعلب الشهيرة "ما يظن في الدراسة اللغوية من المترادفات هو من المتباينات" ولذا أختار معجم "مقاييس اللغة" لابن فارس مرجعاً لتحديد فروق معانى الألفاظ التي أختصها بالبحث.
والباحث لا يقدم في كتابه تفسيراً للقرآن فهو يرى أن القرآن يؤول ولا يفسر حيث التأويل هو ما تنتهي إليه الآية من حقيقة أو قانون عقلي نظري، وهذا ما يسمح به النص المتشابه المعجز الذي يمكن إعجازه في ثباته مع حركة محتواه ونسبية فهمه الأمر الذي يعنى أن الوحي لا يناقض العقل ولا يتناقص مع الحقائق، ومن ثم يطابق المحتوى كل الأرضيات المعرفية المتطورة إلى أن تقوم الساعة. الأمر الذي يجعل إعجازه غير قاصر على الجمال البلاغي فقط أو على العرب فحسب.
أما عن السنة النبوية فيري د. محمد شحرور أن ما اصطلح على تسميته بالسنة النبوية إنما هو حياة النبي كنبي وكائن إنساني عاش حياته في صميم الواقع السائد في شبه جزيرة العرب بكل ما كان يحيط بها من ظروف جغرافية وتاريخية وثقافية وسياسية وليس في عالم الوهم، وأنه لم يؤثر عن الصحابة أنهم اعتبروا أحاديث النبي وحياً في وقت من الأوقات والنبي من جهته لم يجمع كلامه رغم أمره بتدوين الوحي بكل دقة.
إن السبب الحقيقي هو معرفة الرسول وصحابته رضوان االله عليهم أن الحديث مرحلة تاريخية وأن ما فعله النبي في القرن السابع كان الاحتمال الأول لتفاعل الإسلام في مرحلة تاريخية معينة ولكنه ليس الاحتمال الأخير وبما أن رسالته تقوم على خاصية الحدود فقد كان الرسول هو الوحيد الذي سمح له بالاجتهاد لكي يعلم الناس أن يجتهدوا من بعده.
ذلك الدرس الذي وعاه جيداً عمر بن الخطاب ومن ثم فالسنة تمثل الجانب النسبي في الإسلام في مقابل المطلق.. االله جل جلاله ووحيه حيث أخذ الرسول المطلق – الحدود من الرسالة وحولها إلى عالم الحقيقة النسبي وهذا هو السبب المحوري في حرص النبي وصحابته على الوحي الذي هو المطلق أما الباقي فمتروك للإنسان في سياق الزمن فلا قوالب جاهزة، ولا توقيف لحركة التاريخ.
ولا شك أن كتاب الدكتور شحرور يمثل محاولة توفر لها الإخلاص والعلم والدأب والرغبة العارمة في تفهم آفاق القرآن الكريم ولهذا فإنه اتسم بالأصالة وتوصل إلى ما لم يتوصل إليه غيره.
وقد طبع الكتاب ثلاث طبعات في غضون سنوات ثلاث وتعرض بالطبع لموجة من الهجوم لم تقم على أسس علمية أو تأخذ صفة موضوعية ولكنها كانت اجتراراً للفهم القديم.  ومع إعجابنا الكبير بالكتاب ومؤلفه فإن هذا لا يمنع من القول بأن تمسك المؤلف بالمنهج اللغوي ودلالة الألفاظ وأصلها في قواميس اللغة، أدى به إلى بعض التفسيرات المجافية للسياق القرآني. كما في تعريفه للمال والبنين
وتفسيره الآيات. ويسأَلونَك عنِ الْمحِيضِ قُلْ هو أَذىً فَاعتَزِلُوا النِّساء فِي الْمحِيضِ ولا تَقْربوهن حتَّى يطْهرن فَإِذَا تَطَهرن فَأْتُوهن مِن حيثُ أَمركُم اللَّه إن اللَّه يحِب التَّوابِين ويحِب الْمتَطَهرِين.
إن كلمة "النساء" فيها جمع نسئ أي المتأخر والمستجد ويصبح معنى الآيتين أن الأشياء المستجدة وهي من الأشياء المادية التي يجب الناس جمعها وكسبها قد أباح لنا االله استعمالها متى وكيف نشاء. وقد استعمل صيغة الجماعة "حرث لكم" للدلالة على الذكور والإناث معاً.
وفى تعريفة كلمة (جيوبهن، الجيب جاء من جيب وتعنى فتحة لها طبقتان لا طبقة واحدة لأن الأساس في فعل جيب" فعل "جوب" وتعنى في اللسان العربي الخرق. وبهذا نعرف أن الجيوب في المرأة هي ما بين التديين والإبطين والفرج والآليتين ويجب على المرأة المؤمنة أن تغطيها وذلك هو الحد الأدنى للباس المرأة "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ (31) النور.
والخمار من "خمر" وهو الغطاء. والنبي وضع الحد الأعلى للباس المرأة بقوله كل المرأة عورة ماعدا وجهها وكفيها" فإذا خرجت المرأة عارية فقد خرجت عن حدود االله وإذا خرجت دون أن يظهر منها شيء حتى وجهها فقد خرجت عن حدود رسول االله وربما يسأل البعض أليس الفم والأنف والعينان من الجيوب؟
نعم ولكنها جيوب ظاهرة في الوجه ورأس الرجل والمرأة أظهر فيهما وهو هوية الإنسان. وكذلك وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فإن الضرب هو السير، من أن ضرب في اللسان العربي لها أصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه وأول معنى محمول عليه هو الضرب في الأرض بغرض العمل والتجارة والسفر.  
و"القلب" عند الدكتور شحرور هو المخ ولا يثنيه أن يضعه القرآن في الصدور. أما الشهر في سورة القدر فليس المقصود به شهر رمضان ولكنه "إشهار" القرآن.
 وقد احتفلنا بالدكتور شحرور وكتابه هذا الاحتفال لأنه يمثّل المثقف المسلم والمفكر الذي يبدأ من منطلق إيمانه بالله وكتابه ورسوله ولكنه يعمل لكي يستخرج منه ما يوحى به العقل السليم والفكر المستقيم فنجا بذلك من التأثر بنظرة المستشرقين وزخرف قولهم الذي خضع له وتأثر به كثير من المثقفين المسلمين المعاصرين - كطه حسين ومحمد أركون وغيرهم - فذهبوا إلى أن القرآن من التراث" وعاملوه كما يعامل أي كتاب تراثي فضلّوا، وأضلّوا". 
 
*(تم النقل بتصرف من كتاب نحو فقه جديد صـ 205م. الكتاب صدرت الطبعة الأولى منه 1995م).   


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة