محافظ تعز يرأس اجتماعا استثنائيا لقيادات السلطة المحلية وقيادة الجيش     الحكومة تتهم "الانتقالي" بعرقلة تنفيذ اتفاق الرياض     الحكومة تتهم "الانتقالي" بعرقلة تنفيذ اتفاق الرياض     ما خفي وراء توقيع اتفاق الرياض (ترجمة)     مأرب.. الدم والخذلان     ارتفاع عدد مجزرة مسجد الاستقبال بمأرب إلى 11 شهيد     وفاة يمنيان بقارب صيد بمنطقة رأس العارة بلحج     مركز الملك سلمان يدشن مشروع تشغيل وتطوير مركز الأطراف الصناعية بتعز     وسائل إعلام خليجية.. الحوثيون وراء استهداف معسكر الاستقبال بمأرب     منظمة ترفع شكوى للنائب العام حول علاقة وزير الاتصالات بالحوثيين     هل ينجح اختبار تركيا الأول في ليبيا     محافظ تعز وكذبة اقتحام الجرحى لمكتب المحافظة     في استغلال للوظيفة العامة.. النائب العام يعين مقربين بأجهزة القضاء بمأرب     رابطة جرحى تعز تنفي قيامها بأي فعالية بديوان محافظة تعز وترفض الافتراءات الكاذبة     تمرد الثلاثاء بالسودان يجبر مدير جهاز المخابرات لتقديم استقالته    

السبت, 14 ديسمبر, 2019 11:04:52 مساءً

طاهر شمسان
لست أرى قضية يلفها غموض متعمد مثل القضية الجنوبية، كما لم أرَ قضية مثلها تعرضت لسوء التوظيف شمالا وجنوبا حتى أصبحت أكبر كلمة حق في راهن اليمن يراد بها أكبر باطل. ولكي تظهر هذه القضية واضحة وغير قابلة لأي توظيف سياسي يصادم طبيعتها الوطنية كتبنا هذا المقال الذي ننشره على أربع حلقات.
أولا: في ماهية القضية الجنوبية وكيف نشأت:
القاعدة أن كل شعب على كوكب الأرض هو نتاج تفاعل بين الجغرافيا التي يعيش عليها والتاريخ الذي دارت تفاصيله داخلها عبر القرون. والتفاعل بين الجغرافيا والتاريخ يختلف من حيث القوة والضعف والنتيجة تبعا للاختلاف في طبيعة جغرافيا هذا البلد أو ذاك. فحيث تكون الجغرافيا سهلة وكريمة مع ساكنيها يكون التفاعل بينها وبين التاريخ قويا يفضي في الغالب إلى واحدية الكيان السياسي المهيمن، ويفضي بالضرورة إلى نشوء شعب متجانس يتسم بارتفاع منسوب التعايش المثمر بين أفراده وجماعاته.
وكمثال على قوة التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ نشير إلى هبة النيل (مصر) حيث الشعب على قدر عال من التجانس رغم ثنائية الدين، وحيث الهيمنة على كامل الجغرافيا كانت دائما لدول مركزية تعاقبت -تقريبا بغير تزامن-منذ الفراعنة إلى اليوم.
أما إذا كانت الجغرافيا صعبة وقاسية وعصية على السيطرة والإخضاع فإن تفاعلها مع التاريخ يكون ضعيفا نسبيا يفضي في الغالب إلى تعدد الكيانات السياسية وتزامنها صراعيا، ويفضي بالضرورة إلى نشوء شعب يتسم بالتعدد في إطار الواحدية.
وكمثال على ضعف التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ سوف نشير إلى اليمن حيث الشعب الواحد أقرب إلى التعدد منه إلى التجانس رغم واحدية الدين، وحيث الهيمنة لم تكن دائما لدول مركزية تعاقبت على كامل الجغرافيا وإنما كانت في الغالب موضوع نزاع بين دول تزامنت صراعيا. ولهذا لم يكن اليمن دائما بلدا موحدا، والأرجح أنه عرف التجزئة أكثر مما عرف الوحدة.
تأسيسا على ما سبق يمكننا الآن التمييز على مستوى الوعي المجرد بين مفهومين محوريين لليمن هما مفهوم "اليمن الحضاري الثقافي" ومفهوم "اليمن السياسي"، حيث يشير الأول إلى تفاعل الجغرافيا والتاريخ عبر القرون داخل الحيز المكاني المعروف باليمن، وقد ترتب على هذا التفاعل نشوء جماعة بشرية هي الشعب اليمني. أما المفهوم الثاني فيشير إلى الكيانات السياسية (الدول) التي تعاقبت على الجغرافيا اليمنية أو تزامنت داخلها صراعيا.
وعند هذا المستوى من التحليل علينا أن نلاحظ أن "اليمن الحضاري الثقافي" كان دائما، ومازال، وسيبقى واحدا، بينما اتسم اليمن السياسي بالتعدد الصراعي في معظم فترات التاريخ. أما لماذا كان تعدد "اليمن السياسي" صراعيا فلسببين متداخلين. يتصل السبب الأول باليمن الحضاري الثقافي الواحد الذي يتطلع دائما إلى "يمن سياسي" متسق مع واحديته ومكافئ لها. ويتصل السبب الثاني باليمن السياسي المتعدد الذي يتعذر عليه أن يتعايش سلميا في المجال الحضاري الثقافي الواحد. وعندما يقال إن أي تجزئة في اليمن ستكون دائما مصادمة لحقائق الجغرافيا والتاريخ ومدعاة للحروب ومعيقة لأي استقرار فإن هذا القول يستمد صحته وسلامته وصدقيته من تداخل السببين المشار إليهما.
تتمظهر واحدية اليمن الحضاري الثقافي في الثقافة الجامعة للشعب اليمني التي هي في أساس الهوية اليمنية، بينما تتمظهر تعدديته في الثقافات المحلية الفرعية التي تتسم بالتنوع من منطقة إلى أخرى. والملاحظ أن هذا التعدد موجود في الشمال وفي الجنوب، وليس صحيحا أن الجنوب كتلة صماء في مواجهة كتلة صماء أخرى هي الشمال. وإذا أمعنا النظر في مكونات الشعب اليمني سنلاحظ أن الثقافة الفرعية في أبين وشبوة ومأرب والجوف تكاد أن تكون واحدة، وقل مثل هذا عن الضالع وجزء كبير من إب، وعن لحج وجزء كبير من تعز.
إن ضعف التساند بين جغرافيا اليمن وتاريخه أدى في كثير من فترات التاريخ إلى تعدد اليمن السياسي وتزامنه صراعيا داخل اليمن الحضاري الثقافي الواحد على حساب الاستقرار اللازم لرخاء العيش واتساع العمران. وهنا علينا أن نلاحظ الأمور الجوهرية التالية:
1 -أن القوة -وليس الجغرافيا-هي التي كانت ترسم حدود الدول المتصارعة، وأن مساحة أي دولة كانت تتناسب طرديا مع قدرتها على الحشد والتعبئة وخوض الحروب. ولذلك لم تكن حدود هذه الدول ثابتة وإنما متحركة ومتنقلة ومتغيرة.
2 -أن تأثير اليمن الحضاري الثقافي على رعايا الدول المتصارعة كان أقوى بكثير من تأثير اليمن السياسي عليهم. ومن منظور اليمن الثقافي الحضاري كان هؤلاء الرعايا هم الشعب اليمني، أما من منظور اليمن السياسي فقد كانوا –في ظل كل دولة-مجرد سكان.
3-لم تكن الوحدة والانفصال من بين الشعارات التي غذت حروب الدول المتزامنة صراعيا داخل الجغرافيا اليمنية، وذلك لأن هذين الشعارين من إفرازات الدولة الوطنية الحديثة التي قامت على مفهوم السيادة داخل حدودها الجغرافية ولم يكن لهما وجود في القرون الوسطى.
4 -لم يكن اليمنيون الذين عاشوا في ظل تلك الدول ينظرون إليها من منظوري الوحدة والانفصال وإنما من منظوري العدل والظلم، ولذلك كانوا –أفرادا وجماعات-عابرين لمناطق نفوذها في هجرات داخلية ظلت دائما تتفاعل داخل اليمن الحضاري الثقافي الواحد حتى تشابهت في كل اليمن ملامح الناس وأسماؤهم مثلما تشابهت أسماء أماكن سكناهم ومجالاتها الحيوية.
5-آخر يمنين سياسيين تزامنا صراعيا داخل اليمن الحضاري الثقافي الواحد هما الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، مع ملاحظة أن الجغرافيا وليس القوة هي التي رسمت الحدود بينهما لأول مرة في تاريخ اليمن. وعند هذه النقطة تحديدا يبدأ أول الخيط الذي إن أمسكنا به سوف نصل إلى فهم واستيعاب معنى "القضية الجنوبية".
6-لم تكن الحدود الجغرافية بين شمال اليمن وجنوبه تعبيرا عن إرادة السكان في الجانبين وإنما هي صناعة عثمانية بريطانية مصادمة لحقائق جغرافيا اليمن وتاريخه.
7-عندما نشأت الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة كانت نشأتها منذ البداية نشأة وحدوية قاسمها المشترك –شمالا وجنوبا-هو النظرة الدونية للحدود الشطرية. أما مصدر النشأة الوحدوية فهو اليمن الحضاري الثقافي الواحد الباحث عن يمن سياسي متسق مع واحديته ومكافئ لها.
8-قامت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على أنقاض مستعمرة عدن وفسيفساء من السلطنات والمشيخات والإمارات أسقطتها الجبهة القومية ووحدتها بالشرعية الثورية قبل جلاء الاستعمار من عدن. وليس بمقدور أحد اليوم أن يزعم أن سلطانا أو أميرا أو شيخا شكك بمشروعية الإجراءات والتدابير الثورية التوحيدية التي أقدمت عليها الجبهة القومية. كما لم نسمع ولم نقرأ أن سلطانا أو أميرا أو شيخا شكك بالهوية اليمنية للجنوب كما أعلنتها الجبهة القومية.
9-كل مشيخة وسلطنة وإمارة سقطت بأيادي أبنائها، وكان هؤلاء الأبناء يعلمون علم اليقين أنهم مناضلون في صفوف حركة تحرر وطني اسمها "الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل" وليس لتحرير "الجنوب العربي".
10-الجنوب العربي مشروع بريطاني لو قدر له أن يتحقق لكان في الجنوب اليوم أربع دول ذات سيادة داخل حدودها وهي: دولة الجنوب العربي (وتشمل مستعمرة عدن والمحميات الغربية)، والسلطنة القعيطية، والسلطنة الكثيرية، وسلطنة المهرة وسقطرى. وهذه هي الخارطة السياسية التي رسمتها بريطانيا وأرادتها للجنوب بعد رحيلها منه.
11-إن الغرض من الكفاح المسلح الذي سارت عليه الجبهة القومية لم يكن انتزاع استقلال مستعمرة عدن وحسب وإنما اسقاط مؤامرة الجنوب العربي ومحو الخارطة السياسية التي أرادتها بريطانيا للجنوب، وليس مصادفة أن تنطلق أول رصاصات ثورة 14 أكتوبر من ردفان وليس من عدن، كما ليس مصادفة أن تحرص الجبهة القومية على اسقاط السلطنات والمشيخات والإمارات بيدها قبل ذهابها إلى مفاوضات الاستقلال في جنييف.
12-في 30 نوفمبر 1967 أصبح داخل اليمن الحضاري الثقافي الواحد يمنان سياسيان، أي دولتان كل منهما عضو ذو سيادة في المجتمع الدولي، وكل منهما له حدود محمية بقوة النظام الدولي، والوحدة بينهما لم تعد ممكنة بواسطة القوة وإنما على أساس طوعي توافقي.
13-إن التسليم بوجود دولتين في اليمن يعني تلقائيا التسليم بوجود شعبين، وهذا صحيح من منظور التعريف الأكاديمي للدولة ومن منظور القانون الدولي، لكنه غير صحيح من منظور اليمن الحضاري الثقافي الذي ينظر إلى اليمنيين باعتبارهم شعبا واحدا وإن تعددت كياناته السياسية.
14-إن وجود يمنين سياسيين كل منهما يتمتع بالسيادة داخل حدوده يعني فيما يعني أن كل منهما جغرافيا سياسية لها تاريخها الخاص في إطار التاريخ اليمني العام. وقد ترتب على هذه الخصوصية أن الجنوب ليس جزءا من الشمال، وأن الشمال ليس جزءا من الجنوب وأن كليهما جزء من كل واحد هو اليمن الحضاري الثقافي. والذي حدث أن المنتصرين في حرب 1994 ذهبوا يتصرفون مع الجنوب كما لو كان جزءا من الشمال الأمر الذي أيقظ مفاعيل القضية الجنوبية.
15-على افتراض أن الحزب الاشتراكي هو الذي خطط لحرب 1994 وأشعلها وانتصر فيها وذهب يفعل في الشمال ما فعله تحالف حرب 1994 في الجنوب لكانت القضية المثارة الآن هي القضية الشمالية وليس القضية الجنوبية.
16-إن الوحدة اليمنية تعني اختفاء اليمنين السياسيين اختفاء طوعيا ليظهر على أنقاضهما يمن سياسي واحد متسق مع اليمن الحضاري الثقافي الواحد ومكافئ له. والمشكلة أن الجمهورية اليمنية التي أعلنت في 22 مايو 1990 لم تكن متسقة مع اليمن الحضاري الثقافي الواحد ولا مكافئة له.
17-لا يمكن لليمن السياسي الواحد أن يكون متسقا مع اليمن الحضاري الثقافي الواحد ومكافئا له إلا إذا قام على قاعدة التكافؤ والندية بين اليمنين السياسيين (الشمال والجنوب) وعلى احترام واستيعاب ما فيهما من تعدد وتنوع، وهذا ما لم يحصل إطلاقا كما سنرى.
18 – مادام كل من الجنوب والشمال جغرافيا سياسية لها تاريخها الخاص في إطار التاريخ اليمني العام، ومادامت السلطة في الجهتين تختطف الدولة فارضة نظاما سياسيا مستبدا فإن انفراد قيادتي المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني بإعلان الوحدة على النحو الذي تم في 22 مايو 1990 كان مغامرة كبرى حركتها مخاوف خاصة بأصحاب القرار في الجهتين حيث لم تكن الوحدة بالنسبة لهم سوى وسيلة لتجديد الشرعية من أجل البقاء في الحكم لفترة أطول.
19-بقرار إعلان الوحدة في 22 مايو 1990 تمكنت قيادتا المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني من تجديد شرعيتهما ومدها بطاقة هائلة للاستمرار في الحكم لفترة طويلة، لكن هذا لم يكن كافيا لإشباع غرور علي صالح عفاش فذهب –بالتحالف مع التجمع اليمني للإصلاح-ينفذ مخططه للتخلص من شريك الوحدة وابتلاع الجنوب فكانت حرب 1994 التي أوصلتنا إلى المستنقع الذي نحن فيه اليوم.
20-لو أن وحدة 22 مايو 1990 كانت متسقة مع اليمن الحضاري الثقافي الواحدة ومكافئة له لكان العقل السياسي الذي صنع قرارها قد وضع بعين الاعتبار أن الحزب الاشتراكي لا يمثل كل الشعب في الجنوب وأن المؤتمر الشعبي العام لا يمثل كل الشعب في الشمال، ولكان قد ميز في قرار الوحدة بين الشراكة السياسية والشراكة الوطنية ولم يخلط بينهما.
21-يقتضي التمييز بين الشراكة السياسية والشراكة الوطنية أن يذهب الحزب الاشتراكي إلى الوحدة كشريك سياسي مع المؤتمر الشعبي العام وبقية القوى السياسية في إدارة دولة الوحدة، وأن يذهب الجنوب إلى الوحدة كشريك وطني مع الشمال في بناء دولة الوحدة. لكن الذي حصل هو أن قيادة الحزب الاشتراكي مارست الوصاية على الجنوب وصادرت دوره في الشراكة الوطنية، وهذا ما فعلته قيادة المؤتمر الشعبي العام مع الشمال. ونتيجة لهذه المصادرة انفردت قيادتا المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي بقرار الوحدة واستبعدتا القوى الأخرى في الشمال والجنوب حتى أنهما لم تتحملا وجود الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في صنعاء عشية إعلان الوحدة.
22-بما أن الشراكة الوطنية تنصرف إلى بناء دولة الوحدة، وبما أن قيادة الحزب الاشتراكي وقيادة المؤتمر الشعبي العام قد صادرتا هذه الشراكة فإن بناء مؤسسات دولة الوحدة أصبح الموضوع الخلافي الأكبر بين هاتين القيادتين، وبسبب ذلك الخلاف انزلقت البلاد بسرعة نحو الحرب.
23-من منظور القانون الدولي كانت حرب 1994 حربا داخلية في إطار دولة واحدة. ومن المنظور الواقعي جرت الحرب بين مؤسسات دولتين تعذر دمجها، وقد أسفرت النتيجة عن تدمير مؤسسات دولة الجنوب وتعميم مؤسسات دولة الشمال على كل اليمن، أي فرض الجمهورية العربية اليمنية على كل اليمن بالقوة تحت مسمى "الجمهورية اليمنية"، وهذا هو عين الضم والإلحاق.
24-بما أن الحزب الاشتراكي كان قد صادر الشراكة الوطنية للجنوب وذهب إلى الوحدة كشريك سياسي وشريك وطني معا فإن الاقصاء الذي وقع عليه لم يقتصر على شراكته السياسية وإنما امتد ليشمل الشراكة الوطنية للجنوب.
25-تعامل المنتصرون مع الجنوب كما لو كان جغرافيا بلا تاريخ، ومناطق مفتوحة لنهب لا حدود له شمل الأرض وباطنها والبحر وأعماقه، واعتدوا على كل المكاسب التي كانت ثورة 14 أكتوبر قد حققتها للشعب في الجنوب ليجد الجنوبيون أنفسهم وجها لوجه أمام حاضر مظلم ومستقبل لا رجاء فيه وعليهم أن يستأنفوا سباق الحياة من نقطة الصفر أو يستسلموا للعيش بلا كرامة.
26-بدأ الجنوبيون-عسكريون ومدنيون-ينخرطون في حراك سلمي ذي طابع حقوقي. وعوضا عن قراءة المشهد قراءة موضوعية والمسارعة في تحويل الانتصار العسكري إلى انتصار سياسي ذهب المنتصرون في الحرب يواجهون الحراك السلمي ماديا بواسطة الجيش والأمن ومعنويا بواسطة آلة إعلامية منفلتة تسفه المطالب الحقوقية للحراك وتشهر في وجهه تهمة التخطيط للانفصال والعودة إلى ما قبل 22 مايو 1990.
27-لطالما ذهب علي صالح يستعرض عضلاته في عدن-المدينة التي بح صوتها وهي تغني للوحدة حتى صنعتها، ومن قاعات مدينة عدن وساحاتها كان يقدم نفسه بمنتهى الغطرسة وبلا أي حياء على أنه صانع الوحدة وقاهر الانفصال، وكأن التاريخ مهرج تافه يمارس المزاح الثقيل ليستفز مشاعر الجنوب المقهور بحرب 1994.
28-عندما تحولت الوحدة التي غنى لها الجنوب إلى سلاح مشهر في وجه الحراك السلمي ومطالبه الحقوقية أدرك معظم الجنوبيين شيئا فشيئا أن معركتهم مع المنتصر لم تعد حقوقية من أجل انتزاع الحدود الدنيا من شروط الحياة الكريمة وإنما هي معركة سياسية ناجمة-ليس عن إخراج الحزب الاشتراكي من الشراكة السياسية-وإنما عن إخراج الجنوب برمته من الشراكة الوطنية وتحويلة بواسطة القوة من شريك بإرادته إلى ملحق بغير إرادته.
29-عندما أدركت مكونات الحراك الجنوبي الطابع السياسي لمعركتها مع المنتصرين ذهبت تفتش عن السلاح المناسب لطبيعة المعركة فوجدته في الجغرافيا السياسية وفي الرمزيات التي أفرزها تاريخها الخاص وأولها أعلام الدولة التي كانت.
30-في مواجهة شعار الوحدة أنكرت مكونات الحراك الهوية اليمنية للجنوب وحملت أعلامها رافعة شعار استعادة الدولة في مسيرات لا تتوقف. ولكن لماذا تحول إنكار الهوية اليمنية للجنوب من آلية حمائية إلى استراتيجيا يراد لها أن تتحقق على حساب وحدة اليمن واستقراره؟
 |
*صفحة الكاتب على فيسبوك 



الحرية