الاربعاء, 18 فبراير, 2015 11:47:25 مساءً

تأملوا معي كيف تعامل القرآن مع جريمتي القتل والزنا، وكيف يتعامل معهما المجتمع اليوم!! لتعلموا مدى ابتعادنا عن رسالة القرآن مع امتلائنا بالادعاء أننا مؤمنون، قد نكون مؤمنين حقا ولكنه إيمان بسلطة عادات المجتمع التي وضعنا على دهن التدين، وهي أبعد ما تكون عن الدين.
تعامل القرآن مع الزنا كجريمة بعقوبة الجلد ١٠٠ جلدة، ولست هنا بصدد التوقف عند حرفية العقوبة أو الأخذ بمقاصدها اليوم، ولكني سأقارن بين عقوبتين: عقوبة الزنا وعقوبة القتل، لأعرف من خلال العقوبة حجم الجريمة، فبينما كان الجلد هو عقوبة الزاني، كان القتل هو عقوبة القاتل، مع العلم أن الفروق اللغوية بين صياغة العقوبتين تجعلنا نصل لفرق آخر وهو أن عقوبة الزنا ذكرت شروطا -كشهادة أربعة- لا يمكن أن تنطبق إلا في حالة رجل أدمن الزنا وجاهر به، ولذا قال بعضهم أن صياغة الجملة الأسمية "الزانية والزاني" والتي جاءت بأل العهدية الدالة على الثبوت والاستمرار، تعني الشخص الذي تكرر منه ذلك الفعل، أما عقوبة القتل فجاءت بصياغة الجملة الفعلية التي تدل على الحدوث والتجدد "ومن يقتل" وهذا يعني أن من يقتل مرة واحدة فذاك كاف بأخذ القصاص منه، وهذا ما يرجح أن عقوبة الزنا جاءت لحماية المجتمع أما القتل فجاءت لحماية الفرد، والمجتمع يتأثر من الظواهر لا من الحالات الفردية، وهذا رد على من يستغرب على وجود عقوبة للزنا رغم أنها تدخل في الحرية الشخصية.
لا شك حين المقارنة بين العقوبتين بأن هناك فارق كبير بين الجلد والقتل، يشبه الفارق بين الزنا والقتل، ولكن ذلك الفارق في التعامل مع الفعلين لا نجده في حياتنا الاجتماعية ونظرة المجتمع، بل صار العكس هو السائد، فالقاتل لا يلحقه العار كما يلحق الرجل الذي وقع في الزنا، أما المرأة فيلحقها العار والقتل في ظلم وجور وتعد ومخالفة واضحة لرسالة القرآن.
هذا ما يجعلني أكرر باستمرار أن سلطة القرآن غائبة عن حياتنا، وأننا أحللنا مكانها سلطة هجينة من كل ما عسر في التراث واشتد، بعد خلطه بعادتنا التي صنعتها يد البداوة يوما.
فهل يمكن أن يتعامل المجتمع اليوم -والذي يدعي أنه مؤمنا برسالة القرآن- بنفس تعامل القرآن مع الفعلين ووضعهما في ميزانهما بلا ذلك التضخم الذي بلا شك يصب في تدمير بنيان المجتمع لا في حمايته والحفاظ عليه، فلن تكون نزعتهم أشد غيرة من وحي السماء.
كم من البنات دمرت حياتهن بعد لحظة خطأ غريزي وقعن بها، وكم من الرجال رفعهم المجتمع ونظر إليهم كأبطال ومجاهدين بعد أن مارسوا القتل، أهذا هو ميزان القرآن يا أمة القرآن؟؟
إن هذا القضية معيار مهم واختبار حقيقي لصدق هذه المجتمعات من كذبها، فإن استمرت في ذلك التناقض المدمر فإنها تدعي إيمانها فقط، ومتى عادت لتنظر بميزان العدل لكل فعل فإنها على الطريق المستقيم.
ملاحظة: عقوبة الرجم لا تمت إلى رسالة القرآن بصلة، وهي من تسريبات الفكر اليهودي لا الدين اليهودي.


قضايا وآراء
مأرب