شروط السعودية لوقف الحرب في اليمن أثناء لقاء وفد الحوثيين بالرياض     "يمنيون" من الحلم إلى التيار.. اليمني الجديد في حوار مفتوح مع الدكتور فيصل علي     جماعة الإخوان المسلمين تدعوا الأمم المتحدة التحقيق في مقتل محمد مرسي     قطر للبترول تشغل أكبر مصفاة للتكرير في العاصمة المصرية القاهرة     الرئيس اليمني يلتقي مجموعة دول العشرين ويجدد التزام اليمن بمكافحة الإرهاب     قتلى وجرحى برصاص جنود سعوديين بمعسكر العاصفة بصعدة الموالي للشرعية     صفعة جديدة تتلاقها الإمارات من عضو سابق بلجنة العقوبات التابعة لمجلس الآمن     بعد اكتشاف طريقة جديدة للشحن.. هل تعود السيارات الكهربائية للواجهة     المنتخب اليمني للشباب يفوز على سريلانكا بثلاثية نظيفة     تركيا: إعادة أسرى تنظيم الدولة إلى بلدانهم ابتداء من الأسبوع القادم     مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى يتقدمهم نائب في الكنيست     وزير الداخلية يزور منطقة ثمود بمحافظة حضرموت     اتفاق الرياض يجرد الشرعية من سلاحها الثقيل ويقضي عليها بالبطيء     مراسيم توقيع اتفاق الرياض 13 دقيقة بدون خطاب للرئيس هادي     الرئيس اليمني: إعلان اتفاق الرياض غدا وسيتم ضمن المرجعيات الثلاث    

السبت, 09 نوفمبر, 2019 07:56:05 مساءً

بداية الحقيقة المنبثة من الآية القرآنية تقول: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله". 
 
أولاً: لقد شرع لنا القرآن الكريم أن نفرح بفضل الله ورحمته، ومن أعظم تجليات رحمة الله، البعثة المحمدية على صاحبها أتم الصلاة والتسليم، وعندما نحتفي بميلاد محمد بن عبدالله إنما نحتفي ببعثة محمد رسول الله. فلولا البعثة لكان محمد بن عبدالله كغيره من الناس.
 
ومنشأ الاختلاف الحقيقي بين المدرسة التوحيدية والتيارات المتأثرة بالانحرافات التي طرأت على الديانات السابقة في تأليه الأنبياء واستخدامهم لافتة للكهنوتية والتسلط واضطهاد البشرية يتمحور حول المفهوم التوحيدي البشري لشخصية محمد رسول الله وخاتم المرسلين الذي لم يجعله الله أباً لاحد من رجالنا وجعل أزواجه أمهاتنا وبعثه رحمة للعالمين، في مقابل المفهوم الهلامي الخرافي لشخصية الرسول الكريم الذي يصل إلى درجة التأليه في عملية محاكاة بليدة للانحراف المسيحي عن عقيدة التوحيد و تأليه عيسى ابن مريم عليه السلام أو ابتغاء توريث بابوية تحتكر صكوك الغفران و تمارس الدجل بادعاء التوارث الجيني للرسالة واحتكار الوصاية على الدين والحكم وتفرض طاغوتيتها في استباحة أموال الناس ودماءهم ومصادرة حرياتهم وحقوقهم باعتبارهم من كفار التأويل. 
وقد ظل العقل البشري يتعرض لانتكاسات عقدية عن قيم التوحيد وعمليات ارتدادية نحو الوثنية من خلال توثين وسائط الرسالة بعد عجزه عن التعامل التجريدي مع مفهوم الألوهية، والميل إلى تمثل الإله في تصورات مادية محسوسة أو بشرية.
 
ولهذا ارتبطت بعض مظاهر الشرك بتقديس الأولياء والصالحين والمغالاة في الأنبياء وتوثين البقر والحجر والشجر والبحث عن ذات أنواط، وكان الله عز وجل يبعث الرسل تترى لتصحيح هذه الانحرافات واعادة الناس إلى جادة التوحيد.
 
فهل كان محمد صلي الله عليه وسلم بشرا رسولا كما يؤكد القرآن الكريم؟ أو كائن هلامي اسطوري وامتداد للآلهة وهل تجسد هذا الامتداد الإلهي في ذريته من بعده في نظرية الحق الإلهي للأئمة المعصومين الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم؟ من هنا جاء الخلاف وجاءت محاولات الوصاية الأسرية على النبي الكريم ونظريات احتكار السلطة واحتكار الدين واحتكار المعرفة والفهم، وقد قرأنا في بعض الوثائق الفكرية أن كتاب الله لا يفهمه إلا أبناء أسر معينة وأن عطاء الله في الفهم والمعرفة محصور عليهم وما إلى ذلك من الخرافات والخزعبلات الناتجة عن الانحراف عن المفهوم التوحيدي والتورط في توثين البشر.
 
وهناك ثلاثة مستويات من الانحرافات العقدية في نظرية الحق الإلهي، في المستوى الأول يعتقد الناس أن الحاكم هو الله وكان هذا التصور سائدا في بعض الوثنيات الفارسية وفي المستوى الذي يليه يعتقدون أن الحاكم ابن الله أو من سلالة الآلهة، وفي المستوى الثالث يعتقدون أن الحاكم يعينه الله بالنص وفي المستوى الرابع يضع الله له القبول وهكذا في ظل عمليات الارتكاس عن عقيدة التوحيد يحاول البشر تجسيد الإله في شخصية الحاكم بأي صورة من الصور أو حتى في شخصية النبي "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب*ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد "
وقد بدأت محاولات أسطرة الأنبياء وتوثينهم من خلال اعتراضات المشركين واشتراطاتهم لقبول الرسول ألا يكون الرسل بشرا أمثالهم، فالذهنية الشركية تبحث عن وسائط تتمثل من خلالها الآلهة " قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا". 
لقد جاء نبينا الكريم بالرسالة الخاتمة بعد أن وصلت البشرية الى مرحلة النضج الفكري وأصبحت قادرة على المحافظة على عقيدة التوحيد ونفي شوائب الشرك من خلال المصلحين والحركات التجديدية التوحيدية، ولهذا أكدت أية من آيات الكتاب الحكيم أن محمداً صلى عليه وسلم ليس له علاقة أبوية بأي رجل من المسلمين حتى يقطع حديث البعض عن توارث النبوة وأكدت الآية في نفس الوقت أن النبوة ختمت" ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما" وقبل هذه الآية أكدت أية أخرى أن علاقتنا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليست علاقة أسرية فهو أولى بنا من آبائنا وأمهاتنا و أبنائنا، وأكدت الآية أن زوجاته الكريمات هن أمهات لسائر المؤمنين" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" وهكذا انتصر القرآن الكريم لرابطة الدين على رابطة الطين، فأصبحت زوجات النبي التي تجمعنا بهن رابطة الدين أمهاتنا، وأعلن أن محمداَ ليس ابا لأحد من رجالنا، ومع أن الاعتبار الطيني يدخل أبناء البنات في مفهوم الذرية إلا أن الاعتبار الديني نفى هذه الأبوة عن نبينا الكريم وأثبت الأمومة الدينية لزوجاته رضوان الله عليهن أما أبناء البنات فقد أمر الله في نفس هذه السورة أن ندعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله".
 
ومن النواتج السلبية للابتعاد عن المفهوم التوحيدي لشخصية محمد رسول الله الطابع التقليدي للاحتفاء بمولد محمد ابن عبدالله صلى الله عليه وسلم وما نلحظ فيه من التكرار الرتيب للسرد التاريخي لقصة المولد والمرضعة حليمة ونحو ذلك من الحكايات التي تتكرر بصورة مملة ورتيبة حتى كأننا نحتفي بمحمد ابن عبدالله أكثر من احتفائنا بمحمد رسول الله.
ومن النواتج السلبية للابتعاد عن المفهوم التوحيدي، تحويل الاحتفاء بالمولد الى استعراض سياسي فج، لتكريس مفهوم الوصاية الأسرية والحق الإلهي واحتكار السلطة والدين والمعرفة.
 
وهنا يبدو السؤال مشروعاً: لماذا لا نحتفي بيوم البعثة؟ إن بعثة محمد رسول الله أكثر أهمية من مولد محمد ابن عبدالله، وكما أكدنا في البداية أن الأصل ألا نحتفي بالمولد إلا للاقتران التلازمي بين مولد محمد ابن عبدالله وبعثة محمد رسول الله.
وهذا الحديث عن محمد الرسول لا يلغي أهمية الحديث عن العظمة الإنسانية للنبي الكريم" فالله أعلم حيث يجعل رسالته ممن تتوفر فيهم مؤهلات الكمال البشري فالاصطفاء للرسالة إنما هو استحقاق لكسب بشري في مجاهدة النفس وتأهيلها لهذا الدور الريادي.
ولا جدال في عظمة نبينا الكريم التي تتقاصر دونها العظمة وعبقريته التي تتناهي دونها العبقرية ولكن العبقرية والعظمة وحدهما تعجزان عن تحقيق تلكم النقلة الحضارية والإنسانية والقفزة في حياة البشرية التي حققتها الرسالة الإسلامية وما استطاع محمد ابن عبدالله تحقيق هذا المستوى العظيم من التغيير إلا بعد هزة جبريلية حولته من محمد ابن عبدالله إلى محمد رسول الله حسب تعبير الأستاذ عبدالله البردوني.

 
وينبغي الاشارة إلى أن بعض مبالغة المستشرقين في الحديث عن عظمة وعبقرية النبي صلى الله عليه وسلم تحمل نوعا من الدس الخفي والطعن في الحقيقة الرسالية للنبي الكريم ومحاولة الاشارة أن الانجازات الحضارية التي حققتها الرسالة الاسلامية من نتاج عظمة بشرية محضة.
إن احتفاءنا بذكرى المولد ينبغي أن يكون احتفاء رسالياً حضارياً، يتمحور حول الاحتفاء بجوهر الرسالة التي كانت أساس التغيير الحضاري والتعامل الرسالي مع المولد يرتبط بالرسالة والمرسل أكثر من ارتباطه بالرسول. ولهذا كلما حدثنا القرآن الكريم عن محمد صلى الله عليه وسلم جاء هذا الحديث مرتبطا بالوظيفة الرسالية" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وينبغي التركيز هنا على فحوى الرسالة" "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق" " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"" ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " " شاهدا ومبشرا ونذيرا".
 
والتغيير الذي غير مجرى التاريخ احدثته بعثة محمد رسول الله وليس مولد محمد ابن عبدالله الذي لو توفاه الله بعد أن بلغ الأربعين عاما قبل أن يأتيه الوحي لن يسمع به أحد من الناس وجوهر الرسالة الإسلامية هو التوحيد والعبادة الوحيدة التي طالبنا الله بالإكثار منها هي ذكر الله" يا أيها الذين أمنوا اذكرا الله ذكرا كثيرا".
 


قضايا وآراء
حملة فكوا الحصار عن مدينة تعز