مشروع "مسام" يخرج بإحصائية جديدة حول الألغام في اليمن     الشهيد اللواء عدنان الحمادي قبل شهور قليله من مقتله     موقع بريطاني: أمير قطر لن يشارك في القمة الخليجية بالرياض     لماذا بدأت مليشيا الحوثي بمحاكمة عشرة صحفيين بصنعاء     هل ينتبه اليمنيون لمخطط الإمارات بفصل المخا عن مدينة تعز     قرار للنائب العام يمهد بفصل مديرية المخا عن محافظة تعز (وثيقة)     وزير الخارجية الأمريكي يزور المغرب والتعاون الاقتصادي على رأس الزيارة     توتر عسكري كبير بأبين بعد وصول تعزيزات للمجلس الانتقالي     الجيش الأمريكي عبر المدمرة "فورست" يسدد ضربة موجعة للحوثيين     سياسة إضعاف الشمال وأثرها في تقوية الحوثيين وتقويض الدولة     وكيل وزارة الشباب والرياضة يشهد اختتام بطولة ال 30 من نوفمبر لكرة القدم بمأرب     الدكتور العديل يمثل اليمن في المؤتمر الدولي حول الهجرة الآمنة بالقاهرة     الدكتور منير لمع يلتقي قيادة مكتب الشباب والرياضة بمأرب     البنك المركزي والمالية يعرقلان صرف رواتب الجيش الوطني بالمناطق الشمالية المحررة     مقتل اللواء الحمادي.. الوطن يخسر أحد أبرز القادة العسكريين المناوئين للانقلاب    

الإثنين, 23 سبتمبر, 2019 12:02:43 صباحاً

 
لا شك أن التعليم الدراسي في أي مجتمع هو الذي ينظم العقل الجمعي وهو الذي يكون الهوية الوطنية للمجتمع، ولا شك أيضا أن الاشتغال على التعليم الدراسي هو اشتغال على الحاضر والمستقبل، فكم حفر التعليم الدراسي من تصورات في أذهاننا صار من العصوبة زحزحتها أو تجاوزها إلى رؤى جديدة حتى لو امتلكت الرؤية الجديدة كثيرا من المنطق والبرهان!
 
ولأهمية منهج التعليم الدراسي وما يبنيه في الأجيال التي هي عماد المجتمع كان لا بد أن يأخذ من الوقت والجهد في إعداده وتنقيحه وتنظيمه وتهذيبه مثل ذلك الجهد الذي يأخذه الدستور والقانون إن لم يكن أكثر، ذلك أن المنهج الدراسي هو من زاوية ما الدستور الثقافي للبلد، وما دام كذلك فلابد أن يكون جامعا لفئاته لا مفرقا لها، وأن لا ينفرد بإعداده جهة ما أو مذهب ما ليشكله كما يريد فتكون مخرجاته مخالفة للدستور الذي صاغوه باتفاقهم جميعا وبالتالي ينتج صراعا.
 
كما أن إعداده لا يقتصر فقط على المختصين في المجال التربوي والعلمي فقط، وإنما هو بحاجة لقانونيين ينظرون في دقة عباراته وجمله وهل تتوافق مع نظر الدستور أم لا، إذ لا يعقل أن يكون المنهج مثلا متبنيا وجهات نظر تخالف ما اتفق الناس عليه في الدستور، كما أن فريق الإعداد بحاجة لاستشارة مجموعة من المفكرين وهذا ما لا نجده للأسف في بلداننا العربية..
 
والحاجة للمفكرين في صياغة المناهج مهمة جدا وذلك لأنهم ينظرون برؤية أوسع لمشكلاتنا الحضارية والثقافية ويضعون الخطوط الرئيسية لمعالم النهوض الحضاري لهذه الأمة ودراسة أهم أسباب تخلفها وتراجعها، وللمفكرين أهمية خاصة كونهم يميلون للأفكار الكلية والفلسفة العامة للعلوم والمعارف، وهذا ما يغيب عن المتخصص الذي يغرق كثيرا في التفاصيل ويرى كل تفصيل مهم ولا بد أن يضمّن في المنهج، ظنا منه أنه يحافظ على العلم، وما يدري أنه وضع الطالب في مقام المتخصص، ونسي أن الطالب يحتاج فقط لأساسيات التفكير والمبادئ لكل علم، حتى يستطيع أن يفهم ثم يبدع ويبتكر.
 
وأنا هنا سأحاول أن أناقش زاوية واحدة في المنهج الدراسي وهي منهج التربية الإسلامية، لما لها من ارتباط وثيق بالتعايش في مجتمعاتنا العربية، ولما يشكل الخلاف فيه من صراعات مذهبية وطائفية.
 
قبل أكثر من عقد من الزمن قمت بدراسة منهج التربية الإسلامية من الصف السادس إلى الصف الثالث ثانوي (اليمن) لأنظر مدى تحقيق هذا المنهج للتعايش في بلد تتنوع فيه المذاهب الإسلامية، بين زيدية وشافعية ومتصوفة وسلفية ومعتزلة (الزيدية يعتبرون معتزلة في العقائد)، وقد خرجت ببعض الملاحظات العامة على المنهج الدراسي بأكمله، والتي يعود غالبها لمشكلات الخطاب الديني السائد ذاته، كما أني لاحظت أن المنهج الدراسي ككل ومنهج التربية الإسلامية بشكل خاص كثيف بالتفصيلات التي لا حاجة لها، وهي تفصيلات كثيرة تشتت الطالب عن الأصول إلى الفروع وعن الأسس والأركان إلى الزوايا والهوامش.. تفصيلات في الأساس يدرسها المتخصص في الدراسة الجامعية لا الطالب في مرحلته الأساسية وإلا ماذا تركوا للمتخصص بعد ذلك!
 
كثيرة هي المسائل التفصيلية الجزئية التي وجدتها في منهج التربية الإسلامية والتي هي قابلة للاختلاف وتعدد الآراء، لكن المنهج لم يذكر إلا رأيا واحدا، والطالب حين يكتشف فيما بعد أن في المسألة خلافا سيحدث له نوع من التشويش أو يذهب للتعصب ضد كل رأي مخالف، وهذا ما حدث ويحدث إذا سمع الناس برأي لم يدرسوه في مناهجهم في تلك المسألة فيذهبون للهجوم على المخالف واتهامه بالكفر أو الزندقة، إن المكان المناسب في رأيي لتلك الاختلافات هو التخصص الجامعي لا منهج التعليم الأساسي، ويكفي أن يتعلم الطالب في التعليم المدرسي أصول القيم والأخلاق وأركان الشعائر التعبدية وأركان الإيمان بالله، بلغة تربوية جامعة للمتفق عليه.
 
تبقى هناك مشكلة أخرى في هذا الصعيد وهي وجود مدارس خارج الإطار التعليمي الأساسي للدولة، وهذه المدارس قد تصوغ منهجها على خلاف قيم الدستور المتفق عليها، وهذا يعني إفراز مزيد من المتعصبين مذهبيا أو حزبيا أو مناطقيا، أو أي نوع من أنواع التعصب، ولذا فإن من واجب الدولة إلغاء هذا النوع من المدارس بحيث يبقى جميع أبناء المجتمع تحت منهج جامع واحد، ومن أراد أن يعلم ابنه مذهبه الخاص فليكن ذلك في إطار الأسرة، أو تنظم الدراسة على شكل معاهد بعد الثانوية على أن يكون منهجها خاضعا لرقابة الدولة بحيث لا يخالف القيم العليا التي اتُفق عليها في الدستور.
 
ومن الأسس والمبادئ التي يحتاجها التعليم الدراسي كي يحقق ما نسعى إليه من تعايش وإبداع الآتي:
 
1. أن يتبع التعليم أسلوب الحوار، لما في ذلك من تحفيز للعقل وتنشيطه لتقبل المعارف وتوليد الأفكار، وقبول الآخر المختلف والتواصل معه والتعرف على ما هو إيجابي في أفكاره.
 
2. أن يعوّد الطالب على طرح الأسئلة وتوليدها، وطرح الأفكار الجديدة والمعارضة للسائد والمألوف بشجاعة، وصولاً إلى احترام كل فكرة جديدة، والبعد عن الموقف السلبي إزاءها، بل وضعها موضع الاختبار والتعرف والفحص.
 
3. أن يهتم التعليم بتدريس فلسفة العلوم وتاريخها، لأن الفلسفة هي ما يولد النزعة العقلانية والحوارية بين الطلاب وبالتي قبول الآخر ورفض الأحادية، والإيمان بالتنوع. كما أن فلسفة العلم تيسر للطالب الإبداع فيه بالتحليل والتركيب والتقويم والإضافة.
 
4. أن يؤهل المدرسون تأهيلا واعيا بحيث يدركون فلسفة المنهج وأسسه ومبادئه حتى لا يتجهون بالمنهج إلى التعصب، وأن تسن قوانين وعقوبات لمن يخالف ذلك.
 
* في المقال القادم سأحاول أن أضع تصورا لما يفترض أن يتضمنه وما لا يتضمنه منهج التربية الإسلامية في المنهج الدراسي في مجتمعاتنا العربية.

*يمن منيتور 


قضايا وآراء
حملة فكوا الحصار عن مدينة تعز