مخاطر تباطؤ السعودية في حسم معركة مأرب لصالح الشرعية     مصرع عشرات الحوثيين في أعنف مواجهات بجبهات مأرب     انتصارات ساحقة للجيش في تعز والمليشيا تقصف مستشفى الثورة     وثائق جديدة حول تورط الصندوق السيادي السعودي بمقتل خاشقجي     لقاء يجمع قيادات وزارة الدفاع في مأرب لمناقشة أوضاع الحرب     لماذا تبدو معركة مأرب فاصلة (تقدير موقف)     هجوم صاروخي جديد على قاعدة عين الأسد بالعراق     المحافظ بن عديو يشارك بحفل تخرج دفعة جديدة للقوات الخاصة بشبوة     عقوبات أمريكية جديدة تستهدف اثنين من قيادات مليشيا الحوثي     العميد شعلان.. البطل الذي أرهق أحفاد الإمامة ودحر فلولها في بلق مأرب     قيادي بحزب الإصلاح: مأرب تخوض معركة اليمنيين الفاصلة     مطالبات محلية ودولية لوقف استهداف الحوثيين للنازحين في مأرب     الجيش يصد هجوم الحوثيين بنهم ويدعو الصليب الأحمر لانتشال جثث القتلى بالجوف     عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر     تقدم كبير للجيش في الجوف وعشرات القتلى الجرحى في صفوف الحوثيين    

الأحد, 04 أغسطس, 2019 09:52:36 مساءً

 
هل هناك فكرة تقبل الكتابة وفكرة لا تقبلها، لتبسيط الأمر: هل ثمة موضوعات تصلح للكتابة حولها وأخرى لا تصلح لذلك. ثمة اعتقاد سائد أن الموضوعات البسيطة والتافهة لا تصلح للكتابة، على حين الموضوعات الكبيرة تصلح لذلك، ويعتقد هؤلاء أن الموضوعات التافهة قليلة الرواء أو منعدمة الجاذبية، فقيرة وليست ذات بال، ومن ثم لا يستطيع الكاتب التعاطي معها والكتابة حولها.
وبسبب من ذلك يكون حظها صدودا ونفورا كبيرين لدى الكثيرين.
 والحق أن كل موضوع، مهما كان تافها وعاديا، مؤهل للكتابة بل والإبداع فيه طالما حمل حدثا واشتمل فكرة، أيا تكن هذه الفكرة. فالكاتب الجيد يستطيع أن يتعاطى مع أي موضوع عادي ويحوله بإبداعه إلى موضوع جميل ومثير، ووسيلته في ذلك خياله الخصب وذهنيته المتوقدة وقدرته على الخلق الفني وتمكنه في تطويع اللغة وتفجير طاقاتها، طاقاتها المستكنة في داخلها.
في شعرنا العربي، عرف الشاعر ابن الرومي بإجادته اقتناص أي فكرة، مهما بدت عادية وتافهة والكتابة حولها كأحسن ما تكون الكتابة. وشاعر مثل ابن الرومي، لا يعجزه شيء للتعبير عن أي شيء، فقد كتب عن الزلابية واللوزينج وعن الكراث والبصل والمجانين والعجائز، كما كتب عن الخبز وصور لنا حركة الخباز السريعة في صناعته لأقراصه إلى غير ذلك من الموضوعات العادية والمألوفة، وأخرج لنا صورا بديعة ورسم لنا تفاصيل الحياة ومكوناتها رسما كاريكاتوريا دقيقا على أنه رسم بالكلمات.
 
وللتدليل على ذلك يمكن أن نسوق هذين المثالين، يقول في الرؤوس المشوية بالنار والأرغفة:
 
 ﻣﺎ ﺇﻥ ﺭﺃﻳﻨﺎ ﻣﻦ ﻃﻌﺎﻡ ﺣﺎﺿﺮ ﻧﻌﺘﺪﻩ ﻟﻔﺠﺎءﺓ اﻟﺰﻭاﺭ
ﻛﻤﻬﻴﺌﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻄﻌﺎﻡ ﺃﺻﺒﺤﺎ
 ﺷﺒﻬﺎ ﻣﻦ اﻷﺑﺮاﺭ ﻭاﻟﻔﺠﺎﺭ
 ﺭﻭﺱ ﻭﺃﺭﻏﻔﺔ ﺿﺨﺎﻡ ﻓﺨﻤﺔ
 ﻗﺪ ﺃﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﺟﺎﺣﻢ ﻓﻮاﺭ
 ﻛﻮﺟﻮﻩ ﺃﻫﻞ اﻟﺠﻨﺔ اﺑﺘﺴﻤﺖ ﻟﻨﺎ
 ﻣﻘﺮﻭﻧﺔ ﺑﻮﺟﻮﻩ ﺃﻫﻞ اﻟﻨﺎﺭ
 
 ويصور حركة الخباز وهو يدحو الرقاق بسرعة ويصنع أقراص الخبز:
 
ﻣﺎ ﺃﻧﺲ ﻻ ﺃﻧﺲ ﺧﺒﺎﺯا ﻣﺮﺭﺕ ﺑﻪ
 ﻳﺪﺣﻮ اﻟﺮﻗﺎﻗﺔ ﻭﺷﻚ اﻟﻠﻤﻊ ﺑﺎﻟﺒﺼﺮ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺭﺅﻳﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﻔﻪ ﻛﺮﺓ
 ﻭﺑﻴﻦ ﺭﺅيتها ﻗﻮﺭاء ﻛﺎﻟﻘﻤﺮ
 ﺇﻻ ﺑﻤﻘﺪاﺭ ﻣﺎ ﺗﻨﺪاﺡ ﺩاﺋﺮﺓ
ﻓﻲ ﺻﺤﻔﺔ اﻟﻤﺎء ترمي ﻓﻴﻪ ﺑﺎﻟﺤﺠﺮ!
ويصف عجوزا احدودب ظهره بلغة ساخرة مؤلمة، على هذا النحو:
قصرت أخادعه وغاب قَذالُه
فكأنه متربص أن يُصفَعا
وكأنما صُفِعَت قفاه مرة
وأحس ثانية لها فتجمّعا!
 
 إن الكاتب، شاعرا كان أو ناثرا، هو محور أي عمل إبداعي، ولا دخل للموضوع في ذلك. ثمة دليل آخر يقوي هذه الفرضية، فبعض الموضوعات الجادة والرصينة تتحول لدى كاتب عاجز إلى موضوعات عادية وتافهة، يقتل الفكرة ويدمرها ويقضي على أهميتها. ولنا أن نشبه الكاتب في إزاء مثل هذه الموضوعات الجادة بالمحامي، يمكن أن يكسب القضية ويسهم في تأكيدها وحشد الآراء الإيجابية حولها والمدافعين عنها وجعلها قضية رأي عام، أو يحط منها ويزري بها حتى تصير إلى الفناء وأدراج المجهول!
ومما له صلة، أن الكاتب الممتاز فنيا يستطيع أن يسوق حججا مصطنعة وأدلة سفسطائية زائفة فيبطل الحق ويحق الباطل، كل ذلك بتسخير من اللغة وامتلاك ناصيتها وقدرته على صناعة وقائع جديدة يبني عليها ويربط بينها ويقيم عليها الحجج وينصب حولها الأدلة والبراهين فإذا الكذب يبدو حقا والصدق كذبا. على أن ذلك لا يصمد كثيرا، فالحقيقة أقوى على البقاء من أي واقع زائف مصنوع بالكلمات!
 
 



غريفيث