ضربات جوية للتحالف على صنعاء هي الأعنف منذ سنوات     عصابة مسلحة تقتل منير النوفاني وجماعة الحوثي تماطل بالقبض على القتلة     صراع الحوثية والأقيال بين التحدي والاستجابة     تشديد الخناق على الحوثيين في مأرب بعد تحول سير المعركة من الدفاع للهجوم     هل كتب عبدالله عبدالعالم مذكراته؟     شرطة تعز تضبط متهم بانتشال حقائب نساء     كيف خدع الغشمي عبدالله عبدالعالم     أحداث 13 يناير.. إرهاب حزبي مناطقي بلباس ماركسي     إيران تبادر لعودة التواصل مع السعودية والأخيرة تواصل وقف التصعيد الإعلامي     انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان في اليمن والأمم المتحدة تواصل إخفاء الفاعلين     بعد تعطيله لـ 7 سنوات.. هبوط أول طائرة في مطار عتق     جماعة الحوثي تُمنح 6 ساعات لمغادرة آخر منطقة بشبوة     تدخلات السعودية والإمارات.. اغتيال سيادة اليمن     تعرف على جبهات الحرب بمحافظة شبوة خلال يومي الأربعاء والخميس     تقدم كبير للجيش والعمالقة في شبوة ومقتل 5 مدنيين بقصف للتحالف في بيحان    

الأحد, 04 أغسطس, 2019 09:52:36 مساءً

 
هل هناك فكرة تقبل الكتابة وفكرة لا تقبلها، لتبسيط الأمر: هل ثمة موضوعات تصلح للكتابة حولها وأخرى لا تصلح لذلك. ثمة اعتقاد سائد أن الموضوعات البسيطة والتافهة لا تصلح للكتابة، على حين الموضوعات الكبيرة تصلح لذلك، ويعتقد هؤلاء أن الموضوعات التافهة قليلة الرواء أو منعدمة الجاذبية، فقيرة وليست ذات بال، ومن ثم لا يستطيع الكاتب التعاطي معها والكتابة حولها.
وبسبب من ذلك يكون حظها صدودا ونفورا كبيرين لدى الكثيرين.
 والحق أن كل موضوع، مهما كان تافها وعاديا، مؤهل للكتابة بل والإبداع فيه طالما حمل حدثا واشتمل فكرة، أيا تكن هذه الفكرة. فالكاتب الجيد يستطيع أن يتعاطى مع أي موضوع عادي ويحوله بإبداعه إلى موضوع جميل ومثير، ووسيلته في ذلك خياله الخصب وذهنيته المتوقدة وقدرته على الخلق الفني وتمكنه في تطويع اللغة وتفجير طاقاتها، طاقاتها المستكنة في داخلها.
في شعرنا العربي، عرف الشاعر ابن الرومي بإجادته اقتناص أي فكرة، مهما بدت عادية وتافهة والكتابة حولها كأحسن ما تكون الكتابة. وشاعر مثل ابن الرومي، لا يعجزه شيء للتعبير عن أي شيء، فقد كتب عن الزلابية واللوزينج وعن الكراث والبصل والمجانين والعجائز، كما كتب عن الخبز وصور لنا حركة الخباز السريعة في صناعته لأقراصه إلى غير ذلك من الموضوعات العادية والمألوفة، وأخرج لنا صورا بديعة ورسم لنا تفاصيل الحياة ومكوناتها رسما كاريكاتوريا دقيقا على أنه رسم بالكلمات.
 
وللتدليل على ذلك يمكن أن نسوق هذين المثالين، يقول في الرؤوس المشوية بالنار والأرغفة:
 
 ﻣﺎ ﺇﻥ ﺭﺃﻳﻨﺎ ﻣﻦ ﻃﻌﺎﻡ ﺣﺎﺿﺮ ﻧﻌﺘﺪﻩ ﻟﻔﺠﺎءﺓ اﻟﺰﻭاﺭ
ﻛﻤﻬﻴﺌﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻄﻌﺎﻡ ﺃﺻﺒﺤﺎ
 ﺷﺒﻬﺎ ﻣﻦ اﻷﺑﺮاﺭ ﻭاﻟﻔﺠﺎﺭ
 ﺭﻭﺱ ﻭﺃﺭﻏﻔﺔ ﺿﺨﺎﻡ ﻓﺨﻤﺔ
 ﻗﺪ ﺃﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﺟﺎﺣﻢ ﻓﻮاﺭ
 ﻛﻮﺟﻮﻩ ﺃﻫﻞ اﻟﺠﻨﺔ اﺑﺘﺴﻤﺖ ﻟﻨﺎ
 ﻣﻘﺮﻭﻧﺔ ﺑﻮﺟﻮﻩ ﺃﻫﻞ اﻟﻨﺎﺭ
 
 ويصور حركة الخباز وهو يدحو الرقاق بسرعة ويصنع أقراص الخبز:
 
ﻣﺎ ﺃﻧﺲ ﻻ ﺃﻧﺲ ﺧﺒﺎﺯا ﻣﺮﺭﺕ ﺑﻪ
 ﻳﺪﺣﻮ اﻟﺮﻗﺎﻗﺔ ﻭﺷﻚ اﻟﻠﻤﻊ ﺑﺎﻟﺒﺼﺮ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺭﺅﻳﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﻔﻪ ﻛﺮﺓ
 ﻭﺑﻴﻦ ﺭﺅيتها ﻗﻮﺭاء ﻛﺎﻟﻘﻤﺮ
 ﺇﻻ ﺑﻤﻘﺪاﺭ ﻣﺎ ﺗﻨﺪاﺡ ﺩاﺋﺮﺓ
ﻓﻲ ﺻﺤﻔﺔ اﻟﻤﺎء ترمي ﻓﻴﻪ ﺑﺎﻟﺤﺠﺮ!
ويصف عجوزا احدودب ظهره بلغة ساخرة مؤلمة، على هذا النحو:
قصرت أخادعه وغاب قَذالُه
فكأنه متربص أن يُصفَعا
وكأنما صُفِعَت قفاه مرة
وأحس ثانية لها فتجمّعا!
 
 إن الكاتب، شاعرا كان أو ناثرا، هو محور أي عمل إبداعي، ولا دخل للموضوع في ذلك. ثمة دليل آخر يقوي هذه الفرضية، فبعض الموضوعات الجادة والرصينة تتحول لدى كاتب عاجز إلى موضوعات عادية وتافهة، يقتل الفكرة ويدمرها ويقضي على أهميتها. ولنا أن نشبه الكاتب في إزاء مثل هذه الموضوعات الجادة بالمحامي، يمكن أن يكسب القضية ويسهم في تأكيدها وحشد الآراء الإيجابية حولها والمدافعين عنها وجعلها قضية رأي عام، أو يحط منها ويزري بها حتى تصير إلى الفناء وأدراج المجهول!
ومما له صلة، أن الكاتب الممتاز فنيا يستطيع أن يسوق حججا مصطنعة وأدلة سفسطائية زائفة فيبطل الحق ويحق الباطل، كل ذلك بتسخير من اللغة وامتلاك ناصيتها وقدرته على صناعة وقائع جديدة يبني عليها ويربط بينها ويقيم عليها الحجج وينصب حولها الأدلة والبراهين فإذا الكذب يبدو حقا والصدق كذبا. على أن ذلك لا يصمد كثيرا، فالحقيقة أقوى على البقاء من أي واقع زائف مصنوع بالكلمات!
 
 



قضايا وآراء
انتصار البيضاء