مؤسسة "بيسمنت" الثقافية تقيم المعرض الفني الأول     محافظ شبوة يصل الرياض بعد ضغوط سعودية حول ميناء قنا البحري     النائب العام "الأعوش" يرفع دعوى قضائية ضد الرئيس هادي بسبب قرار الإقالة     مؤسسة بيسمنت تختتم مهارات تدريب في المناظرات وأليات البحث العلمي     مؤسسة نور الأمل تدشن برنامجها الجديد بكفالة ٩٠ يتيما في الأقروض بتعز     تهديد جديد للانتقالي بمنع مسؤولين في الحكومة من الوصول إلى عدن     وزير الشباب والرياضة يتفقد الأضرار بملعب 22 مايو بعدن     العقوبات الأمريكية ضد مليشيا الحوثي الإرهابية تدخل حيز التنفيذ ابتداء من اليوم الثلاثاء     دلالة التصنيف الأمريكي للحوثيين "منظمة إرهابية"     أول دولة عربية تمنع دخول وفد الحوثيين أراضيها بعد تصنيفهم "منظمة إرهابية"     عشرات القتلى والجرحى في مواجهات بالحديدة بين القوات المشتركة ومليشيا الحوثي الإرهابية     تصريحات تصعيدية للمجلس الانتقالي الموالي للإمارات رافضة لقرارات الرئيس هادي     تقدم كبير للجيش بجبهة مأرب ضمن خطة هجوم لاستعادة مواقع استراتيجية     ‏الحكومة تصف قبولها باتفاق ستوكهولم بالقرار الفاشل     السلام في عقيدة الحوثيين.. الحرب الدائمة أو الاستسلام المميت    

الجمعة, 02 أغسطس, 2019 05:33:12 مساءً

ثمة فرق واضح بين الرجل البليغ والرجل البلاغي، الرجل البليغ هو الذي يحسن توصيل معاني كلامه وأفكاره وتبليغها إلى المتلقي، على قدر حاجتهم وحاجة الموضوع.
لذا ﻗﺎﻟﻮا: البليغ ﻣن ﻳﺤﻮﻙ اﻟﻜﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺐ اﻷﻣﺎني، ﻭﻳﺨﻴﻂ اﻷﻟﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﻭﺩ اﻟﻤﻌﺎني.
والبليغ، إذ يفعل ذلك، قد لا يكون على علم بمبادئ البلاغة وقوانينها ومصطلحاتها، وإن كان كلامه وفقها وعلى سننها. وما دام الحديث عن الرجل البليغ الذي يقول كلاما بليغا، يبقى السؤال: كيف يكون الكلام بليغا، أو ما معايير الكلام البليغ، وما حدوده؟ وقد كفانا الجاحظ الإجابة عن هذا السؤال، فهو يرى أن اﻟﻜﻼﻡ البليغ هو الكلام اﻟﺬﻱ ﻳﺒﻠﻎ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ اﻟﺘﻲ ﻓﻲ ﺭﺃﺱ اﻟﻤﺘﻜﻠﻢ ﺇﻟﻰ ﻋﻘﻞ اﻟﺴﺎﻣﻊ.
 وهذا يكون على أقدار الحاجة وأقدار المستمعين وبحسب المقام، يقول: ﻭﺇﻧﻤﺎ اﻷﻟﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺃﻗﺪاﺭ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ، ﻓﻜﺜﻴﺮﻫﺎ ﻟﻜﺜﻴﺮﻫﺎ، ﻭﻗﻠﻴﻠﻬﺎ ﻟﻘﻠﻴﻠﻬﺎ، ﻭﺷﺮﻳﻔﻬﺎ ﻟﺸﺮﻳﻔﻬﺎ، ﻭﺳﺨﻴﻔﻬﺎ ﻟﺴﺨﻴﻔﻬﺎ، ﻭاﻟﻤﻌﺎﻧﻲ اﻟﻤﺼﻐﺮﺓ اﻟﺒﺎﺋﻨﺔ ﺑﺼﻮﺭﻫﺎ ﻭﺟﻬﺎﺗﻬﺎ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﻣﻦ اﻷﻟﻔﺎﻅ ﺇﻟﻰ ﺃﻗﻞ ﻣﺎ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻴﻪ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ اﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ ﻭاﻟﺠﻬﺎﺕ اﻟﻤﻠﺘﺒﺴﺔ. فالبلاغة، إذن، مراعاة الكلام لمقتضى الحال، ﻭﻋﻠﻰ اﻟﻤﺘﻜﻠﻢ ﺃﻥ ﻳﻮاﺯﻥ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻭﺃﻗﺪاﺭ اﻟﻤﺴﺘﻤﻌﻴﻦ ﻭﺃﻗﺪاﺭ اﻟﺤﺎﻻﺕ ﻓﻴﺠﻌﻞ ﻟﻜﻞ ﻃﺒﻘﺔ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﻼﻣﺎ ﻭﻟﻜﻞ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻣﻘﺎﻣﺎ. قال رجل لبشار بن برد إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت!
ﻗﺎﻝ ﺑﺸﺎﺭ: ﻭﻣﺎ ﺫاﻙ؟ ﻗﺎﻝ: ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﺜﻴﺮ اﻟﻨﻘﻊ ﻭﺗﺨﻠﻊ اﻟﻘﻠﻮﺏ ﺑﻘﻮﻟﻚ: ﺇﺫا ﻣﺎ ﻏﻀﺒﻨﺎ ﻏﻀﺒﺔ ﻣﻀﺮﻳﺔ
ﻫﺘﻜﻨﺎ ﺣﺠﺎﺏ اﻟﺸﻤﺲ ﺃﻭ ﺗﻤﻄﺮ اﻟﺪﻣﺎ
ﺇﺫا ﻣﺎ ﺃﻋﺮﻧﺎ ﺳﻴﺪا ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻠﺔ
ﺫﺭا ﻣﻨﺒﺮ ﺻﻠﻰ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻭﺳﻠﻤﺎ!
 
ﻧﺮاﻙ ﺗﻘﻮﻝ:
 
ﺭﺑﺎﺑﺔ ﺭﺑﺔ اﻟﺒﻴﺖ
ﺗﺼﺐ اﻟﺨﻞ ﻓﻲ اﻟﺰﻳﺖ
ﻟﻬﺎ ﻋﺸﺮ ﺩﺟﺎﺟﺎﺕ
ﻭﺩﻳﻚ ﺣﺴﻦ اﻟﺼﻮﺕ
ﻓﻘﺎﻝ ﺑﺸﺎﺭ: "ﻟﻜﻞ ﻭﺟﻪ ﻭﻣﻮﺿﻊ، ﻓﺎﻟﻘﻮﻝ اﻷﻭﻝ ﺟﺪ، ﻭاﻟﺜﺎﻧﻲ ﻗﻠﺘﻪ ﻓﻲ "ﺭﺑﺎﺑﺔ" ﺟﺎﺭﻳﺘﻲ، ﻭﺃﻧﺎ ﻻ ﺁﻛﻞ اﻟﺒﻴﺾ ﻣﻦ اﻟﺴﻮﻕ. ﻭ"ﺭﺑﺎﺑﺔ" ﻟﻬﺎ ﻋﺸﺮ ﺩﺟﺎﺟﺎﺕ ﻭﺩﻳﻚ، ﻓﻬﻲ ﺗﺠﻤﻊ ﻟﻲ اﻟﺒﻴﺾ، ﻓﻬﺬا اﻟﻘﻮﻝ ﻋﻨﺪﻫﺎ ﺃﺣﺴﻦ ﻣﻦ ﻗﻔﺎ ﻧﺒﻚ ﻣﻦ ﺫﻛﺮﻯ ﺣﺒﻴﺐ ﻭﻣﻨﺰﻝ، ﻋﻨﺪك. ثمة شرط آخر للكلام البليغ هو الربط بين أجزائه، بحيث تصير جمله آخذة بعضها ببعض، حتى يغدو الكلام كتلة واحدة ذات دلالة مترابطة
وهذا ما عبر عنه الجاحظ بقوله: "ﻓﺄﺟﻮﺩ اﻟﺸﻌﺮ ﻣﺎ ﺭﺃﻳﺘﻪ ﻣﺘﻼﺣﻢ اﻷﺟﺰاء ﺳﻬﻞ اﻟﻤﺨﺎﺭﺝ، ﻓﺘﻌﻠﻢ ﺑﺬﻟﻚ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺃﻓﺮﻍ ﺇﻓﺮاﻏﺎ ﻭﺳﺒﻚ ﺳﺒﻜﺎ ﻭاﺣﺪا، ﻓﻬﻮ ﻳﺠﺮﻱ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﺴﺎﻥ ﻛﻤﺎ ﻳﺠﺮﻱ اﻟﺪﻫﺎﻥ". إلى ذلك فعدم التكلف شرط آخر للكلام البليغ فإذا ﻛﺎﻥ اﻟﻜﻼﻡ ﺻﺤﻴﺢ اﻟﻄﺒﻊ ﺑﻌﻴﺪا ﻋﻦ اﻻﺳﺘﻜﺮاﻩ ﻭﻣﻨﺰﻫﺎ ﻋﻦ اﻻﺧﺘﻼﻝ، ﻣﺼﻮﻧﺎ ﻋﻦ اﻟﺘﻜﻠﻒ ﺻﻨﻊ ﻓﻲ اﻟﻘﻠﻮﺏ ﺻﻨﻴﻊ اﻟﻐﻴﺚ ﻓﻲ اﻟﺘﺮﺑﺔ اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ.
هذا ما يتعلق بالبليغ وصفا للقائل أو وصف للكلام، أما البلاغي فهو المشتغل بعلم البلاغة، يعرف حدودها وقوانينها ومصطلحاتها وكل ما يتعلق بهذا الفرع من علوم اللغة، وقد لا يكون هذا المشتغل بالبلاغة رجلا بليغا، قد لا يجيد التحدث ولا يقدر على توصيل معانيه وأفكاره للمتلقين باحترافية وبلاغة كما الرجل البليغ.
ولا مراء أن الطبع أو الموهبة له أو لها دور في جعل هذا الشخص بليغا وذاك غير بليغ، وكل خلق لما يسر له؛ على أن هذه الموهبة تحتاج أيضا إلى التحفيز والمران، فالكاتب الممتاز، على سبيل المثال، لم يخلق مرة واحدة، إذ يحتاج إلى ممارسة الكتابة والقراءة الواسعة لمن تميل نفسه إلى أساليبهم، ولكن عليه أيضا أن يتفرد، ألا يكون محاكيا، أن يخلق له أسلوبا جديدا، به يمتاز عن الآخرين ويكون علامة عليه. ثم متحدث لا تود أن يقطع كلامه، وثمة كاتب تود أن لو أطال مقاله لما تجد من التذاذ لما يقول ولما يكتب، وفي الضفة الأخرى ثمة من لا يمتلك هذه القدرة؛ الأول الذي ظفر بانتباهنا وسمعنا وربما دهشتنا، رجل بليغ، يقول أو يكتب كلاما بليغا، والآخر ليست لديه هذه المنحة، فإن قال أو كتب تكلف كثيرا وأصابنا بالخمول وبعثنا على التقزز.
 



قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ