مشروع "مسام" يخرج بإحصائية جديدة حول الألغام في اليمن     الشهيد اللواء عدنان الحمادي قبل شهور قليله من مقتله     موقع بريطاني: أمير قطر لن يشارك في القمة الخليجية بالرياض     لماذا بدأت مليشيا الحوثي بمحاكمة عشرة صحفيين بصنعاء     هل ينتبه اليمنيون لمخطط الإمارات بفصل المخا عن مدينة تعز     قرار للنائب العام يمهد بفصل مديرية المخا عن محافظة تعز (وثيقة)     وزير الخارجية الأمريكي يزور المغرب والتعاون الاقتصادي على رأس الزيارة     توتر عسكري كبير بأبين بعد وصول تعزيزات للمجلس الانتقالي     الجيش الأمريكي عبر المدمرة "فورست" يسدد ضربة موجعة للحوثيين     سياسة إضعاف الشمال وأثرها في تقوية الحوثيين وتقويض الدولة     وكيل وزارة الشباب والرياضة يشهد اختتام بطولة ال 30 من نوفمبر لكرة القدم بمأرب     الدكتور العديل يمثل اليمن في المؤتمر الدولي حول الهجرة الآمنة بالقاهرة     الدكتور منير لمع يلتقي قيادة مكتب الشباب والرياضة بمأرب     البنك المركزي والمالية يعرقلان صرف رواتب الجيش الوطني بالمناطق الشمالية المحررة     مقتل اللواء الحمادي.. الوطن يخسر أحد أبرز القادة العسكريين المناوئين للانقلاب    

الثلاثاء, 25 يونيو, 2019 10:12:38 صباحاً

الجمعة 22 يونيو 2018.. كان اليوم الثاني لي في الزنزانة 33.. بعد نزولي من التحقيق، حاولت النوم في احدى الغرف بعد صلاة الفجر..
لا نظاما محددا هنا للنوم، ومن يتحسس من الضوضاء والحركة فعليه أن يجن أو يتأقلم..
الزنازين لا تنام، بل يتناوب افرادها النوم لتبقى حية متحفزة متيقظة تنتظر خبرا مبهجا لأحدهم يتوقعه جميعهم مع كل طرقة باب.
 
على البلاط
نمت على البلاط، وتوسدت حذائي داخل كيس ووضعت فوقها شميزي وتغطيت بالمعوز، ولم يكن لدي ملابس غيرها.
رقدت عميقا واستيقظت عند العاشرة تقريبا.. كان موعد تعبئة الماء بواسطة انبوب طويل يتدلى من السطح ويمر على الزنازين.. يقوم المعتقلون بتعبئة العبوات البلاستيكية المرنة والشفافة التي تقدمها اليونيسيف وكان يبدو أن طبقات الأتربة المترسبة على العبوات قد اذهبت شفافيتها.
وفي ذات الوقت تستغل الفرصة لتصفية ارضية الزنزانة كاملة بالماء انقاذا للصحة، اذ التخاذل عن امر كهذا يوما ربما يعني ان تحتل جسمك الكتن والقمل وتحرمك نومك وراحتك.
 
جمعة المعتقلين..
حان وقت الجمعة.. قام شاب من منطقة اساودة ماوية خطيبا، وهو الذي اعتقل قبل ان يكمل شهرا على زفافه.. قال انه ليس بخطيب ولكنها الضرورة فوعظ عن الصبر والاحتساب والدعاء وعدم السخرية من بعضنا، وجميعها نصائح موجودة بخط واضح في أحد جدران الزنزانة الداخلية .. كان المؤذن شاب ملتح فارع الطول اسمه رياض كما اتذكر ينحدر من عدن أو أبين، وكان مؤذنا في احد مساجدها واظنه اعتقل اثناء زيارة اقارب له في إب.
صلينا وتغدينا غداء زدناه من صرفتنا الخاصة، ثم جلسنا في مقيل قات، وكان لدينا أحد الفنانين من المختلين عقليا يدق لحن العود بلسانه ويحرك يده في الهواء يغني لمن تريد يحفظ كلمة ويبتلع عشرا. وأن يغني لك ويطربك، أحدهم في السجن بأي شكل فذلك أفضل بكثير من حفلة صاخبة في أجواء الحرية.
 
في الزنزانة 34
انتقلت لاحقا مع آخرين من الذين تم التحقيق معهم سابقا من الزنزانة 33 الى 34 التي انتقل منها الذين لم يحققوا معهم في عملية فصل بين الصنفين.. ولأن الزنزانتين متقابلتين فقد كان المعتقلون يعرفون بعضهم من نافذة الزنازين، تعانق المعتقلون مع اصدقائهم في الزنزانة التي قدمنا إليها كأنهم إخوة قدموا من غربة بعيدة.
لم اتمكن من التعرف كثيرا على "زملاء" الزنزانة 34، وهم لا يختلفون عن المكظومين في 33.. وهذه الزنازين هي من فئة "الضغاطة" مغلقة النوافذ بالحجارة باستثناء فتحة بحجم الكف، ومع ذلك فقد كان المعتقلون هناك يظنون أن "الضغاطة" هي أخرى بلا منفذ للهواء مطلقا إذ كانوا يتوعدونهم لأي سبب لنقلهم إلى "الضغاطة"، دون أن يدركوا انها هي ذاتها التي يعتقلون فيها.
 
عاقل وطلبات
وفي كل زنزانة عاقل يتولى استلام الاكل وتسجيل طلبات المعتقلين من السوق.. في الزنزانة 33 كان عبدالسلام الحجوري فك الله أسره إن كان لازال كذلك، وفي 34 شاب مهذب اسمه وليد كان يعمل في ثلاجة القائد بمفرق ماوية.
ودفعنا الفلوس ليقوم بدوره بتسليمها الى المراسل مشفوعة بقائمة الطلبات..
تاتي الطلبات بسعر زائد بعض الشيء لكنه يبقى مقبولا، فهي خدمة تنقذك من رداءة الطعام غالبا، إضافة لبعض القات الذي يصل بأسعار خيالية ونوعية رديئة اوراقا متيبسة لم تكن تباع في الأسواق خصوصا أننا في باكورة الصيف كأنه ذروة الغلاء الفاحش شتاء.
 
إلى التحقيق مجددا
 
منتصف ليل الجمعة استدعاني المحقق مرة ثانية (لم ادون بعد تفاصيل التحقيق الذي سأضيفه في حلقة منفصلة) ليسألني المحقق ما اذا كان لدي ما تذكرته لأضيفه الى تحقيقات الليلة الماضية..
قلت له إسال وسأجيب.. قال تعرف القنوات والفيسبوك شغالين قرعة علينا عاملين ضجة بسببك..
قلت له طبيعي لو ابلغتموني كنت سآتي إليكم باتصال ما كان وقع شي ولن يتكلم أحد.
كان متحوثة البلاد أبلغوا أقاربي أني اعتقلت في قضية خاصة ليس من مصلحتي النشر فجعلوهم يشتغلون كشرطي رقابة على كل من يكتب خبرا او منشورا متضامنا مع الضحية ليستروا بذلك جرم الجلاد.
سال تقدر تقلي منهم اللي كتبوا والقنوات اللي تحدثت عنك، فأجبته، كيف سأعرف وانا في "الضغاطة" ما فيش حتى ضوء..
ضحك المحقق من إجابتي وقال مسرع عرفت "الضغاطة" قلي كم قد جمعت قصص سجناء وكيف السجن..
اجبته باني للتو دخلت الزنزانة وبالكاد تعرفت على بعض الاسماء، وبالنسبة للسجن يعني مش مثلما كنت اتوقع (دون ان اوضح) ..
ربما كان من حسن حظي أن وقعت مع محقق مهذب إلى حد كبير، تعامل معي باحترام غالبا وهو ما سمعته من آخرين، رغم بعض التلويحات بعقوبة الاعدام بتهمة التخابر مع دولة أجنبية، ورغم بعض النقاش الحاد احيانا.
بعدها قال لي، خلاص انا سأرفع ملفك للقيادة يشوفوا وان شاء الله يومين ثلاث يوقع خير.. لكن الان بنقلك مكان ثاني ترتاح فيه وتفتهن احسن.. ونادى المراسل ان يأخذني الى البدروم..
 
البدروم ليس "ضغاطة"
ثارت لدي مخاوف الانتقال الى الضغاطة الحقيقية عديمة المنافذ والتهوئة التامة.
وبالفعل خرجت من غرفة المحقق، وكنت قد بصمت مغمض العينين، على مجموعة أوراق اخبرني المحقق أنها أقوالي وابعدوا "المشدة" عن عيوني وانزلوني "البدروم" ..
كان عبارة عن شقتين ملتصقتين بلا ابواب او قواطع، احداهما شقة كاملة تمت ازاحة جدران غرفها الداخلية وتأسيس قاعة للمحاضرات الثقافية باسم قاعة أبو شهاب الشهاري.. والشقة الثانية عبارة عن غرف على حالها ومطبخ بشباك كبير مفتوح للخارج وكلاهما متصلتان ولهما باب واحد شبك متصل بالدرج.
بمجرد وصولي بعد منتصف الليل تجمع المعتقلون حولي وباشروا التحقيق معي عن كل شيء، حتى عن سعر قلص الشاي خارج وما اذا كان هناك سيارات وزفلت ومواصلات عامة ام عاد الناس لزمان الحمير والجمال.
احضروا ما تبقى من العشاء واصروا على ضيافتي وتعشينا سويا جبن وطحينية وعيش وشاي يبدو انه كان فائضا لديهم.. وهنا وجدت بعض المعمرين في هذه الزنزانة..
 
زنزانة متنوعة..
يقطن هذه الزنزانة الواسعة خليط متنوع من المعتقلين وجاهات قضايا خاصة كصلاح الشرعبي وهارون شداد المختلفين على محطة بترول في الستين ونذير صاحب محل تجاري في مفرق بني عون، ومعتقلون كبار وصغار السن دون 18 (كان هناك واحد فقط) معتقل على رسالة نصية ردا على احدهم سأله كيف الدنيا فرد عليه الدنيا حامي مشيرا بذلك الى اشتباكات في محيط منطقته باتجاه الدمنة.
كانت زنزانة واسعة مرتبة اكثر وفيها اكثر من ستين معتقلا وفيها نامس اضعاف ما في الضغاطات، وبها شاب مشرف ثقافي "الخليدي" لديه غرفة خاصة داخل الزنزانة يخرج ويعود حسب رغبته وهو من يزودنا بطلباتنا من السوق مقابل ايجار الموتور الخاص به، ويقيم محاضرات من الملازم ويصلي بالمعتقلين هناك.. ومنهم من يصلي ويسربل ظنا أن الرجل سيصدر لهم صك براءة..
 
معتقل ومآس مختلفة
وجدت من امضوا عامين الى عام ونصف متنقلين بين زنزانة إلى أخرى.. أقدمهم لأكثر من عامين حينها، كان شابا من المخأ، لا اتذكر اسمه، اخبرني أنه معتقل لأن اباه قيادي اصلاحي في تعز لا أكثر، حسب قوله، ولم يكن هذا الشاب يشارك الاخرين كثيرا حول أماني قرب موعد الافراج.. كان هذا هو عاقل هذه الزنزانة.
وهناك الاستاذ محمود دائل، وهو تربوي وكان خطيب جامع جوار المطار القديم بتعز، وانتقل مع الحرب الى قريته التابعة للتعزية لكنها تقع داخل اطار شرعب الرونة وكان مصابا بطلق ناري في بطنه لحظة اعتقاله ومزق معدته واستغرق قرابة عام ونصف علاجه بسبب الالتهابات واجريت له اكثر من عملية.
وهناك محمود القاسمي من حذران، والصوفي، من احدى القرى بشارع الستين، وابراهيم ومجموعة أشخاص من الحيمة، ورجل بسيط من عمران اطلق عليه المعتقلون "فواز اتنفس" اعتقل في نقطة بالحوبان بعدما قال لهم إنه مسافر عدن "اتنفس".
وطاهر فارع الذي حبسوه ظلما بدلا عن ابنه بسام الذي فر من السجن رغم انه لم يزره لسجنه منذ عام ونصف فترة سجنه، لكن اتباع "قرين القرآن" كانوا يطبقون آية "و لاتزر وازرة وزر أخرى" بهذه الطريقة.
 
إمداد الساحل يعتقل في الستين!
وآخر لا اتذكر اسمه أخبرني أنهم ضبطوه في نقطة بالستين ومعه كيس رز او سكر، فاتهموه بأنه مسؤول الامداد في الساحل الغربي لانه لم يعد هناك في هذا الزمن الاجدب من يشتري بالكيس، وامضى أشهرا في السجن وافرج عنه بينما كنت هناك..
وهناك آخرون لا تسعفني الذاكرة لسردهم، وفي حالة الجميع لا ادري من نال حريته منهم ومن لازال في معتقله.
 
شركاء الغرفة الثلاثة
اخذت مكاني في غرفة صغيرة، مع شاب احدهما اخبرني أنه اعتقل على ذمة محاولة فاشلة للزواج بفتاة رفض اباها تزويجهما فهربا معا ولجأ إلى شيخ ظناه سينصفهما لكنه سلمهما للحوثيين فاودعوا كلا منهما في زنزانة.
وكان معنا شاب آخر اسمه محمود واعتقد أن لقبه القباطي، اعتقل ليلة العيد على ذمة نقل الجوازات المستخرجة من تعز للحوبان بدراجة نارية يعيل اسرته بها، ليسلمها الى كشك هناك لإرسالها الى اصحابها في إب وصنعاء وذمار وغيرها واتهم بأنه مزور جوازات وكان لا ينام حتى يبكي وهو يتذكر حال اسرته التي لا يعولها غيره.
وثمة شريك رابع وطاغ في الغرفة.. انها اسراب النامس التي تبدأ مناوبتها من الغروب إلى الشروق..
قاعة "ثقافية"
كانت الصالة الكبيرة مفروشة بالموكيت وفيها كتب "ثقافية" لا تستحق قراءة العنوان غالبا.. وهناك شاشة تلفزيونية تعمل بالطاقة الشمسية وتفتح نادرا اذا كان هناك ما يقتضي عرضه للمعتقلين من قناة المسيرة يتفرجون منها مآسيهم.
في هذه الصالة يقيمون محاضرات او دورات للسجناء غالبا بإغراء الافراج إن ثبت الصلاح أو بترقيتهم من زنزانة إلى أخرى.
مثلا ابلغني بعض المعتقلين أنهم عرضوا لهم التقرير الذي كان عنهم، حين أخرجوهم لخارج الزنزانة والبسوهم معوز منقط وتي شيرت مخطط واخبروهم أنه سيتم الافراج عنهم بعفو من عبدالملك الحوثي بمناسبة عيد الفطر.
وجعلوا المعتقلين ظلما وعدوانا أغلبهم يؤدون الصرخة أمام الكاميرات ويقدمون عبارات الثناء والولاء المطلوبة من معتقلين مغلوبين على امرهم، ثم اعادوهم إلى الزنازين لاستكمال الإجراءات التي لم تنته بطبيعة الحال.
ولا أسوأ تعذيبا للنفس من إثارة أمل الحرية عند المكبلين من قبل السجان، وجعلهم في حالة انتظار منهكة للروح والاعصاب والكرامة.
لا ضير فهذه هي الجماعة التي تتنفس الكذب ولا تملك ذرة من ضمير أو انسانية ترعوي مثل هذه التصرفات الفتاكة بمعنويات المقهورين بسجنهم وأكثر بأكاذيب الافراج عنهم..
لا غرابة أن تسمع بعدها من يبتهل إلى الله مع مرور كل طائرة في الأجواء - يخشاها الحوثيون أضعاف ما يخشون الله ويستبشر بها هؤلاء - أن تقصف مدينة الصالح بمن فيها نحن.. سمعت أحدهم يقول أشهدك يا الله أني مسامح اذا ضربتنا الطائرة معاهم..
 



قضايا وآراء
حملة فكوا الحصار عن مدينة تعز