شروط السعودية لوقف الحرب في اليمن أثناء لقاء وفد الحوثيين بالرياض     "يمنيون" من الحلم إلى التيار.. اليمني الجديد في حوار مفتوح مع الدكتور فيصل علي     جماعة الإخوان المسلمين تدعوا الأمم المتحدة التحقيق في مقتل محمد مرسي     قطر للبترول تشغل أكبر مصفاة للتكرير في العاصمة المصرية القاهرة     الرئيس اليمني يلتقي مجموعة دول العشرين ويجدد التزام اليمن بمكافحة الإرهاب     قتلى وجرحى برصاص جنود سعوديين بمعسكر العاصفة بصعدة الموالي للشرعية     صفعة جديدة تتلاقها الإمارات من عضو سابق بلجنة العقوبات التابعة لمجلس الآمن     بعد اكتشاف طريقة جديدة للشحن.. هل تعود السيارات الكهربائية للواجهة     المنتخب اليمني للشباب يفوز على سريلانكا بثلاثية نظيفة     تركيا: إعادة أسرى تنظيم الدولة إلى بلدانهم ابتداء من الأسبوع القادم     مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى يتقدمهم نائب في الكنيست     وزير الداخلية يزور منطقة ثمود بمحافظة حضرموت     اتفاق الرياض يجرد الشرعية من سلاحها الثقيل ويقضي عليها بالبطيء     مراسيم توقيع اتفاق الرياض 13 دقيقة بدون خطاب للرئيس هادي     الرئيس اليمني: إعلان اتفاق الرياض غدا وسيتم ضمن المرجعيات الثلاث    

الإثنين, 24 يونيو, 2019 11:41:35 صباحاً

كنا في السابق تستخدم اللغة بشكل مختلف عما هو اليوم، كانت هي الحياة بشكلها الواقعي، من خلالها يعرف الفرد أنه كائن ذو وجود وذو حيز يؤثر ويتأثر في الطبيعة والتاريخ، كانت اللغة هي الذاكرة والتاريخ والإنسان العابر والمتجاوز للزمان والمكان، فإذا ما سافرنا من بلد إلى آخر تفصل بينهما المسافات الطويلة كنا نطوي تلك المسافة باللغة وكأن اللغة أصبحت وحدة قياسية ذات موجات كهرولغوية تقرب البعيد وتطوي الزمن بين ألفاظها، نتداول القصص والأخبار، يتعارف الناس فيما بينهم، فما تلبث أن تصل وجهتك وكأن الزمكان إندمجا في اللغة فصارت هي من تحملنا.
في ذات مرة سافرت براً من مدينة بونا في الهند حتى مدينة بنجلور، وهي مسافة كبيرة جداً قرابة 17 ساعة، رغم الأقاليم التي قطعناها والوديان والجبال والمناظر الخلابة، إلا أنني كنت كاليتيم، كانت كل ساعة تمر علي كما ولو أنها يوما بأكمله، والسبب أن اللغة اختفت، الجميع يتكلم اللغة الهندية، كنت إذا سافرت من صنعاء إلى البيضاء أبحث عن راكب بجواري لا يمضغ القات، لأن الذي يخزن لا يتكلم كثيراً، وإذا لم يحالفني الحظ، فأعانني كثيراً فيبدأ ألم الأرجل والظهر والتثاؤب والدوار، فما أصل البيت إلا وكأن السفر اجتزأ شيئاً مني.
اليوم تكاد تتلاشى اللغة تماما، لتحل محلها اللغة الرقمية الصامتة، أركب في الباصات والقطارات فلا أسمع كلمة، سوى (excuse me) عفوا من فضلك، الجميع منشغلٌ بالجوال، لا لغة تتحرك، لا حياة، لا إنسان، تصل إلى عملك الجميع منهمك ٌ بجهاز الحاسوب، تخرج إلى السوق الغالب يضع السماعات على أذنيه، أينما ذهبت لا تجد اللغة، وإن وجدتها في الجامعات أو المدارس فلغة مقننة هناك شخص يتكلم والبقية يستمع، لغة أكاديمية ضيقة خالية من روحها لا تجد فيها حياة.
قبل أسبوع ركبت مع سائق تاكسي فسألته وكنت قد بدأت أكسر الصمت الذي حاول أن يختلقه بوضعه للسماعة على أذنيه بنقاش يدور حول موضوع اللغة، فقلت له : إلى أين تتجه اللغة على هذا الوضع؟ فكان جوابه: تخيل أنني لم أعد أتكلم مع عائلتي إلا القليل جدا والنادر، فقلت له لماذا؟ قال لدينا جروب واتساب للعائلة، والوقت الذي نعود فيه إلى البيت متفاوت، لا نأتي في وقت واحد، فيكتفي السلام بيننا عبر إشارة باليد، أو رسالة على مجموعة الواتساب، ثم يذهب كلٌ منا إلى غرفته يتصفح الجوال، وفي الصباح كذلك أوقات ذهابنا متفاوتة فلا نلتقي حتى المساء وهكذا.
رشدت التكنولوجيا اللغة بشكل مهول وحلت محلها، فأصبحت هي الذاكرة وهي التاريخ، وكأنها نموذجٌ حتميٌ لأن تكون هي الحياة والتاريخ، أصبح الإنسان إذا ما أرد أن يعبر عن مشاعره، يسأل جوجل عن الأشعار والكلمات الجميلة لكي يستطيع أن يعبر بها، في مقدرته على التعبير أصبحت مُعطبة جافة، صار الإنسان إذا ما أخطأ في كلمة أعطته التكنولوجيا الكلمة المناسبة، وهذا توليد تكنولوجي يسعى ليحل محل توليد العقل للغة، وإذا ما أراد المعلومة ذهب إلى التكنولوجيا ليسألها حاجته، وإذا ما أراد قواعد اللغة وجد أن التكنولوجيا خبيرة بها أحسن منه، فلم يعد الإنسان هو الإنسان الذي يولد اللغة، ولا الذي يحكم عن طريقها يتميزعن الآلة، بل أصبحت اليوم هي من تحكمه وتسيره، وتجعل منه شيء مثلها تماماً.
ولكي تلمس كمية الترشيد التي أصابت اللغة اليوم، انظر إلى ما يكتب في الصحف والمجلات والكتب والأبحاث، لغة خالية من المعنى من التركيب، تسابق محموم نحو اللغة المفككة نحو المعلومات المتناثرة التي لا يجمعها جامع، ولا يعرف القارئ ماذا يريد الكاتب، سوى أنه أورد جملة من المعلومات يمكن الحصول عليها عبر الإنترنت، انظر إلى الباحث يعكف على جوجل شهر، فيكمل رسالة الماستر أو الدكتوراه دون إعمال للعقل، لأن ما جمعة كمية معلومات حشرها بين دفتي البحث ورمى بها في المكتبة لتكون ديكورا يكمل به فراغات رفوف المكتبة.
منذ ما يقارب ثمانية أشهر وأنا أراقب أحد الأطفال في السكن الذي أسكن فيه، أراه عند طلوعي وعند نزولي، طفل توحي صورته بالفطنة والذكاء إلا أنني لم أسمع له صوت طيلة هذه المدة، وفي الغالب يُنكس برأسه إلى الأسفل، لا ينظر حتى في وجهي، وأقول في نفسي دائما، الشيء الوحيد الذي يجعل مثل هذا الطفل بهذه الحالة هو استخدام التابلت أو الجوال بشكل مفرط ودون ترشيد عائلي، وفعلاً قبل أمس جاء مع أمه لزيارة زوجتي، فوجدته على التابلت يشاهد أفلام الكرتون والالعاب لساعات طويلة.
حتى القراء في الآونة الأخيرة طالهم الترشيد للغة، فالقارئ مهما قرأ من الكتب وهو لا يمارس ما قرأ في سياق اللغة فما يفعله هو نوعاً من الترشيد للغة، صحيح أن القراءة ربما شكلت لديه أفكارا ، لكن الشجرة التي لا تشم الهواء تذبل أوراقها وتموت، والأفكار التي لا تعيش مع اللغة فتحركها وتتحرك بها هي أفكار ذابلة ميتة لا تأتي بشيء ولا تغير شيء.
ختاماً:
في ظل التقدم التكنولوجي المحموم الذي لا يقوم على مركزية أخلاقية أو إنسانية أو تاريخية، وإنما مركزيته التقدم الذي لا نعرف إلى أين سيمضي، وفي ظل انعدام المعايير التي تراعي الإنسان ككيان مستقل عن الطبيعة، إذ لا معايير سوى المزيد من الاستهلاك والإنتاج والقوة، في ظل ذلك ربما جاء يوم لا يحتاج الفرد منا لأن يتكلم، وليس بحاجة إلى أن يستخدم اللغة، فاللغة الرقمية تحل محل كل شيء، و تشذيب وتقليم اللغة يحصل يوما بعد يوم، والاعتماد على اللغة العامية يعتبر من وسائل الترشيد، حتى إذا ما أصبحت هي اللغة المتداولة أصبحت عاجزة على أن تلبي للإنسان احتياجاته اللغوية، فهي لغة عامية لا تحكمها قواعد أو جذور لغوية، كما أن من الوسائل التي تصب في مصلحة الترشيد ما تتعرض له اللغة الأم على حساب اللغة الأجنبية، فغالبية كبيرة من الأسر اليوم خصوصا في بلاد المهجر باتت تفضل لابنائها اللغة الإنجليزية على حساب اللغة الأم، وهذا بدوره يبدأ (يحوسل) الطفل نحو الترشيد أكثر فأكثر.



قضايا وآراء
حملة فكوا الحصار عن مدينة تعز