اليمن تحتج بعد لقاء جمع الصليب الأحمر مع المبعوث الإيراني في صنعاء     مخاطر تباطؤ السعودية في حسم معركة مأرب لصالح الشرعية     مصرع عشرات الحوثيين في أعنف مواجهات بجبهات مأرب     انتصارات ساحقة للجيش في تعز والمليشيا تقصف مستشفى الثورة     وثائق جديدة حول تورط الصندوق السيادي السعودي بمقتل خاشقجي     لقاء يجمع قيادات وزارة الدفاع في مأرب لمناقشة أوضاع الحرب     لماذا تبدو معركة مأرب فاصلة (تقدير موقف)     هجوم صاروخي جديد على قاعدة عين الأسد بالعراق     المحافظ بن عديو يشارك بحفل تخرج دفعة جديدة للقوات الخاصة بشبوة     عقوبات أمريكية جديدة تستهدف اثنين من قيادات مليشيا الحوثي     العميد شعلان.. البطل الذي أرهق أحفاد الإمامة ودحر فلولها في بلق مأرب     قيادي بحزب الإصلاح: مأرب تخوض معركة اليمنيين الفاصلة     مطالبات محلية ودولية لوقف استهداف الحوثيين للنازحين في مأرب     الجيش يصد هجوم الحوثيين بنهم ويدعو الصليب الأحمر لانتشال جثث القتلى بالجوف     عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر    

السبت, 01 يونيو, 2019 11:20:42 مساءً

يحقق العالم طفرات اقتصادية نحو ترشيد الاستهلاك، بما يخدم رفع كفاءة الإنتاجية واستمرارها، إلا أنه يُخفق حينما يكون ذلك الترشيد على حساب الحياة الاجتماعية للفرد والمجتمعات، الأمر الذي يدفع نحو تنميط الحياة وتقويض الاستقلال.
 
وأنا أتأمل الجوال المحمول على سبيل المثال للترشيد والتنميط، كانت علاقاتنا الأسرية حافلة بالحضور المستمر، لا يكاد يمر عليك يوم دون أن ترى كل وجوه العائلة، تتبادل معهم الكلام والضحك والفرح، تجمعكم أصغر المناسبات، يعمنا أثر الضرر إذا ما حصل شيء في غضون دقائق، فنتفاعل معه كجسد واحد.
 
كانا إذا حصل عُرس لأحد الأصدقاء في القُرى المجاورة التي تبعد أحياناً قرابة 3 إلى 4 كيلومتر عن بعضها، يأتي الشباب مشياً على الأقدام لكي يحيوا هذه المناسبة، فتجد كل قرية لها مُمثل في هذه المناسبة من عموم قُرى المديرية، فتعم الفرحة المديرية كُبنية واحدة متماسكة، وهكذا في الأتراح نحزن جميعاً.
 
كان الأصدقاء تجمعهم الأسمار، والمثقفين تجمعهم صوالين الأدب، وطلاب المدارس والجامعات تجمهم المذاكرة سوية، كان الموظف ينسى عمله تماماً بعد أن يُكمل مهامه، ولا يلحق به العمل إلى البيت، والمغترب ينسى الغربة حتى يعود إليها، كان المغتربون في التسعينات قبل أن يصل الجوال والتلفون الثابت، يرسلوا تحاياهم وسلامهم عبر شريط مسجل بصوت المغترب، فلا نسمعه حتى يلتم كل أفراد العائلة حول المُسجل، فيبدأ بالتحية لكل فرد بالاسم، فنفرحُ إذا ما سمعنا أسمائنا ، فتنتابنا موجة فرح وسعادة لا توصف، مما يُسهل علينا حالة الفقد التي يعيشها أفراد العائلة جراء إغتراب الأب.
 
اليوم إذا سمعت عُرس في نفس القرية تكتفي بإرسال تهنئة على الواتساب، إذا مات قريب لصديقك تكتفي بإرسال تعزية منسوخة، يتداولها الجميع بشكل مُقزز، ومثيلاتها تُعمم في المناسبات والأفراح والأتراح والأعياد ويوم الجمعة الخ....
 
اليوم مجموعة في الواتساب كفيلة بأن تعمل فيها اجتماع تناقش فيها الأفكار، يلتقي فيها الأصحاب، يُذاكر فيها طلاب المدرسة، بل أن هناك مدارس باتت تُسمع للطلاب وتختبرهم عبر مجموعات واتساب يُضم فيها للأباء والطلاب والمدرسين. اليوم طلاب الدفعة تضمهم مجموعة، أبناء القرية يكتفون بمجموعة، الهيئات المؤسسات التجماعات وهلم جر.
 
في السابق كان المغترب يضطر لأن يشحن رصيد الجوال لكي يتصل لأقاربه وأهله، فيحس أن العناء وراء بذل المال والإتصال مقابل سماع أفراد العائلة الواحد تلو الآخر، يواسيه في غربته ويعزز لديه قيمة التراحم، ويجعل روابط العائلة فوق المال، اليوم بات اتصاله مُرشد حسب تواجد الأنترنت، وبات على كل الأقرباء أن يكون لديهم أنترنت، وجوال محمول، ما لم فلا لوم عليه إذا لم يتصل، كونهم لا يمتلكون أنترنت، وإذا توفر الأنترنت فرسالة مذللة بالورد والأشكال المقززة التي ربما لا يفتحها المتلقي.
 
كانت الرسالة التي تأتيني في الأعياد قبل أن تأتي الجوالات الحديثة، تبعث في نفسي الفرح، إذ كنت أعلم أن المُرسل تكلف في شحن رصيد الجوال، وقد خصني من بين جملة كبيرة من الأصدقاء، فكنت أعُد نهاية العيد الرسائل التي وصلتني، فأشعر بقيمة الود والقرب لمن خصوني بالتهنئة، أم اليوم فتأتيني مئات الرسائل على الواتساب المتشابهة والمنسوخة، والأناشيد والفيديوهات، التي اضطر أن اعمال لها نهاية العيد تحديد الكل كمقروء، ثم مسح الدرشات، من أجل مساحة التخزين في الجوال.
 
مع أننا نقر بأن الجوال سهل على الإنسان أشياءكثيرة، وفتح له نافذة يطل من خلالها على العالم والعلم، وسهل له الكثير من الأعمال، إلا أن كل ذلك كان على حساب جملة كبيرة من القيم الإنسانية والروابط الاجتماعية، إذ سعى نحو الحد من الاستقلالية الفردية، واكتحام الحياة الخاصة للفرد وتفكيكها، وتنميطها وتحجيم تفاعلها بمن حولها في المجتمع.
أصاب بالذهول حينما أركب وسائل النقل، كل راكبيها مدنيين الرؤوس فوق جوالاتهم، لا تكاد تسمع صوت، لا تواصل، لا فعل للإنسان في تلك اللحظات ينم عن إنسانيته، اللغة تموت فلا تسمع سوى صوت الآلات تخبرنا عن المحطة القادمة.
يقولون في علم الاجتماع، الإنسان كائن اجتماعي، لا وجود له خارج شبكة العلاقات الاجتماع التي تحيط به.



قضايا وآراء
غريفيث