في ذكرى سبتمبر.. القاضي الارياني ونضال الحرية (2)     ندوة فكرية بمأرب تقرأ "الحصاد المر" لـ نكبة 21 سبتمبر على اليمن     محاولات ثورية وتنويرية مهدت لثورة سبتمبر في مواجهة نظام الإمامة البائد     كتاب جديد للباحث محمد الحاج حول التاريخ اليمني القديم عبر استنطاق 60 نقشا مسنديا     كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا    

الخميس, 14 فبراير, 2019 06:04:40 مساءً


الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع السائد في مرحلة ما لما له من مضار ومفاسد ، والذي يتولد معه عدم الرضا مع التطلع إلى الأفضل، وهي بذلك تمثل ظاهرة اجتماعية تغذيه إرادة الشعب في التغيير بعد اتساع مداها في العقل الجمعي ، وهي وفق قوانين التغيير لها أسبابها ومعطياتها التي تقوم عليها.
وثورة 11 فبراير لم تكن وليدة لحظة تفلتت من ربق الزمان والمكان دون أسباب ومعطيات سابقة لها، بل كانت نتاج تراكمات من الظلم والفساد عملت على تشكيل بناها وصياغة أهدافها والتي أخذت في التولد تباعاً ، وعليه فقد كان واقع الحال وما سبقه بمظالمه ومفاسده في فترة تشكلها وما قبلها هو من دفع إلى ميلاد ثورة فبراير وتشكيل بناها وصياغة أهدافها.
وإن محاولة البعض في إلصاق ثورة فبراير بفصيل معين أو جماعة معينة بهدف محاصرتها والنيل منها وتقديمها على أنها لم تكن سوى خلاف سياسي ورغبة في تقاسم السلطة ، وهو أمر دأب عليه أصحاب الفعل المضاد من النفعيين وذوي المصالح وسدنة "السيد" والذين كانوا على صلة بالنظام السائد خلال فترة تشكل الثورة فانبرت أقلامهم وما زالت على ذلك الجهد والعمل الدأوب لتشويه صورة ثورة فبراير ، وهم في ذلك يهدفون لفصلها عن الحس الشعبي ونزع أصالتها الجماهيرية بما يجعلهم قادرين على محاصرتها و النيل منها ، مستغلين ظروف اللحظة ومآلات الحرب التي خططوا ودبروا لها بما يجعلها لصيقة بثورة فبراير معتمدين على قانون التلازم الشرطي بين الثورة ومآلات الحرب الذي يروجوا له عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ، وهو ما كان عن قصد وسبق إصرار.
وإذا ما قمنا بمقاربة لثورة 11 فبراير وقراءتها في بنيتها فسنجد أن لها صورة وشكلاً ومعنى غير ما يحاول أصحاب الفعل المضاد من النفعيين وذوي المصالح وأصحاب دعوى السلالية الصاقه بها ، فثورة فبراير كانت مدى في الإتساع تجاوز الجهوية والمناطقية والحزبية ، ولقد شاركت فيها كل القوى المدنية وعززتها كل المشارب الفكرية ، كما أنها قامت واستندت في رفع راية التغيير على كل اليمنيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ، وهو ما شكل فسيفساء متنوعة الألوان وهي بذلك متكاملة ومتناغمة الأهداف والمبادئ ، وهو ما جعلها تعبيراً أصيلاً عن الإنسان اليمني كل الإنسان بلا استثناء متجاوزة بذلك كل التقسيمات القبلية والحزبية الضيقة والتصنيفات الجهوية والفئوية.
ثورة فبراير جمعت في بناها كل مكونات المجتمع المدني بما يضفي عليها ثورة مدنية بامتياز باعتبار موكونها الجمعي ، فقد جمعت في بناها الطبيب والمعلم والمهندس ورجل القانون والصيدلي والتاجر والفلاح والرسام والنحات والممثل ، وكان الطفل له ساحته التي يلعب بها والرسام له لوحته التي يرسم عليها والمفكر يجد حلقات الحوار التي تتناقح فيها الأفكار ، والمرأة تجد المنتدى الذي يزيد وعيها بحقوقها المدنية باعتبارها نصف المجتمع لا مجرد ارث أو خادم ذليل ، وجميع هؤلاء إنما هم بناة وطن ودعاة سلم وسلام ، وجميعهم لا يعرفون شيئا من لغة القتل والسلب والتدمير الذي يطال اليمنيين الآن وليست في قاموس فعلهم ، ولقد قدموا صورة مشرقة من التضحيات والصبر وتحمل الأذى في ساحات التغيير عندما كانت تطالهم يد الجلادين صبحاً ومساءً.
ثورة فبراير انتجت في ساحاتها وفي فترة غليانها الحوارات الفكرية التي تمخض عنها وثيقة مؤتمر الحوار الوطني والتي كانت محل اجماع وتوافق بين سائر القوى المدنية في اليمن ، والتي مثلت خلاصات آمال وتطلعات الشعب اليمني ،  إضافة لما تضمنته من الحلول للكثير من المشكلات شمالاً وجنوباً ، ومع ثورة فبراير كذلك تخلقت المنظمات الشبابية المدنية التي تعمل بالفكر وللفكر ، وانتجت الدراما المعبرة عن مشاعر الحب الصادقة لليمن الكبير ، وصدحت لغة الفن بدفء المشاعر لليمن الحبيب ، ورسمت اللوحات المعبرة عن سمو ورفعة مبادئ الثورة.
ثورة فبراير كانت الزهرة والغصن والحمامة ثلاثية السلام ورمز المحبة والعطاء ، هي من ظللت على ساحاتها وزينت مداخل تلك الساحات وممراتها ، وهي كذلك من نثر أريج عطورها وفيئ ظلالها ونغمات أصواتها ، وكان الحبر هو الماء الذي ترتوي به جموع الثوار والقلم هو الكأس المدام الذي يشرب به الجميع ، كان القلم وليس زناد الكلاشنكوف هو من لازم أيدي أبناء ثورة فبراير حتى غدا بصمة يعرف من خلالها أصحابها.
ثورة فبراير لم يكن لديها مصانع للألغام ، ولم يكن لديها صواريخ قريبة المدى وبعيدة المدى ، ثورة قبراير لم تكن لديها مصانع لصناعة رصاص القتل والتي أزهقت آلاف الأرواح وخلفت الكثير من الجراحات والآلام وما زالت على ذلك الصلف الخبيث .
ثورة فبراير لم تستدعي أصحاب السلالة والكهنوت من كهوفهم بعقلية البربر الذين لا يجيدون سوى لغة القتل والتدمير ، ثورة فبراير لم تسلم معسكرات الدولة ومخازن الأسلحة بل وكل مقدرات الدولة لجموع من المليشيات تعيش بفكر ما قبل الإنسان وترتهن لمقولات يتم استدعائها من عالم الأموات .
ثورة فبراير لم تكن دعوة سلالية مقيته تتدثر برداء الدين كذباً لأغراض سياسية معتمدة على دعاوى كاذبة لا أصل لها في دين ولا يقر بها عقل إلا ما كان من هرطقة السدنة الذين أنتجتهم حوزات النجف وملازم السيد وبقايا أرث من مرض أصاب الأمة في مرحلة من مراحل تحولها ، ومع ما كان لبعض أطيافهم من حضور في الساحات كمكون فرضه واقع التفاعلات السياسية والمجتمعية لكنهم كانوا في خيمات تعزلهم صور "السيد" وملازم أخيه والتي شكلت سجناً فولاذياً على عقولهم داخل الساحات فمنعتهم من الانخراط والتفاعل مع ذلك الحراك المدني الذي كان سائدا في الساحات.
ثورة فبراير لم تكن أسرة ولا عائلة ولا جهة ولا منطقة ، بل كانت إنساناً بكل معنى الانسانية ، كانت الأمن والسلام والمحبة والوئام ، ثورة فبراير كانت صنعاء وعدن وتعز وحضرموت وإب وأبين وصعدة والمهرة وحجة والضالع والحديدة وشبوة ، ثورة فبراير كانت اليمن كل اليمن .
وقراءة ثورة فبراير ومحاكمتها لا يكون من خلال أفعال الانقلابيين أصحاب الفكر السلالي وزبانية ما كان يعرف بنظام صالح سابقاً والذين دفعوا البلد إلى الحرب وأعملوا يد القتل والتخريب في اليمن عن قصد وسوء نية للنيل من ثورة فبراير وليجعلوا منها لعنة على كل اليمنيين ، كما لا تكون محاكمة ثورة فبراير من خلال ما تكتبه أقلامهم عبر وسائل إعلامهم وشبكات التواصل الاجتماعي ، فعل القتل والتدمير والتنكيل وتفجير البيوت ودور العبادة وسرقة أقوات الناس والدفع بالبلد إلى هذا الوضع المهين ينبغي أن تنسب لفاعليها والجميع يعرفهم وشواهد الواقع تشير إليهم هذا هو منطق العقل ولغة الحق .   
لا تقرأ ثورة فبراير من خلال المدفع والكلاشنكوف والتي تعمل قتلاً وتنكيلاً في اليمنيين بيد الانقلابيين ، ولا تقرأ كذلك من خلال ملايين الألغام التي زرعتها مليشياتهم لتحصد أرواح الآلاف ، كل ذلك هم أهله وخاصته ، فلم تكن أدوات القتل تلك من العدة والعتاد الذي في ساحات ثورة فبراير بل كان الفكر والقلم هو عدتهم وعتادهم وهما مصدر الإلهام لثوار فبراير ، ولم يكن السلب والنهب هو ما تقوم به جموع الثوار بل كانت الدعوة للبناء والتعمير .
لا تقرأ ثورة فبراير من خلال ما تقوم به قوى إقليمية من تفريخ للمليشيات في المحافظات المحررة كعدن وحضرموت وشبوة ، وإعاقة استعادة سلطة الدولة ومنع الحكومة من القيام بواجباتها تجاه مواطنيها في توفير الخدمات وتثبيت الأمن ، والتي أحس معها المواطن اليمني بعدم الأمن والحرمان وضنك العيش ، ليصبح ذلك وكأنه من بناة ثورة فبراير ، وكل ذلك لم يكن من فعل ثورة فبراير بل إنه يتعارض مع مبادئها ويصطدم مع راية اليمن الكبير التي رفعتها ثورة فبراير يمن الأمن والسلام والمحبة والوئام ، ولعل الغاية واحدة بين ما تقوم به مليشيات ما يسمى بالمجلس الانتقالي وما تقوم به مليشيات الكهنوت السلالي غير أن الوسيلة مختلفة .
القراءة الحقيقية لثورة فبراير تكون في ضوء معطيات من داخلها وفي مركبها وفي ضوء أهدافها وفعلها لا من خلال فعل الانقلاب وجرائم المليشيات السلالية ، كما لا يكون من خلال لغة التجني وكيل التهم الموتورة والتي يعمل على تخريجها ونسج مسرحيتها مطابخ أصحاب الفعل المضاد وسدنة "السيد" عبر وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وهم أهلها ومروجوها ، علينا إذا ما أردنا قراءة ثورة فبراير ومحاكمتها أن نستدعي الأحداث بتاريخها وشخوصها ومن كان ورائها ومن خطط ودبر وقدر ونظر .
 علينا كذلك أن نقرأ أفعال القتل والتفجير للمنازل ودور العبادة وزراعة الألغام وتدمير مؤسسات الدولة وسرقة مقدراتها واختطاف الناس والزج بهم في السجون وابتزاز أهاليهم قرين فاعله والراعي له ، وعلينا أن نقرأ عرقلة استعادة سلطة الدولة وتعطيلها عن القيام بواجباتها في المناطق المحررة مقروناً بمن يخطط له وينفذه .
  علينا أن نقرأ كل ذلك مقروناً بيد الفاعل الحقيقي وشواهد الواقع تدلنا عليه ولا يخفى على أحد ، وأن لا ننساق وراء دعاوى الكذب والتضليل التي ما فتأت تروج في أوساطنا وتستخف بعقولنا ووعينا بنسبة ذلك كله إلى ثورة فبراير ، وهو افتراء محض لغاية مقصودة ، هذا إذا ما كان لدينا شيئاً من العقل والوعي بذواتنا وبحاضرنا وإلا نكون بذلك قد جعلنا من أنفسنا مرتعاً خصباً يعبث بعقولنا ووجداننا أصحاب المشاريع الضيقة ودعاة السلالية المقيته والطامعين في أرضنا وترابنا ، ونكون بذلك قد فرطنا بكرامة إنسانيتنا وطعنا مجد اليمن الكبير في مقتل وهو ما لا يرضاه ذو عقل وصاحب كرامه ويأباه كل يمني أصيل .     
 


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة