الجمعة, 04 يناير, 2019 07:31:14 مساءً

 

يقول تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا)

1ــ الآية الكريمة تقرر وقوع الرجس في آل البيت ابتداء، تقرير جزم، باعتبار النص هنا قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، إذ لا مبرر لانصراف تأويل "الرجس" هنا إلى معنى آخر، إذا ما أراد أحد صرفه، لانتفاء القرينة، سواء القرينة اللفظية أو المعنوية، لأن القرينة من المجاز، ولا مجاز هنا؛ علما أن هناك من الفقهاء من نفى المجاز ابتداء، وإن كان هذا الرأي لا يعتد به. ولسنا في وارد مناقشته الآن. ثم إن دلالة الخطاب من حيث الزمن دلالة مستقبلية، لا ماضوية، أي أن الفعل غير متحقق حتى الآن. وبشكل عام فإن المعنى هنا يشبه قول الطبيب للمريض: "أريد أن أعالجك" فالطبيب قد أثبت المرض في المخاطّب؛ لأنه لا علاج إلا لمريض أصلا.

2ــ الآية تقرر أيضا إرادة الله "تطهير" آل البيت، ولا شك أن التطهير هنا معنوي لا حسي، حسب السياق والدلالة. ولا تطهير إلا من نجاسة، ولا شك أن النجاسة أيضا معنوية لا حسية.

3ــ مطلع الآية مؤكد بتوكيدين لفظيين، والتوكيد من المعاني البلاغية التي تزيد المعنى تقريرا وثبوتا، وهي مما يسمى بالزوائد التامة في علم النحو، إلا أن علماء النحو الغزير "علم المعاني" يقررون أنها زائدة لفظا، تامة معنى، وهذه التوكيدات هي: "إنَّ" و "ما" "الكافة والمكفوفة" متبوعتَين بلام "التعليل" "ليذهب" وبالتوكيد المعنوي، وهو جملة: "يطهركم تطهيرا". وحتى إذا ما اعتبرنا هذه الحروف حروف "مباني" كما يرى ذلك النحويون" فإن أهل اللغة يقررون أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى. ومن أي وجه أتينا فالمعنى لا يعدو ما ذكرنا؛ بل يؤكده ويقرره.

4ــ لفظة "يريد" من "الإرادة" والإرادة غير المشيئة، وقد جرى كلام كثير وطويل بشأن التفريق بين الإرادة والمشيئة، وبطبيعة الحال فإن الإرادة لا تستلزم وقوع المراد، كما هو ثابت عند المناطقة. وكما تقرر بقية الآيات في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ). إذ مما لا شك فيه أن الله يريد للناس الإسلام جميعا، لكن ذلك ما لم يكن على الواقع العلمي، ونحن نرى أن أغلب أهل الأرض غير مسلمين.

وأيضا قوله تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). فالإرادة هنا مفصولة عن المشيئة، لأن الفعل لم يتحقق.

 ولعل أقرب حمل لمعنى الإرادة هنا في الآيتين الكريمتين، وفي الآية التي قبلهما: هو معنى "المحبة" كقول المعلم لتلميذه: أريد لك النجاح، أي أحب لك النجاح. وكون محبة المعلم لتلميذه النجاح غير مستلزمة إنجاحه على أية حال؛ إنما ذلك عائد إلى اجتهاد الطالب ومثابرته. بمعنى أكثر وضوحا أن نجاح الطالب غير متحقق بإرادة معلمه أبدا.

ومثل هذا إرادة الله تعالى من إبليس "السجود" لآدم حين خلقه، لكن مشيئته الإلهية لم تقتض ذلك؛ لأن فعل المشيئة متعلق بالطرف الآخر هنا "إبليس" مثلما فعل النجاح متعلق بالطالب. ومثلهما معا فعل التطهير متعلق بمسمى "آل البيت".

وقد قسم الفقهاء الإرادة إلى إرادة شرعية، وإرادة كونية. ولسنا في وارد تفصيل وتفريع تلك التقسيمات، فتعاطينا مع النص حاليا تعاطٍ منطقي تجريدي، يتناول المعنى والدلالة معا، علما أن الدلالة غير المعنى، كما تقرر نظرية النظم للجرجاني.



انتصار البيضاء