مناطق نفوذ الحوثيين. موسم البسط على أموال الأوقاف مستمر     لماذا يستهدف الحوثيون المغنيين في الأعراس؟!     رئيس حزب الإصلاح في أقوى تصريح من نوعه حول اتفاق الرياض     محافظ شبوة يلتقي مندوب بنك الكريمي ويعد بفتح فروع جديدة للبنك     فساد المنظمات وخدش كرامة اليمنيين     الإمارات وما هو أخطر من التطبيع مع اسرائيل     نواب في الكونجرس الأمريكي يوقفون صفقة سلاح للإمارات بسبب تسربها للإرهابيين     صراعات النفوذ والثروة بصنعاء.. نار تحت الرماد     محاولات سعودية في الوقت الضائع لتصنيف مليشيا الحوثي منظمة إرهابية     المهمشون.. معضلة دونية عمرها تسعة قرون     السعودية والإخوان.. علاقة السيف والنخلة (تحليل)     مليشيا الحوثي تعترف بمصرع 170 ضابطا بمواجهات مع الجيش الوطني بمأرب     مسؤول حكومي يسخر من تصريحات المرتضى حول الأسرى والمختطفين     حزب الإصلاح يأسف للتناولات الإعلامية حول أحداث مستشفى الروضة بتعز     تعرف على تفاصيل مهمة عن حقيقة تنظيم داعش في اليمن    

السبت, 22 ديسمبر, 2018 02:54:56 مساءً

القراءة في اللغة وما يتصل بها لذة لا يجدها من لم يعتد قراءتها ولم يتذوق أسرارها ويرى أصدافها المكنونة. لا عدو لهذه الفكرة كالجهل بها. ولا غرو فالجهل وحراسته سد منيع يحول بينك وبين الإحساس بلذة العلم بله فلسفته. علينا هنا التنبه إلى أن الأسئلة في ميدان العلم تجريبية وقد تقبل إجابات نهائية، لكن أسئلة فلسفة العلم لا نهائية وكل سؤال يقودك إلى آخر حتى تتركك الأسئلة نهبا للظنون والحدوس.
ومع أني أشتغل في اللسانيات النصية وتحليل الخطاب فإني تستهويني معالجة علمائنا القدماء لمسائل النحو والصرف بدقة متناهية فيها إعمال للنظر وإجالة للفكر ومكابدة وصبر شديدين تجعلك تقف مندهشا لهذه الصناعة.
صحيح أن هذا النوع من النقاش لا علاقة كبيرة له بتذوق اللغة إلا أنها تقدح زناد التفكير وتحرض العقل وتنميه.
فيما يأتي مثال للتعامل مع مسائل الصرف لدى علمائنا القدماء، مسألة تتعلق بالاشتقاق والوزن، وحديثنا عن مفردة مدينة، ودعونا نصوغ السؤال على هذا النحو: ما مادتها الخام وما وزنها؟
هنا تتلاقح الفهوم والأفكار ويشتغل العقل، فمدينة اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:
قال بعضهم إن وزنها (مفعولة) (قبل الإعلال) من دان يدين إذا أطاع فكأن أهل المدينة أطاعوا رئيسها، أصلها مديونة، استثقلوا الضم على الياء وبعدها واو فحذفوها فالتقى ساكنان الياء والواو، فحذفوا الواو لالتقاء الساكنين، وكسروا ما قبل الياء فصار اللفظ إلى مدينة، مثل منيعة ومريشة ومعيشة، ووزنها حينئذ مفْعِلة وجمعها مداين غير مهموزة على مفاعل. وذهب فريق إلى أن أصلها (د ي ن) من قولهم: دِيْنَ أي مُلِكَ، فيكون وزنها - حينئذ (مفعلة) وهي في الأصل (مدْيِنة) فنقلت كسرة الياء إلى الدال. وعلى هذا الرأي يكون من قال في الجمع: (مدائن) و (مدن) حملها على توهم أصالة الميم، فأجراها مجرى (فعيلة) كـ (صحيفة) و (صحائف) و(صحف). وقد أشار إليه ابن دريد والجوهري. ويبدو أن الخلاف في هذين الرأيين لفظي لأن دان له الناس أي خضعوا وأطاعوه ودين أي مُلِك معناهما واحد ومادتهما نفسها.
وقال بعضهم إنها من مدن أي أقام بالمكان فهو مادن وهذا الفعل (مدن) ذكر ابن دريد أنه فعل ممات فالميم فيها أصلية ووزنها فعيلة، واستدلوا بأن جمعها مدائن على وزن فعائل، مثل قبيلة وقبائل، وكان ابن بري يستدل على صحة هذا الأصل بقولهم في الجمع (مدن) كقولهم (صحف) في صحيفة. وقال الجوهري: وَجَمْعُهَا (مَدَائِنُ) بِالْهَمْزَةِ وَ (مُدْنٌ) و(مُدُنٌ) مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا. واستدل السمين على صحة هذا الأصل - كذلك - بإجماع القراء على همز (المدائن) كصحيفة وصحائف وسفينة وسفائن، فلو كانت (مفعلة) لم تهمز كـ (معيشة) و (معايش).
وإذا كانت من دان أو دين فالنسبة إليها: مديني، والذين جعلوا ميم (مدينة) أصلًا وجعلوه فعيلة قالوا في النسبة: مدني.
هذا، وقد ترد مدينة بمعنى آخر من دانه دينا أي جازاه. كقوله تعالى: "إنا لمدينون"، أي مجزيون محاسبون. أو بمعنى دانه دينا أي أذله واستعبده. يقال: دنته فدان، وحينئذ فمدينة وزنها مفْعِلة لا غير (فلانة مدينة) أي مجزية أو مستعبدة. ونقول: هذه المدينة مدينة لأهلها... مدينة الأولى على الخلاف الذي فصلنا قبلًا، والثانية مفعلة لا غير. والله أعلم.
وقد تكون ثمة كلمتان ظاهرهما واحد في عدد الحروف وترتيبها والحركات والسكنات إلا أن مادتهما الخام مختلفتان ووزنهما مختلف أيضًا، ومن ذلك، لفظ آنية: آنية جمع إناء كوعاء أوعية لفظا ومعنى ووزنا، وزنها أفعلة والأصل أأنية بهمزتين الأولى مزيدة للجمع والثانية أصلية ساكنة (فاء الكلمة) قلبت ألفا وجوبا (متى اجتمعت همزتان ثانيتهما ساكنة وجب إبدالها من جنس حركة ما قبلها)، وآنية بمعنى حارة جمع أنى مثل على (فَعَل) ووزنها فاعلة، ومذكرها آن (ي) بوزن فاعل، وورد مذكرا في قوله تعالى "وبين حميم آن".
هذا نموذج للتفكير العقلي العربي في مادة الصرف، يكشف لنا عن قدرة عقلية كبيرة وعن أسرار صرفية اشتقاقية لم تكن أوزانها اعتباطية بل بالنظر إلى البناء الداخلي العميق للكلمة، وهذا البناء العميق بسببه تتغير دلالات الألفاظ في بنية السطح.
 
 


تصويت

السعودية ستدخل في حوار مباشر مع الحوثيين قريبا بعيدا عن الشرعية
  نعم
  لا
  لا أعرف


قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ