ديمقراطية تونس في خطر     استشهاد ثلاثة مدنيين بقذيفة لمليشيا الحوثي على حي سكني شرق مدينة تعز     ضبط خلايا إرهابية تابعة لمليشيا الحوثي في أربع محافظات     مليشيا الحوثي تستأنف الهجوم على الحدود السعودية     يوم فني في تعز على سفوح قلعتها العريقة     محافظ مأرب يشيد بالوحدات الأمنية ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار     مسلح حوثي يقتل والديه وهما صائمين بسبب رفضهم انضمامه لصفوف المليشيا     الفطرية في شخصية العلامة محمد بن اسماعيل العمراني     الموت البطيء في سجون الإمارات بعدن.. صحفي يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب     تفاصيل انهيار جبهة الزاهر بالبيضاء ومن أين جاءت الخيانة؟!     تخرج وحدات أمنية من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة أبين     القاضي محمد بن إسماعيل العمراني.. مئة عام من الفقه والتعليم     السلالية.. العنف والتمييز العنصري     الملك سلمان يلتقي سلطان عمان والإعلان عن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين     مسؤول في الجيش: المعركة مستمرة في البيضاء ومأرب والجوف بإشراف وزارة الدفاع    

السبت, 29 سبتمبر, 2018 12:56:01 صباحاً


من يَتتبّع علاقة الفقهاء مع ثلاث فئات أخرى يجد أن علاقتهم معها ــ في غالبها ــ غير إيجابية. وهي فئات: الساسة، الأدباء والشعراء، الفلاسفة. فما حقيقة التباين والصراع بين الفقهاء وهذه الثلاث الفئات تاريخيا؟
نقول ــ والله أعلم ــ: أولا فيما يتعلق بالفئة الأولى "الساسة" ثمة خطان متمايزان في مسيرة الفقيه مع السياسي، وكل منهما على طرف نقيض مع الآخر. الأول: الفقيه المتماهي مع "السياسي" بالحق والباطل "فقيه البلاط" وهذا مفروغ منه الحديث هنا؛ أما الثاني فالفقيه المناوئ للسياسي، والمبتعد عنه، إلى حد اعتبار الاقتراب من الحاكم/ الخليفة/ الإمام مثلبة تقدح في دين الحاكم وفي عدالته، وشواهد التاريخ في ذلك كثيرة. وهذا الموقف يكاد يكون معادلا موضوعيا لفقيه البلاط الآخر، وبالتالي نستطيع القول أن علاقة الفقيه بالسياسي، متأرجحة بين موقفين أو حالتين بين الاقتراب حد التماهي، والابتعاد حد القطيعة.
أما فيما يتعلق بعلاقة الفقيه بالأديب أو الشاعر، بما هو حالة ثقافية، ففي غالبها سلبية، لذا لطالما تعرض كثير من الشعراء والأدباء للتكفير والتفسيق والتبديع من قبل الفقهاء، ونادرا من رضوا عنه أو تصالحوا معه، في القديم والحديث.
وفيما يتعلق بالفئة الثالثة "الفلاسفة" فهي الأكثر سوءا أيضا. ومن يتتبع علاقة الفقيه بالفيلسوف يجد أن الفقهاء لم يرضوا عن فيلسوف قط، لا من فلاسفة الإسلام ولا من غيرهم، فكما الأديب أو الشاعر في نظر الفقيه زنديق أو فاسق، فإن الفيلسوف كذلك في نظره ملحد أو مبتدع أو زنديق أو مارق، وحقه ــ كالشاعر ــ القتل أو السجن والاستتابة في أحسن الأحوال.
إلى جانب الساسة، الأدباء والشعراء، الفلاسفة، أيضا الصوفيون في نظر الفقهاء مشعبذون ممخرقون مبتدعة، خرافيون، والحق أن بعضهم كذلك، فيما البعض الآخر ليسوا كذلك. وشواهد التاريخ أكثر من أن تُحصى أو تستقصى. وقد أفرد الحبشي كتابا خاصا عن العلاقة بين الفقهاء والصوفية عبر الزمن.
ولن نتكلم عن الآخر من غير المسلمين في نظر الفقهاء، وحقه القتل أو النفي أو السجن غالبا، في جدلية تاريخية تعددت آراؤها بتعدد الفقهاء أنفسهم..
هذه الصورة العامة لعلاقة الفقيه بغيره من الساسة/ الأدباء/ الفلاسفة/ الصوفيون/ الآخرون من غيرهم بشكل عام. فما الدوافع التي جعلت الفقيه ينحو هذا المنحى، في برجه العاجي يصدر أحكامه على الأمة وكأنه رقيب وعتيد؟!
والواقع أن هذه لازمة تاريخية من لوازم رجال الدين أجمعهم في اليهودية والمسيحية قبل الإسلام، تأثر بها كثير من فقهاء المسلمين برجال الدين الكنسي "الأحبار والرهبان". وكما اتهم رجال الدين الكنسي من الأحبار والرهبان غيرهم بأنهم مجدفون وهراطقة، فقد مارس كثير من رجال الدين المسلمين ذاتَ التهمة أيضا المستنيرين من الأدباء والمثقفين والفلاسفة المسلمين: زنادقة، مبتدعة، مشعبذون، كفرة.. إلخ. وكأن هذه من تلك..!
العجيب أن رجل الدين وهو يتعامل مع المجتمع يستبطن "لا شعوريا" حالة من التأله في عقله الباطن، والتي تنعكس سلوكيا في بعض تصرفاته، فيرى في الآخرين أنهم أعداء الدين، وأنهم فسقة وجاهلون، فيما هو الوحيد "حارس المعبد" الذي يجب أن يقيم ويقوّم سلوك الناس في كل شاردة وواردة وإن كانوا أرفع منه، معتقدا أن من ينتقده ينتقد الدين، ومن يعارضه يعارض الدين..!
لقد وقف الفيلسوف العربي ابن خلدون أمام هذه الظاهرة منذ زمن فقال عن العلماء "الفقهاء": ".. إن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها، والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة، ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس.. وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي، فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن، ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر ولا تصير بالجملة إلى المطابقة.."


قضايا وآراء
انتصار البيضاء