كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا     حسابات التحالف في معركة مأرب     الإعلان عن تشكيل مجلس تربوي بمأرب يضم عددا من مدراء مكاتب التربية بالجمهورية     أبوظبي في اليمن.. الإعلام والمساعدات للتغطية على الجرائم والأطماع     اختطافات بصنعاء تطال 30 ناشطا من المتضامنين مع عبدالله الأغبري    

الخميس, 07 سبتمبر, 2017 08:52:32 صباحاً

عبدالقوي القدسي
من ثنايا حروفها تُلهم العزة، وفي رباها ترضع كل معاني الأنفة والرجولة، وفي سهولها تلتمس البساطة، وبين أروقة جامعاتها، وجوامعها، ومدارسها تجد كنوز المعرفة، وترتشف العلم والثقافة.
إن شئت أن تبحث عن الثقافة ففي تعز تجد حاجتك، وإن أردت عبق التاريخ فتجوَّل في أزقتها، وإن أردت معرفة معنى التعايش والسلام فأبناؤها بسلوكهم يعلمونك قواعدها وأسسها.
عاصمة اليمن الثقافية، تحتضن بشموخها جبل "صبر" الذي يبلغ ارتفاعه(٣٠٠٠) ثلاثة آلاف متر.
هي أكبر محافظة يمنية من حيث عدد السكان حيث يشكل سكانها(١٢.٢٪) من سكان الجمهورية البالغ عددهم نحو (٢٤٤٥٩٠١٦) نسمة، على مساحة تقدر بـ (١٠٣٢١كم مربعاً).وهي تساوي تقريباً مساحة دولة "قطر" أو "لبنان" وتفوق مساحات بعض الدويلات في المنطقة.
بلغت أوج مجدها عندما كانت عاصمة للدولة الرسولية(١٢٢٩-١٤٥٤م).وبسطت الدولة الرسولية نفوذها على كامل التراب اليمني، وتجاوز ملكها حدود السعيدة ، وأصبحت تعز بعد انسحاب العثمانيين عاصمة للدولة المتوكلية، ومنها اندلعت ثورة ١٩٥٥ ضد حكم الإمام أحمد حميد الدين، وتفجّرت من تعز أيضاً ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة (١٩٦٢م ).
تحتضن "تعز" مسجد الصحابي معاذ بن جبل في (الجٙنٙد)، وعبْر ميناء المخاء يتصل أبناؤها بالعالم ، وتُطل من أعلى قممها على عدن.
تعز ليست تلك المساحة الجغرافية من الأرض فحسب، بل إنها، وبكوادرها تمتد على طول البلاد، وعرضها فأينما يمّمت وجهك شطر جزء من الوطن، وجدتَ لأهل تعز ممثلاً.
إنها ،بكوادرها وأبنائها تمثل اليمن في جامعات العالم، وأسواقها التجارية، ومنتدياتها الثقافية، ومنابرها العلمية، والعملية .
انطلقت شرارة ثورة فبراير(٢٠١١) من تعز ؛ لتعيد ثورة سبتمبر(١٩٦٢ ) إلى مسارها؛ ولترسخ أهداف ثورة أكتوبر(١٩٦٣)؛ ولتعزز وحدة مايو (١٩٩٠م).
انطلقت في تعز ثورة ضد نظام صالح، وقاد أبناؤها ضد ذلك النظام تلك الثورة في معظم محافظات الجمهورية .
إن شعار "السلمية " ماركة مسجلة لأبناء تعز، وما المسيرة الراجلة (ديسمبر ٢٠١١) التي انطلقت من ساحة الحرية بتعز حتى وصلت إلى ساحة التغيير بصنعاء مروراً بإب وذمار إلا دليلاً عملياً على عظمة أبناء هذه المحافظة الفتية، وسلميتهم.
احتفلت تعز بنجاح الثورة، وانطلقت كوادرها في كل مرافق الدولة يحاولون البناء والتعمير، بما يمتلكون من علم وتجربة، جنباً إلى جنب مع إخوانهم في سائر محافظات الجمهورية.
ما كادت الأوضاع لتستقر حتى عادت الأخطار مهددة الوحدة والجمهورية، ووصل "تسونامي الحوثي" إلى مداخل المدينة الحالمة ،فأبت إلا أن تلقّن "الغزاة" دروساً في الحرب كما لقنتهم قبل ذلك دروساً في السلمية، فلم ترفع "تعز" الراية البيضاء كسائر المحافظات، ولم تَلِن لأبنائها قناة، بل وضعوا اقلامهم جانباً وحملوا بأيديهم ما استطاعوا من سلاح ، ونزل إلى ميدان المعركة الطبيب، والمهندس والمعلم، وأبناء الريف والحضٙر، فما استطاع الحوثي أن يخترق بجحافله إرادة أبطال تعز، وخسرت رهانات صالح بقدرته على احتلال المدينة بمجموعة من الأطقم العسكرية؛ استهانة بتعز وثقة منه بسلمية أبنائها.
استطاعت تعز الصمود رغم الحصار المطبق عليها من كل الجهات، وتم طرد الحوثي وعفاش من المدينة فاختاروا خنقها من خارجها، ومحاولة تركيع أهلها، وهيهات أن يساوم الحر بلقمة تسد جوعته مقابل عبودية تمتهن كرامته!!
بصمود تعز صمدت الجمهورية، وعلى صخرة تعز تحطمت أحلام الحوثية، وبذلك اختارت تعز لنفسها الشرف، وقدّمت التضحيات، وعضت على جروحها والآلام، وواصلت الليل بالنهار ؛ لتحرس الجمهورية؛ ولتحقق أهداف الثورة.
قدمت تعز التضحيات ولا تزال، وانتظرت قوات الشرعية على الابواب، لكن تلك القوات اكتفت بتحرير جيرانها من عدن حتى لحج، فالضالع، وتوقف الزحف.
وقعت "تعز" بين مطرقة الحوثي وسندان الشرعية، فالأول يرى فيها العدو اللدود فكرياً وسياسياً، والآخر مُكبّل بحسٙابات دولة الإمارات .
تعز حاضنة لأبنائها بمختلف توجهاتهم، ولم تكن يوماً حاضنة لجماعة بعينها كما تدعي ذلك بعض قوى التحالف، واتكأت على هذا الإدعاء، وعلى تقارير مرفوعة من بعض الأقزام المحسوبين عليها في خنق مدينة العزة، ومحاصرتها.
يراد لتعز اليوم أن تتحول إلى ساحة مليشيا متقاتلة لقتل فكرة الجمهورية، ويراد إخضاع أبنائها لتحقيق الأجندة الخارجية .
تعز تدفع الثمن؛ لرفعها علم الجمهورية. تدفع الثمن لمناداتها بالديمقراطية، والحفاظ على الوحدة والجمهورية .تدفع الثمن ولا تسأل عليه مقابلاً أو أجراً من أحد.
لم تطالب "أيقونة الثورة" يوماً بالاستقلال، ولم ترفع للطائفية أي شعار ، ولم تطالب بمظلومية تخصها، بل سعت لنسف معاقل الظلم، وتخليص كل أبناء الوطن منه أينما كان.
الذين باعوا أنفسهم للشيطان من أبنائها لا يعبرون عن شموخ وكبرياء تعز ، وإنما يعبرون عن نفوسهم المأزومة المهزومة، واما بعض مكونات المقاومة التي ترهن قرارها بالخارج ستعود يوماً إلى رشدها، وسيتحرك في دمها كبرياء تعز وإباء أهلها.
أنظار اليمنيين تتجه إلى تعز ،بل لا نكون مبالغين عندما نقول بأن أنظار العالم تتجه إليها،فحسم المعركة فيها هو حسم لمعركة اليمن برمتها .
يكفي مدينة تعز فخراً أنه بمجرد سماع "تعز" فإن صورة اليمن السعيد ترتسم مباشرة في المخيلة، ومعاني التفاؤل والأمل تظهر على المحيّا.
لا بد أن تكون جميع مكونات "الحالمة" لحمة واحدة، ليكونوا على قدر المسئولية، متجاوزين كل ما يعكر صفو وحدة الصف من خلاف على قضايا هامشية أو مكاسب دونيّة.
لن يكون لتعز تأثير في رسم مستقبل اليمن ما لم يكن أبناؤها على قدر كبير من النضج الذي يؤهلهم لتجاوز كل خلافاتهم ،والتركيز على مشروع اليمن الجديد، ولن تكون تعز بالفعل "أيقونة الثورة " ما لم تصل بالثورة إلى غايتها وتحقيق كل أهدافها.


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة