الثلاثاء, 10 فبراير, 2015 08:44:57 مساءً

في القرن التاسع عشر الميلادي كان الروس قد عزموا على سلخ مملكة القوقاز من جسد إيران. ولتسهيل هذه المهمة كان لا بد من إشغال الإيرانيين بأنفسهم، فما الذي تستطيع المخابرات الروسية فعله في هذا الشأن يا ترى؟!. من هنا تبدأ حكاية الديانة البابية والبهائية، كما يرويها رجل المخابرات الروسي "كنياز دالفوركي" في مذكراته التي نشرها بجريدة الشرق السوفيتية، الصادرة عن الخارجية الروسية آنذاك، بعد نجاح العملية!.
دخل كنياز إلى طهران ليعمل مترجماً بالسفارة الروسية، وهناك قدم من الخدمات لروسيا ما استحق عليه الترقية إلى وزير مفوض ثم إلى سفير. كان هدف العملية هو البحث عن "الزائفين في العقائد الإسلامية" - كما وصفهم - لإعادة تدويرهم في مهام جديدة. وكانت المهمة تقتضي الاندماج في الأوساط الشعبية اندماجاً سهلاً يمكنه من تحصيل البيانات ثم البناء عليها. وكانت الطريقة المناسبة لذلك هي إعلان إسلامه، فأطلق على نفسه اسم الشيخ "عيسى"، وأطلق لحيته إلى منتهاها، وأظهر من التدين ما يكفي لجعله إماماً يقتدى به!.
كانت إيران حينها قد شهدت ظهور جماعة شيعية جديدة أطلق عليها اسم الشيخية نسبة إلى شخص يدعى الشيخ أحمد الإحسائي، الذي كان مغالياً في التشيع، حتى زعم أن الإمام علي وأبنائه هم المظاهر التي يتجلى فيها الله، وأن اللوح المحفوظ هو قلب الإمام. إلا أن أبرز مقولاته التي ميزته عن غيره هي زعمه أن الإمام المهدي حقيقة روحية لا جسدية، وأن هذه الروح قد تتلبس أي شخص مناسب لها حتى لو كان من غير نسل الأئمة. وزعم أن روح المهدي قد حلت فيه!. لكنه توفي قبل أن يحقق مهام المهدي المنصوص عليها في البروتوكولات الشيعية. وقد خلفه على الجماعة رجل يدعى كاظم الرشتي، الذي أسس جماعة تنتسب إليه. ويعتقد بعض الباحثين أن الرشتي هذا قسيس مسيحي أدعى الإسلام للقيام بدور ما. فقد زاد الرشتي إلى غلو الجماعة غلواً جديداً، وفي مجالسه التقى الجاسوس الروسي بـ"علي محمد الشيرازي"، مؤسس الفرقة البابية.
كانت الشيخية والرشتية قد ألهبتا مشاعر الناس في إيران بقرب ظهور المهدي، بعد أن فتحت أفقاً جديداً في فكرة المهدي يجعل الناس يترقبون حضوره في أي شخص بينهم. وهذا هو الميدان المناسب لعمل المخابرات الروسية بالطبع. حيث يذكر كنياز في مذكراته كيف أنه ظل يتفرس في وجوه طلبة الرشتي لعله يكتشف ملامح البطل المناسب للقيام بدور المنتظر. وقد استقرت عيناه اللماحتان على الشاب الوسيم علي محمد الشيرازي، مؤسس فرقة البابية. وهكذا ذهب الشيخ الوقور عيسى (كنياز) يقذف في روع هذا الشاب أنه الشخص المقصود، وأن جميع علامات المهدوية متوفرة فيه. واستعان على إقناعه بالمقربين منه، وفي مقدمتهم خاله، وانتهت العملية بنجاح كبير، وأصبح لدينا فرقة كبيرة تدعى البابية، تفرعت عنها البهائية، شغلتا إيران بنفسها وأحدثتا صدعاً خطيراً داخل المجتمع الإيراني، وسجل التاريخ الدور الروسي في دعم هاتين الفرقتين بصورة لا تقبل الشك.
لم تكن هذه هي الحالة الوحيدة التي تفرخ فيها المخابرات جماعة دينية تقدم خدمات جليلة لصالح العدو، فقد حدث هذا مراراً في التاريخ الحديث. ومن أنصع الأمثلة المعروفة على ذلك جماعة الأحمدية القاديانية التي ظهرت أيام الاحتلال البريطاني للهند. وهي الجماعة التي أفتي زعيمها بحرمة قتال الإنجليز وضرورة التعامل مع ملكتهم باعتبارها ولي الأمر الواجبة طاعته!. وقد التقيت بابن أخت مؤسس القاديانية قبل عامين تقريباً، وعلمت أنه يعيش في بريطانيا ويحمل الجنسية الإنجليزية هو وجميع أسرته. وجرى بيننا نقاش حول مفهوم النبوة التي يدعيها خاله، وحول علاقتهم بالإنجليز. ومما قلته له: إن الخوض في هذه التفاصيل الدينية يحتاج إلى معرفة دقيقة بلغة القرآن في الموضوع، ولا أظن أن خالك أو غيره من سكان الهند يمتلك هذه الميزة!.
المهم أن أجهزة المخابرات الحديثة قد أضافت إلى مجالات عملها التقليدية مجالاً جديداً يمكننا تسميته "مجال تصميم الجماعات الدينية والإرهابية". ومن المنطقي أن لا يظهر المصمم الحقيقي لهذه الأعمال بوضوح، لكن من غير المستحيل الاستدلال على وجوده من خلال تتبع القرائن الدالة عليه، تماماً مثلما يمكن تتبع القرائن الدالة على طبيعة مخرج المسرحية والمسلسل الدرامي القابعين في كواليس العمل الفني. ولعل من المناسب أن أختم بهذه القصة القصيرة التي رواها لي صديق أثق فيه، كان أحد اليمنيين الذين اعتنقوا المذهب الاثني عشري في السنوات الماضية، وكانت له علاقة وطيدة بشخصيات إيرانية عديدة في الحوزات الإيرانية وخارجها، منها الشخص المسئول عن ملف دولة عربية ما في الحرس الثوري!.
يقول هذا الصديق: بعد حوار مع هذا المسئول الإيراني المعمم، تبين لي أنه ملحد، مع أنه يظهر في زي العلماء. ولما سألته عن الجبة والعمامة ما شأنهما؟!، أجابني: هذه عدة الشغل!.. لقد كانت إجابة صادمة وقاسية لصديقي، شعر بوقعها المسئول الإيراني فأردف قائلاً: أنظر يا فلان، لا إيران يعنيها الإمام علي ولا السعودية يعنيها معاوية، الجميع يعمل من أجل مصلحة بلده وسلطته فقط. نحن في إيران لدينا هدف واحد هو أن تسود إيران في المنطقة تحت أي ذريعة كانت!.. ويا لها من حقيقة واضحة كالشمس، لولا أن الله قد خلق للوهم رجالاً كما خلق للحق رجال. وها هو صديقي اليوم يتذكر هذا الموقف وأشباهه بأسى، بعد أن غادر المذهب الإيراني إلى مذهب آخر قريب، وصار متفرغاً لمساعدة الناس في قريته وعشيرته على مشاريع تنموية تنفعهم في الدنيا ولا تضرهم في الآخرة!.
إن حقيقة ما تقوم به أجهزة المخابرات والمنظمات الدولية السرية، في مجال الثقافة والفكر وتصميم الجماعات، لم يعد خافياً على أي مثقف بسيط، غير أن هذه الحقيقة لا تضيف شيئاً لدى الكثير منهم حتى لو مشت أمامهم عارية، ذلك أن ما تفعله هذه الأجهزة مقبول لديهم، ومرحب به، لدواع أنانية ضيقة. والذي يقع في المصيدة هو ذلك الأمي البسيط وشبه الأمي المتعلم. وهذان لا جدوى من إطلاعهما على الحقيقة لأن حدودهما العقلية أبعد من حدود المنطق والمعرفة. وإذا ما انكشف لهم الأمر في يوم ما سيكون الوقت قد فات، والثعلب أنجز "السبع لفات"، وقانون المخابرات لا يحمي المغفلين. والنتيجة هي المزيد من القلاقل الاجتماعية، وذهاب الاستقرار، ومن ورائه التنمية والحياة الكريمة.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء