السبت, 07 فبراير, 2015 12:46:36 صباحاً

ظللت كغيري من السياسيين والمحللين أتابع باهتمام الإعلان الدستوري وما سينتج عنه، وتبين لي امر مختلف تماماً، ولكن قبل أن أصل بكم إلى الاستنتاج الذي خلصت إليه دعونا نستعرض الدراما من بدايتها.
1- حشد للاجتماع بعض الأفراد القبليين والاعلاميين في القصر الجمهوري، وفي ما يشبه الاحتفال الكرنفالي ظهر إعلامي موظف في قناة اليمن الفضائية يتلو مفردات الاعلان الدستوري!
2- إعلان دستوري لكنه يحتفظ بالعمل بالدستور السابق، وفي عرف الاعلانات الدستورية انها تعلق العمل بالدساتير والقوانين النافذة لمدة أشهر محدودة هي فترة الانتقال المحكومة بالإعلان الدستوري المؤقت، ورغم ذلك يلغي البرلمان كمؤسسة شرعية قائمة على الدستور السابق! وهذا تناقض ثنائي كبير ينقض قانونياً الاعلان بكامله.
3- تحدث الاعلان عن مجلس وطني مكون من 551 عضواً ومجلس رئاسي من خمسة أعضاء ينتخبه المجلس الوطني، ولكنه منح المليشيات التي تسمى اللجان الثورية حق تشكيل المجلس الوطني، وهذا مخالف لعرف الانقلابات لأن هذه التشكيلة تتطلب شرعية شعبية للمجلس الوطني، وهو ما أسند للجان الثورية، أي أنه عبارة عن مجلس للمليشيات يضاف إلى البرلمان الذي فتح لأعضائه باب خلفي للعودة، وهذا يوحي بصيغة اتفاقية أو توافقية بين صالح والحوثيين إن مرر الاعلان.
4- وفي عرف الانقلابات جميعها يحدث أن يقوم بالانقلاب بعض مؤسسات الدولة أو جزء منها وتحديداً الجيش والأمن، فأدوات الانقلاب العسكري ليست مليشيات مسلحة لا صفة لها وإنما ضباط يستطيعون تسيير الدولة عبر أدواتها الخشة.
5- لم يحدث ولن يحدث أيضاً ان مليشيات ليس لها أدنى صفة شرعية ولا رسمية تقدم على إعلان دستوري، وفي حال حدث ذلك فهو بمثابة إعلان الحرب الأهلية لأن المليشيات لا تمتلك أي صفة للالتزام  ولا للإلزام، وإذن فغن إعلانها يفتح كل أبواب الحرب الأهلية والطائفية والجهوية والمناطقية.
 ولأن المليشيات لا تمثل الشعب بقدر ما تعبر عن مصالح عصابة معينة فإنها بإعلانها الدستوري تدفع البلاد إلى تقسيمات وتفككات واسعة لأنها تسن لغيرها سنة إعلان دولة تحت الضغط والاكراه، وإذن فكل مجموعة تمتلك السلاح والمقاتلين بإمكانها أن تذيع إعلان دستوري ومن ثم تعلن دولتها المستقلة ولو في جزء أو جهة من الجغرافيا الوطنية.
6- من يقرأ بيان الاعلان الدستوري ليس اعلامياً وإنما رأس سلطة الانقلاب العسكري، أو الناطق الرسمي للمجلس العسكري الذي أقدم على الانقلاب.
7-  أدوات الانقلاب العسكري دائما هي الجيش والأمن، ومن يتقدم بقراءة بيان الانقلاب هو رئيس المجلس العسكري او الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري.
8- الانقلابات العسكرية لا تحتاج قاعات اجتماع ولا حضور قبلي وغنما هو بيان يذاع متضمناً أحكام انتقالية بديلة عن الدستور والقانون الذي يتم تعطيله لمدة أشهر معدودة لا تزيد عن ستة أشهر في عرف الدول، ونستغرب كيف يمكن لإعلان دستوري أن ينص على العمل بالدستور السابق، فالإعلان الدستوري يأتي أصلاً لتعطيل العمل بالدستور السابق والتمهيد للاستفتاء على الدستور الجديد، وهذا ما تجاوزه هذا الاعلان.
9- الانقلابات العسكرية لا تشكل مجالس وطنية وإنما تكلف شخصية اعتبارية بإدارة السلطة كما حدث في مصر وغيرها، أما تشكيل مجلس وطني من 551 عضوا فهي صيغة توحي بوجود توافق بين صالح والحوثيين على تفويض البرلمان بعد إضافة عدد مكافئ لأعضاء المؤتمر إليه.
10- وإذا كان الجيش والامن أو اجزاء منه هي المعنية بالانقلابات العسكرية فغن الملفت للنظر خلو القاعة من أي حضور عسكري أو أمني أو حتى رسمي أو سياسي، حيث يبدو الحضور مجاميع شعبية قبلية بسيطة وغير معروفة.
11- في الوقت الذي أذيع فيه الاعلان كان صالح مجتمع بقيادات حزبه ولم يخرج ببيان بل صرح بتأجيل البيان إلى الغد.
12- كان حضور اللواء الصبيحي شاذاً بالزي الشعبي كما لو كان ضيفاً أو متفرجاً يتابع المشهد ولا دخل له بما يحدث.
من خلال الملاحظات السابقة يتضح ما يلي:
أن الحوثيون كغيرهم من المليشيات تبقى متهورة وتستخدم بطرق مختلفة لتدمير العملية السياسية دونما تكون هي واعية بما تقوم به.
اتضح بما لا يدع مجال للشك أن كل وحدات الجيش والامن موالية للرئيس السابق صالح وحزبه، وأن انحيازها للمليشيات في المرحلة السابقة كان لغرض ضرب الخصوم السياسيين لصالح، وها هي اليوم تغيب عن المشهد الانقلابي رغم انها دورها الحصري لتكون هي المنقذ غداً إذا ما خرج الشعب في ثورة غاضبة.
جاء هذا الاعلان الدستوري بمثابة البروفة الأولية لرفع سقف المخاطر التي تدفع بالشعب للخروج إلى الشارع رفضاً للمليشيات وإعلانها الدستوري وهو ما سيستدعي ظهور قوة الجيش والأمن من جديد ملبية لنداء الشعب، وحينها يستكمل الانقلاب عبر مجلس عسكري، وإذن فهذا الإعلان مجرد بروفة أولية للمجلس العسكري الذي يخطط له صالح خلال الأيام القادمة، وعند إعلان المجلس العسكري سيكون هناك إعلان دستوري جديد او تحال الأمور من قبله إلى البرلمان.
هذا الاعلان الانقلابي الملشاوي جاء ليقدم صالح وحزبه كمنقذ لليمن والمملكة والخليج من المليشيات الحوثية الموالية لإيران، وذلك بعد أن تمكن صالح من تقديم القوى السياسية الأخرى بصورة ضعيفة وهزيلة وغير قادرة على الفعل.
سيسعى صالح خلال الساعات القادمة إلى استدراج القوى السياسية للتحالف ضد المليشيات الحوثية التي أقدمت على الاعلان الدستوري، وفي ذات الوقت سيظل ممسكاً بالمليشيات لتخويف وتهديد القوى السياسية وقمع أي حركة باتجاه التغيير والثورة الفعلية.
كانت مهمة بن عمر خلال الأسبوعين المنصرمين هو إبراز القوى السياسية المدنية في صورة المعطل والمعرقل لأي عملية تسوية سياسية تنهي الفراغ السياسي بحيث تبدو خطوات الحوثي ضرورة ملحة لسد حالة الفراغ السياسي، ومن ثم يتم تعديلها بعودة الأمور إلى صالح وحزب المؤتمر لترجيح الكفة.
غادر بن عمر لحظة الإعلان الحوثي إلى المملكة ليقنع الملك والسلطة السعودية أنه لا مخرج للمشكلة إلا باستعادة التحالف مع صالح وحزبه فهو القادر على مواجهة هذه المليشيات التي باتت تهدد اليمن والمنطقة لحساب المطامع الايرانية.
طبعاً هذا السيناريو كله يندرج ضمن اللعبة الأمريكية التي انتهجتها لإعادة إنتاج الأنظمة السابقة في كل دول الربيع العربي.
وأخيراً يمكن القول أن الرئيس السابق صالح استطاع وضع القوى السياسية والمجتمعية والاقليم بين خيارين إما الحرب الأهلية بنكهة طائفية ومناطقية وجهوية وستكون متعددة الوجهة والاتجاه، وستفتح باب للتدخلات الخارجية لدعم أدوات ووسائل عنيفة غير سياسية ستخلق دوامات صراع دموي طويل المدى يقضي على الخيارات السياسية ويسمح بعودة النظام السابق دون منافس.
وإما القبول بصالح وحزب المؤتمر كخيار وحيد لإدارة المرحلة، وسيقدم صالح نفسه وحزبه ووحدات الجيش والأمن بحاجة ماسة لدعم القوى السياسية لخوض المواجهة مع المليشيات، وهو ما سيدفع البقوى السياسية للمساهمة في عودة الزخم الثوري ضد المليشيات، وستكون النتيجة الرجوع لصالح وحزبه وأفراد الجيش والأمن المولي له، وهنا يمكن القول أن كل الطرق تؤدي إلى روما.
ورغم هذا التحليل إلا أننا نؤكد على ضرورة التقارب والتحالف بين القوى السياسية سريعاً بما فيها الرئيس صالح وحزب المؤتمر للاتفاق على موقف موحد، ولن تجد القوى السياسية مسلكاً غير المسلك الدستوري الذي يجب التوافق عليه سريعاً للخروج من الأزمة الراهنة.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء