كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا     حسابات التحالف في معركة مأرب     الإعلان عن تشكيل مجلس تربوي بمأرب يضم عددا من مدراء مكاتب التربية بالجمهورية     أبوظبي في اليمن.. الإعلام والمساعدات للتغطية على الجرائم والأطماع     اختطافات بصنعاء تطال 30 ناشطا من المتضامنين مع عبدالله الأغبري    

الثلاثاء, 06 سبتمبر, 2016 11:34:24 مساءً

مثّلت الشيوعية في فترة من الفترات طوق نجاة بالنسبة للكثيرين بوصفها قوة تغيير هائلة وفكرة حكم مثالية، وقد ساعدت "ثوريتها الرومانسية" الحالمة في انتشار مبادئها وأفكارها في العالم. وينسب للسياسي البريطاني ونستون تشرشل أنه قال: "من لم يكن اشتراكياً في شبابه فهو بلا قلب، ومن يظل اشتراكياً بعد الأربعين، فهو بلا عقل"، وبرغم أن تشرشل كان يسخر من الشيوعيين، إلا أنه لامس فكرة في غاية الأهمية ميزت الأيديولوجيا الشيوعية عن غيرها من الإيديولوجيات وهي تلك القدرة الهائلة على التأثير والإقناع؛ حيث يتحول شخص عادي بكل بساطة إلى محارب من أجل الثورة بمجرد أنه أصبح شيوعياً.
يذكر مصطفى محمود، وهو أحد أهم المفكرين العرب، كيف وقع تحت سحر الشيوعية، بالقول:"حينما بدأت أكتب في الخمسينيات كانت الماركسية هي موضة الشباب الثائر في ذلك الوقت، وكنا نقرأ منشوراتها في نهم، فتحرك مثاليتنا بما تعد به من فردوس أرضي وعدالة ورخاء وغذاء وكساء للعامل والفلاح ومحاربة للإقطاع والاستقلال وتحرير الجماهير الكادحة، وكانت موسكو تبدو لنا في ذلك الحين الكعبة الأم لهذا الدين الجديد الذي يشع بالخبر والرفاهية لكل من يدور في فلكه".
وقد استغل الشيوعيون القوة المعنوية للمبادئ التي تبشر بها الشيوعية من أجل السيطرة على العالم؛ فلا أحد بإمكانه أن يعارض شعار العدالة والتحرر من هيمنة الدول الكبرى، وقد كان العالم العربي أحد أهم المناطق التي تعاني من هيمنة الاحتلال على مواردها ومن فقدان العدالة، هذا على الأقل ما يقوله قادة الأحزاب الشيوعية العربية الذين حاولوا إنشاء دول تعتمد الفلسفة الماركسية في الحكم والحياة وهو ما لم يتحقق؛ فعلى الرغم من أن الشيوعيين كانوا الأكثر تنظيماً من بين جميع التنظيمات، والأكثر قدرة على المبادرة، إلا أنهم فشلوا في إحداث تغيير ملموس في مجتمعاتهم.
بالنسبة للشيوعيين، كانت المؤامرات أكثر قسوة على أحلامهم من أي شيء آخر، وفي هذا السياق يذكر الشيوعيون كيف تعرضوا للسجن والمطاردة والقتل والتشريد في أكثر من بلد عربي، وبرغم صحة ذلك، إلا أن المشكلة كانت باستمرار هي سلوك الشيوعيين الذي كان سلوكاً انفعالياً وطائشاًً، وفي أحيان كثيرة يعبر عن عدمية. فالصراع الذي خاضته الحركة الشيوعية ضد الرئيس جمال عبد الناصر، على سبيل المثال، لا يمكن تبريره، فنظام عبد الناصر كان يحاول تطبيق الأفكار الاشتراكية بما لا يؤدي إلى صدام داخل المجتمع المصري، وقد عانى جراء ذلك الكثير من المتاعب بسبب رفض ومعارضة تيارات شعبية في الشارع المصري هذا التوجيه الاشتراكي مثل تيار الرأسمالية الوطنية المتمثلة في "الوفديين" أو تيار الإسلام السياسي المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين.
والمفارقة أن هذا التوجه لم يكن يحظى برضا الشيوعيين الذين اتهموا عبد الناصر بالعمالة للغرب. ويذكر خالد محيي الدين(2) وهو عضو مجلس قيادة الثورة، ومؤسس حزب التجمع اليساري الذي يضم في صفوفه شيوعيين، أن الشيوعيين أخطأوا منذ البداية، فلم يستطيعوا التعامل مع ثورة تموز/ يوليو 1952 التعامل الأنسب، إذ أنهم وربما تحت ضغط الحركة الشيوعية العالمية، التي كانت تدين حركة الضباط الأحرار وتتهمها بأنها صنيعة للأميركيين، كانوا يضغطون من أجل اتخاذ مواقف متطرفة ضد الاستعمار الأنجلو-أميركي، وضد الأحلاف العسكرية.
ثمة أدلة كثيرة على استنزاف الشيوعيين لقدراتهم في معارك وهمية، بل تعدى الأمر إلى اتخاذ مواقف في غاية الغرابة، فقد عارض الشيوعيون مثلاً قيام اتحاد عربي، لأن ذلك - بحسب يوسف سلمان يوسف مؤسس الحزب الشيوعي العراقي(3) - يقطع الطريق على الإصلاح الحقيقي، فالقوميون بنوا وحدتهم العربية على أسس عقائدية وعنصرية؛ مفسراً الدوافع التي أدت إلى بعث فكرة الاتحاد في رغبة الإنكليز في كسب ود العرب وإزالة ما تركته سياسة الحكومات الإنكليزية القديمة من آثار سيئة في قلوبهم، وخوف الطبقات الحاكمة العربية من نمو الحركة الديمقراطية الوطنية لدى شعوبها، بالإضافة إلى الأوضاع الناشئة عن الحرب، وتمركز أموال كبيرة لدى الرأسماليين حصلوا عليها نتيجة احتكارهم ومضاربتهم بخبز الشعوب والحاجيات الأخرى. وفي هذا الإطار، يمكن فهم موقفهم من وحدة بلاد الشام، فالوثائق الروسية تحدثت عن جهد كبير قام به الشيوعيون اليهود والعرب لرفض مخطط سوريا الكبرى الذي يعتبروه مناورة إمبريالية هدفها إقامة جبهة معادية للاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط.
لكن الموقف الأكثر غرابة هو ذلك المتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد عانت الأحزاب الشيوعية العربية تقصيراً فاضحاً في القضايا الرئيسية التي شغلت العالم العربي؛ ففي قضية تحرير فلسطين لحقت الأحزاب الشيوعية بموقف موسكو الذي لا يُغتفر رغم مر السنين، كذلك فإنها لم ترفع شعار الكفاح المسلح إلا متأخرة(4). ويمكن فهم ذلك في سياق التبعية للاتحاد السوفيتي زعيم الحركة الشيوعية في العالم، فكما هو معروف اتخذ السوفيت موقفاً مسانداً لإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، إلى الحد الذي جعل موشي شيح، وهو قائد سابق لعصابات "الهاغانا" الإرهابية، يقول في مؤتمر صحافي عقده يوم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل في 15 أيار/ مايو 1948: " يجب أن تكون العقيدة الأساسية في سياستنا الخارجية هي الصداقة مع روسيا التي لن ننسى أبداً موقفها في الأمم المتحدة"(5).
وعلى الرغم من أن إسرائيل فيما بعد تنكرت للدور السوفيتي، وانضمت إلى المعسكر المقابل بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن السوفييت حافظوا على ضمان تفوق إسرائيل العسكري من خلال عدم إعطاء العرب أسلحة متفوقة.
وقد كان لهذا الموقف الملتبس الذي اتخذته الأحزاب الشيوعية من القضية الفلسطينية أثر بالغ في عدم قدرة التيارات والتنظيمات الشيوعية في الاستحواذ على الشارع العربي. وطبقاً للقيادي الشيوعي أحمد بهاء الدين شعبان(6)، فإن من الأسباب التي أدت إلى عرقلة الماركسية المصرية من دخول إلى عمق الوجدان المصري الدور الذي لعبته بعض القيادات الشيوعية المصرية اليهودية في الأربعينيات وتلامذتها الموجودون حتى الآن في العمل السياسي الماركسي في الدفع نحو سيطرة المفهوم الستاليني للقومية بالتباساته المعروفة ونتائجه السلبية، وبالذات في ما يخص الموقف من إنشاء الدولة الصهيونية، ومن العلاقة مع "قوى السلام الإسرائيلية"، وقد ضاعف ذلك كله أسباب عزلة الحركة الماركسية المصرية وتلويث مبادئها. وفي هذا الإطار، يذكر فوزي حبشي - وهو أحد الماركسيين المصريين - كيف كان هنري كوريل مؤسس"حدتو" تنظيم الشيوعيين، يحاول إقناعه بأهمية وجود إسرائيل في المنطقة التي ستصبح واحة للديمقراطية وسط البلاد العربية التي لا تعرف الديمقراطية.
إن أصل الشيوعية في العالم العربي والشرق الأوسط يعود إلى اليهود الماركسيين في الاتحاد السوفيتي والماركسيين الأرمن الذين كانت لهم روابط بالماركسيين في روسيا وفقاً لفيش باخ الباحث المتخصص في قضايا الشرق الأوسط (7)، وهو الأمر الذي يريد الشيوعيون العرب نسيانه تماماً. في المقابل، وللإنصاف، فإن الشيوعية العربية قامت بمحاولات حثيثة لتجاوز التباسات فترة التأسيس والنشأة، وقد نجحت إلى حدٍ ما في ذلك، ففي اختيارات عديدة أنضم الشيوعيون إلى مشروع المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتبرز في هذا الصدد معارك الدفاع عن العاصمة اللبنانية بيروت ضد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 كدليل على حدوث تغير استراتيجي في تفكير الشيوعيين تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي.
إن هذا مفيد لغسل أخطاء تم ارتكابها في الماضي، لكنه لسوء حظ الشيوعيين العرب غير مفيد لإعادة بناء دورهم السياسي والثقافي، فقد بدأ كثير منهم في التصرف بعيداً عن تعاليم ماركس ولينين بمجرد سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو تحول منطقي للغاية، إذ أن الأحزاب الشيوعية العربية لم تحاول "بناء نمط شيوعي مستقل عن موسكو، فتحولت إلى أذرع لأجهزة استخبارات شيوعية غربية، وقد سيطرت الـ "كي.جي.بي" على أحزاب الشيوعية التقليدية بينما تبنت أحزاب ثورية مثل تنظيم وديع حداد وحزب العمل الاشتراكي العربي وغيرهما علاقات بنيوية مع استخبارات ألمانيا الشرقية وبلغاريا، .. وهذه العلاقات أسهمت في إبعاد الجماهير عن فكر تلك الأحزاب لأنها كانت تعتمد في أمور التثقيف الحزبي على الأوامر الوافدة "(8).
لقد كان من نتائج هذا السقوط، تحول كثير من الشيوعيين العرب صوب الولايات المتحدة الأميركية، وهي مفارقة تستحق التأمل. ففي العراق أصبح أحد المفكرين الماركسيين وهو الدكتور عصام الخفاجي واحداً من مهندسي الغزو الأميركي للعراق، وهنا يذكر صديقه الماركسي المصري الهامي المليجي كيف التقى به في القاهرة، وكيف تحدث عن علاقاته بأركان الإدارة الأميركية اليمينية، وكيف حرّض على غزو بلاده دون أن ينسى التأكيد على أنه ماركسي أكثر من أي وقت مضى(9).
أما الحزب الشيوعي العراقي فلم يجد مشكلة في المشاركة في أول حكومة تحت الاحتلال الأميركي وفقاً للمحاصصة الطائفية، وفي لبنان حدثت انشقاقات متعددة في الحزب الشيوعي اللبناني وصار هناك مثلاً حزب اليسار الديمقراطي الذي يشارك رئيسه في الاصطفاف الطائفي، والذي يعد أحد قادة 14آذار المدعومة أميركياً. وعلى صعيد الأسماء الشيوعية الكبيرة، يبرز أحد أهم قادة الحزب الشيوعي اللبناني، كريم مروة، الذي لا يتردد في تبني مقولات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس والشعارات التي أطلقتها تجاه الوضع اللبناني، رغم إصراره على أنه ما يزال شيوعياً. أما وليد جنبلاط، الذي يتزعم الحزب التقدمي الاشتراكي والذي يحضر سنوياً مؤتمر الاشتراكية الدولية، فإنه في أكثر من مقابلة صحفية أعلن عن رغبته في أن يعمل زبّالاً في أميركا.
واليوم والعالم يشهد صعوداً لليسار والأفكار اليسارية إلى الحد الذي دفع مجلة مرموقة مثل "نيوزويك" الأميركية إلى وضع عنوان رئيسي في أحد أغلفتها يقول: "كلنا اشتراكيون"، هل يمكن أن نرى قيامة لليسار بشكل عام في العالم العربي والشيوعية بشكل خاص؟!.
ثمة إجابات متعددة، فالشيوعيون متفائلون بالمستقبل، ويؤكدون أن الأزمة المالية الأخيرة التي اجتاحت العالم مؤخراً والتي سوف تتكرر، سوف تعيدهم مرة أخرى إلى الواجهة والسلطة، أما الواقع، فانه يقول شيئاً آخر، وهو أن الأيديولوجية الشيوعية صارت تاريخاً، ويبدو من الصعب أن يعود أحد من هناك!
المصادر
1. مصطفى محمود، لماذا رفضت الماركسية، حوار مع خالد محيي الدين، دار العودة، الطبعة الأولى، 1986، ص 7.
2. انظر: خالد محيي الدين، والآن أتكلم، الطبعة الأولى عام 1992م، مركز الأهرام للترجمة والنشر، ص97-98-99.
3. للاستزادة، أنظر: "كتابات الرفيق فهد" في وثائق الحزب الشيوعي العراقي، دار الفارابي، الطبعة الأولى 1976م، ص334-351.
4. أسعد أبو خليل، "الشيوعية العربية: بعض أسباب السقوط"، جريدة الأخبار اللبنانية، بتاريخ 28 شباط/ فبراير 2009.
5. هاشم بهبهاني، الاتحاد السوفياني والقومية العربية 1917-1966، ترجمة عفيف الرزاز، الطبعة الأولى، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1989، ص72.
5. أحمد بهاء الدين شعبان، مجلة الآداب، بتاريخ 3-4 أيار/ مايو 2005.
7- قناة الجزيرة، برنامج "تاريخنا وأرشيفهم"، الأحزاب الشيوعية العربية، الجزء الأول، 18 شباط/ فبراير 2009.
8- أبو خليل، مصدر سابق.
9- الهامي المليجي، "الشيوعيون العرب: هل خلع "الرفاق" الرداء الأحمر؟"، مجلة المجلة، 8 حزيران/ يونيو 2005.


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة