معلومات تنشر لأول مرة عن طبيعة لقاء وفد طارق صالح بقيادات محور تعز     هل طيران التحالف يفتح الطريق أمام الحوثي في مأرب؟     14 أكتوبر موعد التحول والمجد.. غوص في التفاصيل     عملية اغتيال ضباط في سيئون من مدينة تعز     "حكمة يمانية" جديد المواقع الفكرية اليمنية     المجتمع يقاوم الملشنة.. صنعاء ليست حوزة إيرانية     احتفائية خاصة بمناسبة مرور 10 سنوات على نيل توكل كرمان جائزة نوبل للسلام     افتتاح رسمي لأول جامعة في محافظة شبوة بعدد من التخصصات العلمية     كيف تغير الصين مستقبل الإنترنت في العالم؟     ارتفاع حصيلة المواجهات بين فصائل الانتقالي إلى 7 وعشرة جرحى     الشرعية حين تساهم في تمدد الحوثيين داخل فراغ ضعفها     26 سبتمبر والحوثيون.. عيدنا ومأتمهم     شهوة الإعدامات بحق اليمنيين لدى الحوثيين عبر تزييف العدالة     إعدامات حلفاء إيران بحق أبرياء يمنيين من تهامة     تقرير أولي عن توثيق بئر برهوت (الأسطورة) في محافظة المهرة    

السبت, 20 أغسطس, 2016 10:21:40 صباحاً


من عيوب الخطاب الديني التقليدي الذي نختلف معه أنه أسطر التاريخ، أي جعل التاريخ أشبه بالأساطير. وأعني بالتاريخ هنا القصص القرآني عن الشخصيات التاريخية والأحداث التي رافقتها، بما فيها شخصيات الأنبياء والملوك والشعوب.
وتمت عملية الأسطرة من خلال إضفاء مسحة من الخيال على هذه الأحداث والشخصيات، بحيث يطالعها اللا وعي وكأنه يطالع قصصاً في الأدب لا روايات تاريخية حدثت بالفعل وكان أبطالها أناساً عاديين مثلنا تماماً.
وهذه المسحة من الأسطرة لها مفعول خطير في العقل الباطن للمخاطب، إذ توحي له بأن مثل هذه الأحداث والشخصيات لا تحدث في الواقع إلا كما يحدث الحلم في المنام، وهو ما يعطل فاعلية القصص القرآني ووظيفته في الحياة.
فعلى سبيل المثال: يروي القرآن قصصاً عن موسى وقومه وصراعه مع فرعون وملئه. فيأتي القاص الإسلامي ليروي هذا القصص بطريقة تفقدها سمات الواقعية. فإذا بفرعون شخصية لا يمكن أن تتكرر في التاريخ، وإذا بالآيات (العقوبات) التي أرسلها الله على قوم فرعون آيات استثنائية لا يمكنها أن تحدث مع شعب غير شعب فرعون. ويحرص القاص على إبراز أو إضفاء جوانب اللا معقول على القصة ليؤكد فرادتها بأسلوب المليودراما المعروف في الأعمال الدرامية.
وبهذا يعزل القصة والشخوص عن الواقع ويفقد القصة وظيفتها الأساسية المتمثلة في تحذير المخاطبين من تكرار نموذج فرعون وقومه، وهو نموذج واقعي يتكرر باستمرار. وتكون النتيجة أن آلاف المسلمين الذين يلعنون فرعون القرآن يعملون ليل نهار مع فرعون مثله في الواقع، وربما أسوأ منه.
وكان على المفسرين والقصاص أن يضعوا المشاهد القرآنية في قصة فرعون وموسى داخل سياقها التاريخي الطبيعي لكي تتجلى لنا الشخصية الحقيقية لفرعون، حتى يكون المخاطب أمام شخصية واقعية لا شخصية أسطورية لا تتكرر.
كان ينبغي أن يعلم المخاطب المسلم أن فرعون الذي لعنه القرآن وجعله مثلاً للكبر والاستبداد كان شخصاً ناجحاً في جوانب كثيرة أخرى من حياته. فهو صاحب أكبر نهضة معمارية في تاريخ مصر القديمة، إذ كان مهووساً بالبناء كما يقول مؤرخو الحضارة المصرية، وقد بنى في عهده مدينتين على الأقل، وهو البعد الذي أشار إليه القرآن في قوله "وفرعون ذي الأوتاد" إشارة إلى البناء والعمارة، وهو مجاز لغوي يذكر الكل (العمران) بالإشارة إلى الجزء (الأساسات). كما أنه كان قائداً حربياً ناجحاً تمكن من تأمين حدود مصر جميعها من تهديدات الأعداء، وكان أيضاً صاحب مرونة سياسية عالية - تذكر بعلي عبد الله صالح - بدليل جنوحه للمصالحة مع الحثيين، وطلب مصاهرتهم لإرساء السلام الدائم بين المصريين والحثيين بعد حروب طويلة. كذلك فقد كان صاحب مزاج نفسي عالي، بدليل أنه نقل العاصمة من جنوب مصر إلى الدلتا حيث بنى مدينته الجديدة رعمسيس على ثلاثة فروع للنيل أو أربعة (جف منها اثنان وبقي فرعا رشيد ودمياط حتى الآن).
 كذلك فقد كان يصبغ شعره ولحيته بالحناء، وهي عادة لم نرها مع فرعون آخر، كما أنه كان يمضغ التمباك، ويكثر من احتفالات الرقص والغناء، وخصوصاً في النصف الثاني من فترة حكمه، وما يوم الزينة الذي يذكره القرآن إلا اليوبيل المصري الذي يجمع فيه المصريين ليظهر عليهم (ميدان السبعين مثلا)..
ومع أن فرعون مات منذ آلاف السنين إلا أنه ما زال يخدم مصر حتى هذه اللحظة، ويدر على خزينتها ملايين الدولارات سنوياً عن طريق الاستثمار السياحي لإنجازاته العمرانية.. ومن الأمور التي تحسب لفرعون موسى أنه بالرغم من استخفافه بشعبه إلا أنه لم يتسبب في تمزيق النسيج الاجتماعي والوطني للمصريين، ولا باع مصر لإيران، ولا مكن الهكسوس (الإماميين) من العودة إلى السلطة التي فقدوها بعد تضحيات جسيمة للمصريين. بل مات وهو يطارد بقايا الهكسوس (بنو إسرائيل) خوفاً من أن يصبحوا أغلبية على المصريين، أو دولة عميقة داخل الدولة ذات يوم.. والآن.. ما الذي قدمه علي عبد الله صالح لشعبه في مقابل ما قدمه فرعون موسى لمصر؟!.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء