كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا     حسابات التحالف في معركة مأرب     الإعلان عن تشكيل مجلس تربوي بمأرب يضم عددا من مدراء مكاتب التربية بالجمهورية     أبوظبي في اليمن.. الإعلام والمساعدات للتغطية على الجرائم والأطماع     اختطافات بصنعاء تطال 30 ناشطا من المتضامنين مع عبدالله الأغبري    

الخميس, 04 أغسطس, 2016 12:25:38 مساءً


في زحمة العمل، وضغط الأعصاب المستمر، بسبب الفوضى والخراب والظلم الذي يحيط بنا وببلداننا، أصبح من الصعب على الكاتب أن يكتب رأياً مفصلاً في قضية من القضايا، أو يقيم شخصية عامة تقييماً موضوعياً كافياً، وتصبح منشورات الفيس بوك وما شابهها هي أقرب المتنفسات لمثل هذا العمل. لكن للكتابة في الفيس بوك مخاطر تتعلق معظمها بالطبيعة الاختزالية لهذه المنشورات. فأنت تكتب ومضة أو تصور لقطة من مشهد قصير، لكن القارئ يتعامل مع ومضتك أو لقطتك باعتبارها كتاباً مفصلاً، وكأن هذه الومضة قد قالت كل شيء وأجابت عن كل الأسئلة، وبناء على ما خطر بباله من فهم، يبدأ في تقييم عملك والحكم على موقفك من القضية التي لم تناقش منها غير الذيل.
على سبيل المثال، حدث أن كتب العبد لله ليلة أمس أكثر من منشور قصير عن موقف العالم المصري أحمد زويل - الذي توفي مؤخراً - من القضايا الإنسانية في مصر والمنطقة. منشورات ليس فيها كلمة واحدة تسيء إليه بالشتيمة أو التخوين أو التكفير أو تقلل من مكانته العلمية في مجال اختصاصه. وإنما تحاول كشف أمرين اثنين من المهم جداً أن يتوقف أمامهما الإنسان العربي هما: الموقف الأخلاقي للعالم من القضايا الإنسانية، والمفارقة بين المقدمات والنتائج في حياة بعضهم، كأن يعيش العالم منهم في بلد ديمقراطي، ويصنع كل أمجاده الشخصية في بلدان ديمقراطية، ثم يعود إلى وطنه الذي عاني طوال الوقت وما زال يعاني من ديكتاتورية العسكر، يعود بعد ثورة شعبية على نظام عسكري ديكتاتوري طارد للعقول، ليؤيد انقلابا عسكريا فاشيا على تجربة ديمقراطية قدمتها هذه الثورة عبر تضحيات جسيمة. في موقف يستحق الدراسة والتحليل أكثر من الإدانة والتخوين.
فعلت ذلك باعتبار أن نقد مواقف العالماء والشخصيات الاعتبارية هو من الضرورات البدهية في حياة الشعوب المحترمة. إلا أن ردود الفعل على المنشور كانت في الغالب غير منطقية. وقد لفتني فيها موقفان لأستاذين كبيرين أجلهما كثيراً، هما الأستاذ خالد الرويشان، والأستاذ شوقي القاضي. ولأنه لا مجال لدي لاستعراض ومناقشة كل ما ورد في كلامهما حول الموقف من الدكتور زويل، سأكتفي بالإشارة إلى أهم الملاحظات التي وردت في كلامهما، وخصوصا في كلام الأستاذ والإنسان الرائع خالد الرويشان. فقد انزعج الأستاذ كثيراً من اتهام البعض لزويل بالمساهمة في تطوير الصواريخ الإسرائيلية، واعتبر ذلك نوعاً من التخلي عن عبقرية عربية لصالح إسرائيل. أما الأستاذ شوقي فقد نقل كلاماً لمفكر غسلامي مصري هو جمال سلطان يبرئ فيه زويل من بعض التهم ويعيد إليه بعض الاعتبار الذي فقده في نظر الشباب المصري الذي أطلق عليه وابلا من التهم والنقد.
أنا بدوري لن اقول شيئاً مما كنت أود أن أقوله في هذا السياق لأن الوقت لا يسعفه ولا الأعصاب، ولدي الكثير من الكلام بالطبع، وإنما سأكتفي بنقل كلام الدكتور جلال أمين نفسه، وهو الشخص الذي ذكرته بالأمس، وتعرضت لموقفه من الانقلاب في مصر بالنقد في المنشور نفسه الذي ذكرت فيه زويل. وجلال أمين بالطبع ليس من الإسلاميين بل من خصومهم، وليس من المؤيدين لمرسي والديمقراطية لا قدر الله بل من المؤيدين للسيسي والعسكر. إلا أن شهادته هنا تستحق التأمل. فقد جاء في كتابه "شخصيات لها تاريخ" كلاما طويلا عن تفاهة وسائل الإعلام المصرية وبعض المصريين في الاهتمام بزويل والإعلاء من ذكره إلى حد السخافة. ووما جاء في كلامه هذه المقتطفات:
" فقد علمنا من الصحف عدة أمور: الأول أن د. زويل حصل على جائزة إسرائيلية وأنه قبلها، كما قبل أن يذهب إلى إسرائيل لتسلمها، بل وعلمنا أيضاً أنه قام بهذه المناسبة بإلقاء خطبة في الكنيست الإسرائيلي في 1993، بل وأنه صرح في لقاء له في التلفزيون المصري بما معناه أنه يفخر بأنه ثاني مصري – بعد السادات – يلقي كلمة في الكنيست الإسرائيلي. نشرت بعض الصحف أيضاً أنه في كلمته في الكنيست الإسرائيلي قال إن الجزيئات والذرات تتعايش مع بعضها وتتآلف وتتجاذب، وإنه هكذا يجب أن تكون العلاقة بين إسرائيل والشعوب العربية ...
تجرأت مندوبة إحدى المجلات مرة وسألت د. زويل عن هذا الأمر فصدرت عنه إجابات من النوع التالي: "العلم لا وطن له.. لا سياسة في العلم ولا علم في السياسة"... فلو كان صحيحاً أنه لا سياسة في العلم ولا علم في السياسة، فما معنى إشارة د. زويل في الكنيست الإسرائيلي إلى أن الجزيئات والذرات تتعايش مع بعضها وتتجاذب، وأنه هكذا يجب أن تكون العلاقة بين غسرائيل والشعوب العربية؟ هل هذا علم أم سياسة؟ أو لم يكن من السهل على د. زويل - لو أراد - أن يجد في علم الطبيعة مثالا معاكسا على تنافر الجزيئات وتضاربها بدلا من تعايشها وتجاذبها؟. فإذا كانت في علم الطبيعة أمثلة على التجاذب وأخرى على التنافر، فهل اختيار أحدهما دون الآخر في خطبة الكنيست يعتبر من قبيل العلم ام السياسة؟.
بل مجرد قيام عالم مصري مشهور بإلقاء خطبة في الكنيست في هذا الوقت بالذات، الذي يتعرض فيه الفلسطينيون والعرب لعمليات من القهر والإذلال لا مثيل لها، هل كان هذا عملا يقصد به خدمة العلم أم السياسة؟.
ثم ما هذا الكلام عن العلم الذي لا وطن له؟ هذا كلام غير دقيق بالمرة. وما يتضمنه من حق قليل يستخدم لإخفاء ما فيه من باطل كثير. صحيح أن العالم وهو مشغول بعلمه وبكتبه ومعمله وتجاربه لا يفكر في وطنه. وهو لا يسأل عندما يقرأ مقالا أو كتاباً علمياً عن جنسية الكاتب وميوله السياسية. نعم هذا صحيح. لكن العالم، بعد وقبل أن يقرأ ويكتب ويجري التجارب، هو إنسان قبل كل شيء، من لحم ودم، يضحك، ويتكلم، ويصادق، ويعادي، ويحب، ويكره. أي أنه ليس إنسانا آلياً أو جهاز كمبيوتر، لحسن الحظ... إذا كان الأمر كذلك، فما معنى القول إن العلم لا وطن له، ونحن نتكلم عن قبول جائزة إسرائيلية وإلقاء خطبة في الكنيست؟ أليس باستطاعة د. زويل بعد خروجه من معمله، وأثناء تناوله الطعام أو جلوسه مع أصدقائه، أن يفكر لبضع دقائق فيما إذا كان هذا القبول وإلقاء هذه الخطبة في صالح وطنه أو ليس في صالحه؟
إن من الممكن للدكتور زويل أن يقتدي في ذلك بعلماء ومفكرين طبقت شهرتهم الآفاق، ولم يمنعهم علمهم الغزير من الاهتمام بالسياسة والوطن. فأينشتاين وجد براحا من الوقت بين أبحاثه وتجاربه لكي يرسل خطاب احتجاج على إقامة دولة إسرائيل في عام 1948. وبرتراند رسل، وهو في قمة شهرته ومجده كواحد من أكبر فلاسفة ومفسري عصره، كان يجد الوقت للجلوس مع الشباب في ميدان "الطرف الأغر" في لندن للاحتجاج على التسلح النووي متحديا بذلك البوليس الانجليزي، كما أنه وجد الوقت والقوة بعد أن تجاوز التسعين لأن يكتب برقية احتجاج على هجوم إسرائيل على مصر سنة 1967. القول إذن بأن العلم لا وطن له، إذا قيل في هذا السياق، يصبح كلاماً فارغاً ومضللاً ورديئاً للغاية".
انتهى كلام جلال أمين، ولم ينته كلامنا بالطبع، وكان لدي الكثير من الإضافات والملاحظات والتي لا يتسع لها الوقت كما قلت. سواء في ما يخص المقام الزائف الذي يعطيه الناس لأصحاب العلوم الطبيعية (فيزياء، كيمياء، طب، إلخ) متأثرين بالمنظور المادي الغربي الذي صدرت عنه هذه العلوم. أو فيما يخص الموقف الأخلاقي للعلم والعلماء، أو فيما يخص العصبية القومية في مثل هذه المجالات، أو حتى فيما يخص الأسلوب الأدبي في الكتابة النقدية.


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة