كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا     حسابات التحالف في معركة مأرب     الإعلان عن تشكيل مجلس تربوي بمأرب يضم عددا من مدراء مكاتب التربية بالجمهورية     أبوظبي في اليمن.. الإعلام والمساعدات للتغطية على الجرائم والأطماع     اختطافات بصنعاء تطال 30 ناشطا من المتضامنين مع عبدالله الأغبري    

السبت, 23 يوليو, 2016 01:39:34 مساءً

السلفية ليست مذهبا إسلاميا كما يظن السلفيون، وليست مرحلة زمنية كما وصفها محمد سعيد البوطي، السلفية رؤية، مثلها مثل الرومانسية والرؤية الواقعية، أبرز خصائصها هي النظرة الثبوتية للأشياء والمفاهيم. ولهذا فهي ليست حكراً على السلفين أو المسلمين أو حتى المؤمنين بالأديان وحدهم، وإنما هي رؤية محايدة يتورط فيها حتى الإلحاد نفسه، إنها تقريبا الصورة المقلوبة للغنوصية، ففي حين ترى الغنوصية العالم من منظور زئبقي متحول (العالم ظاهر وباطن) ترى السلفية العالم من منظور فوتوغرافي (العالم مكان) وكلاهما تقف على مسافة من الرؤية العلمية التي ترى العالم وفقاً للمنظور الفيلمي المتسم بالديناميكية (العالم حركة).

باختصار السلفية موقف من الزمن. وصاحب الرؤية السلفية لا يستطيع أن يرى الحياة في حالة حركة، وبتعبير آخر لا يلتفت إلى فاعلية الزمن في المشهد، وإنما يأخذ المشهد شرائح منفصلة ومستقلة بذاتها. فالفترة النبوية – عنده – هي الفترة التي كان يلبس الناس فيها كذا، ويتصرفون بالطريقة الفلانية، ويستجيبون للأشياء بالطريقة الفلانية، ومن ثم فإن النصوص التي تمدح هذه الفترة إنما تمدح هذه الشرائح الفوتغرافية الثابتة. وهكذا تصبح التجربة الأولى لتطبيق الإسلام هي النموذج المثالي والنهائي للإسلام نفسه.

لكن هذه الرؤية – كما أسلفت – ليست حكراً على المؤمنين بالأديان وحدهم، أو على شريحة منهم، وإنما هي رؤية محايدة يتبناها أحياناً حتى الإلحاد. فأسلاف الملحدين المعاصرين مثلاً كانوا يتبنون هذه الرؤية في فهم العالم، فالوجود عندهم عبارة عن حالة سرمدية ثبوتية لا بداية لها ولا نهاية، هذا في الوقت الذي كان فيه الدين يؤكد على حركية العالم وحدوث الوجود، وهي الرؤية التي خلص إليها العلم أيضاً في العصر الحديث. ومن مظاهر الرؤية السلفية لبعض المثقفين المحسوبين على الحداثة رؤيتهم للظاهرة العلمانية. فالنظرة الأولية لفهم بعض العلمانيين العرب للعلمانية تدل على أنهم يتبنون الرؤية السلفية. فالعلمانية عندهم هي ذلك النموذج الزمني الذي طبقة السلف الصالح في الغرب فقط لا غير. إنها فقط فصل الدين عن الدولة، وأي حديث غير هذا عن العلمانية ليس سوى هرطقة وابتداع!.

والعلماني العربي الذي يتبنى هذا الفهم السلفي للعلمانية لا يدرك أبجديات المعرفة الاصطلاحية. ولا يعرف أن المفاهيم الاصطلاحية لا تأخذ معناها النهائي من القواميس، بل لا تأخذ معنى نهائيا بالمرة. لأن المفاهيم مثل الكائنات الحية، تأخذ دورة حياة كاملة، تبدأ من الطفولة مرورا بالشباب والكهولة والشيخوخة وقد تموت في نهاية المطاف إذا لم تجدد شبابها. بتعبير آخر فإن المصطلحات لا تأخذ معناها من القواميس وإنما من تاريخ استعمال اللفظة، اي من سيرتها الذاتية على ألسنة المستعملين. ولهذا يلجأ القاموس القومي البريطاني مثلا إلى إضافة معاني جديدة للمصطلحات والألفاظ القديمة المستعملة كل عام. فالعلمانية مثلا يؤخذ معناها من تاريخ استعمالها مع أول ظهور للكلمة وحتى آخر استعمال لها.

ووظيفة القواميس عندئذ هي تسجيل الحدود الجديدة أو العديدة لدلالات المصطلح حتى يتمكن المتحاورون من الاتفاق على حد منها في حوارهم لكي يكون الحوار منتجاً. لكن لا أحد فيهم يمكنه القول هذا هو الحد النهائي للدلالة وليس في إمكان أحد غير السلف الصالح أن يضيف إليه. بل هذا مفهوم الكلمة عند فلان وفلان، أو عند الجيل الفلاني والجيل الفلاني، ومن حقك وحقي أن نحمل هذا المصطلح ما نشاء من الدلالات بالطريقة العلمية المتعارف عليها. والشرط العلمي الوحيد لتجديد الدلالات هو الاحتفاظ بالمعنى الكلي العام. والمعنى الكلي العام لمفهوم العلمانية – مثلا - هو "ما ينتمي إلى العالم"، وهذا هو الحد الأدنى الذي لا يصح تجاوزه في الدلالة، وإلا أصبحت الكلمات بلا معاني.. هذه الأبجدية البسيطة لا يعرفها كثير ممن يخوض في شأن العلمانية على وسائل التواصل الاجتماعي كما لاحظت، وهو ما جعل الحوار معهم أو بينهم أشبه بعزف السيمفونية التاسعة في سوق الملح!


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة