إدانات واسعة محلية ودولية لقصف الحوثيين على مركز الأورام بمدينة تعز     مدير شرطة تعز يزور النقيب مصطفى القيسي وعدد من جرحى الجيش     الحزب الاشتراكي في ميزان المجلس الانتقالي     مليشيا الحوثي تحرق مسجدا بمحافظة ذمار     مدرسة أويس بجبل صبر آيلة للانهيار.. 40 عاما بلا ترميم     الصفيون والتشيع في بلاد العرب     السعودية من إعاقة سبتمبر إلى قتل فبراير.. رحلة خراب     أطعمها في حياته فلازمته لحظة موته     تعذيب وقهر النساء في سجون الحوثي بصنعاء     صنعاء: الحوثيون يواصلون ابتزاز المواطنين بذريعة الاحتفال بالمولد النبوي     شرطة تعز تقبض على مشتبهين بتفجير سيارة النقيب السفياني بعد الحادثة بساعات     أمهات المختطفين تكشف عن تعذيب مروع لسجينات بمركزي صنعاء     وفد إماراتي إلى اسرائيل وتنقل للأفراد بدون فيزا     اليمن تعترض لدى مجلس الأمن حول إرسال إيران سفيرا لها إلى صنعاء     الحوثيون يشيعون قيادات عليا في قواتهم بعد مصرعهم بعدد من الجبهات    

الخميس, 30 يونيو, 2016 12:32:07 مساءً

راينا في فصل سابق كيف أن أنظمة الحكم العربية جعلت الدولة باستبدادها وفسادها أصل كل الأدواء لأنها عكست وظائفها ما أدى إلى الافلاس الاقتصادي.
لم أتكلم على الإفلاس الروحي والخلقي بل اقتصرت على افلاس شروط العمران كما حددها ابن خلدون: سد حاجة العيش والأمن: اطعمهم من جوع رمز الرعاية وآمنهم من خوف رمز الحماية.
ذلك أن الإفلاس الروحي والخلقي يتعلق بشروط الاجتماع الإنساني-كذلك بمصطلح ابن خلدون-أي الأنس بالعشير بمعنى العيش السعيد ومتعة الحياة الذوقية الراقية.
فشعب غالبيته تذوق الأمرين لغياب قوتها اليومي وتربية أبنائها والرعاية الصحية لا يطمع في عيش كريم فضلا عن عيش سعيد في دولة مستبدة وفاسدة.
ثم إن القرآن نفسه يعتبر شروط الاستعمار في الأرض-ابن خلدون أخذ منها مفهوم العمران- شرطا في الاستخلاف التام أي الخُلقي بعد الخِلقي: الاشرئباب إلى سامي الأخلاق.
وهذا هو الاستخلاف الخُلقي الذي لا يعم الناس كلهم بخلاف الاستخلاف الخِلقي الذي يمثل استعدادا لمنزلة الإنسان الحقيقية قد تتحقق وقد لا تتحقق.
فالشعوب المقهورة في شروط الاستعمار في الأرض أو في شروط العمران البشري تقف دون الاجتماع الإنساني ومن ثم فهي تنحط إلى العبودية فلا طموح لها إلى الاستخلاف الخُلقي.
موضوع هذا الفصل الثاني
فصل اليوم يجيب عن السؤال التالي: كيف يمكن للدولة التي يستبد بها الحكام الفاسدون والنخب العميلـة التابعة لهم أن تقضي على معاني الإنسانية بلغة ابن خلدون؟
وبصورة أدق كيف ينقلب نوعا وظائف الدولة -الرعاية ورمزها أطعمهم من جوع والحماية ورمزها آمنهم من خوف-إلى العكس تماما فتصبح وظيفتها تجويعا وتخويفا؟
فيكون مدار القضية كلها حول ماراينا في الفصل الأول أعني إفساد آليات الاقتصاد بمقوماته الخمسة: إبداعا وانتاجا وحفظا وتوزيعا واستهلاكا بالعدل في جماعة تجعلها مستعبدة بدلا من أن تكون حرة.
فهذه الأبعاد الخمسة من آليات الاقتصاد تنتفي كلها فيكون الإفلاس: فلا إبداع ولا إنتاج ولا حفظ للثروة ولا توزيع عادل لها ولا استهلاك محرك للاقتصاد الحقيقي بل عمل طفيلي.
تلك هي حال الاقتصاديات العربية كلها وحتى ما يظن دليل رفاهية وشاذا على هذه الصورة القاتمة فهو صدفة جغرافية غير دائمة وهي لم تثمر بديلا يعوضها لأن التنمية فيها مقلوبة.
وذلك يصح على الجزائر وليبيا وجل دول الخليج وحتى على العراق قبل النكبة بسبب مصادفة جغرافية: وجود البترول. والدليل أن كل انخفاض للسعر يصبح نكبة.
كيف تعكس وظائف الدولة؟
ولنشرع الآن في فهم المسألة: كيف يكون عكس وظائف الدولة مصدرا للإفلاس الاقتصادي ولفساد شروط العيش الكريم ولفقدان الحريات الأساسية والكرامة وسيطرة التبعية للخارج؟
وسيكون الكلام فنيا مبنيا على المبادئ الأساسية لعلم الاقتصاد بوصفه كما عرفناه أمس اقتصادا سياسيا بأتم معني الكلمتين وخاصة الكلمة الثانية المنسية: السياسي في الاقتصاد.
فأولا ما كان الاقتصاد يكون موضوعا لعلم ممكنا لولا أساسه السلبي ببعديه الموضوعي والذاتي. فموضوعيا الأساس السلبي هو الندرة. وذاتيا الأساس السلبي هو الخوف منها.
والمعنى الموضوعي للندرة مفهوم ولا يحتاج لتفسير طويل. فما يسد الحاجة غالبا ما يكون فعلا نادرا لأنه نسبة بين مادة سدها والحاجة. وقد مر ذلك بمرحلتين بحسب مصدر سدها.
المرحلة الأولى هي ما تقدم على الانتاج الإنساني لما تسد به الحاجة والمرحلة الثانية ما تأخر عن ذلك. فقبلـه كان مصدر سد الحاجات ما تنتجه الطبيعة جنيا ورعيا وبعده صارت الزراعة والصناعة مساندة لمنتج الطبيعة.
وبالتدريج يتزايد دور المرحلة الثانية ويتناقص دور المرحلة الأولى حتى يكاد كل شيء يصبح من صناعة الإنسان وعمله وتلك هي ذروة الحضارة.
لكن حتى من دون الاستبداد والفساد فإن التكاثر يؤدي حتما إلى الندرة في الحالتين. فسد الحاجات يكون غالبا في نسبة عكسية لا طردية مع الموارد الناضبة والبضائع والخدمات.
ثم يضاف إلى ذلك العامل الذاتي أي الخوف من الندرة. فهو أحد مصادر الاحتكار تعويلا يهدف إلى سد الحاجات أو تعويلا للاستفادة من الندرة الاصطناعية في التجارة: الاحتكار.
ذلك بتبسيط شديد المبدأ الأول الذي يعمل به الاقتصاد ويجعل العامل النفسي والشائعات ذات دور كبير في تقلبات الأسواق وحوالتها في كل الحضارات: مثال ذلك في مضاربات البورصة.
أما المبدأ الثاني بعد الندرتين-الطبيعية والاصطناعية-فهو دورالسوق في تحديد التناسب بين البضائع والخدمات بمعيار تسعيرها في ضوء الحاجة أو ما يسمى بالعرض والطلب.
ودور السوق حقيقة لا جدال فيها حتى في الاقتصاد المخطط شيوعيا كان أو راسماليا أو حتى إسلاميا. من هنا أهمية مفهوم السوق في الفقه والحسبة.
لكن الكلام على دور السوق أغلبه من جنس "ويل للمصلين". فالمبدأ ليس السوق بل "حرية السوق". وهو من فرضيات التجريد العلمي كفرضية الإنسان الاقتصادي في نظرية الاقتصاد.
24-ففي كل العلوم لا بد من فرضيات مثالية لحصر المحددات الأساسية كما نفعل في الفيزياء عندما نحدد مفهوم الفضاء الخالي لندرس قوانين حركة الأجرام.
لكن السوق التي توجد بالفعل تؤثر فيها عوامل كثيرة تهملها النظرية ولا تعود إليها إلا في التطبيق في الأعيان: مثل حركة الأجرام في مثال المقذوفات أو غزو الفضاء حيث يؤخذ بعين الاعتبار الاحتكاك وحركة الرياح إلخ....
علاج ابن خلدون للظاهرة
وهذه العوامل هي التي تكثر بسبب الاستداد والفساد وقد درسها ابن خلدون عندما تكلم في مالية الدولة والجماعة وبين مردودها السلبي على العمران (مادة) والدولة (صورة).
لكن ابن خلدون يكتفي بإشارات لطيفة ولم يكن لديه أدوات صوغها العلمي كما هي الحال في عصرنا. فلنجملها بصورة نسقية لنفهم دلالة فساد الدولة وعلله المتلعقة بالاقتصاد في نظرية ابن خلدون.
ولكن لا بد من البدء بتحديد-وإن بتبسيط شديد كذلك- مقومات أي عمل منتج في أي عصر أصلا لكل اقتصاد يهدف إلى سد الحاجات بمستوييها المادي والروحي في جماعة حرة.
وأصل عناصر هذه المقومات فعل الإنتاج نفسه. فهو يقبل التمثيل بمثلث متساوي الأضلاع قاعدته هي المنتَج وتناظر ضلعيه الباقيين هما شروط العملية الانتاجية لمشروعات إنتاج لبضائع والخدمات .
فكل ضلع من الضلعين الباقيين النازلين على الضلع القاعدة يتألف من عاملين ولتلقي في قمة المثلث بالضلع الثاني وراس المثلث هو العامل المشترك بينهما والناقل للعملية كلها من المشروع إلى المفعول.
فالضلع الأول يتعلق بصورة المشروع ومقوماه هما عامل إبداع الفكرة الانتاجية وعامل إدارتها كمشروع منتج. ويقابله الضلع الثاني وله كذلك مقومان.
فـمقوما الضلع الثاني هما حاجة استهلاكية بلا سداد أو بسداد ناقص وهي ما لأجله وقع إبداع الفكرة ثم قدرة تمويلية للمشروع (من الادخار) عندما يتحول إلى موضوع استثمار منتج في الجماعة.
وتلتقي هذه العوامل الاربعة في العمل المنجر للمشروع والمحقق لمنتوجه عند العامل الخامس المشترك بين الضلعين وذلك هو عامل اليد العاملة الكفأة ذات التكوين المناسب لإنتاح البضاعة أو الخدمة.
أما ضلع القاعدة من المثلث متساوي الأضلاع فهو الـحاجة التي ولدت فكرة المشروع لدى المبادر-انتروبرونور-لصنع ما يسدها وهو إذن علاقة بين وجهين من كيان الإنسان: الحاجة والقدرة على إبداع شروط سدها.
ورمز ذلك قصة نوح: فأخذه زوجين اثنين من كل شيء هو الذي نقل البشرية من العيش مما تنتجه الطبيعة إلى العيش مما ينتجه الإنسان المبدع للمشروع المنتج.
نعود الآن إلى نظرية ابن خلدون
أجمل ابن خلدون كل هذه المعاني في نص بديع عنوانه "في أن الظلم مؤذن بخراب العمران" قاصدا أن الاستبداد والفساد يقتل هذه العوامل الخمسة حتى وإن لم يميز بينها بهذا الوضوح.
ونص ابن خلدون يلخص عدة فصول من الباب الثالث من المقدمة. ويكفي أن نذكر عناوينها حتى نفهم عبقرية الرجل في فهم شروط ثروة الأمم وسبقه لعصر الحداثة لوضع النظرية الاقتصادية ودورها في التاريخ.
وهذه هي الفصول الستة التي سطر فيها ابن خلدون نظريته في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة المستبدة والفاسدة: الفصل 38 نقص الجباية والفصل 39 ضرب المكوس والفصل 40-تجارة السلطان والفصل41-ثروة السلطان والفصل 42-نقص العطاء من السلطان إلى الفصل 43- وفيه زبدتها جميعا: الظلم مؤذن بـخراب العمران.
الفصل طويل سنكتفي بـالبداية والغاية ثم بتعريف الظلم: فأما البداية فهي"اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابهالما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من ايديهم".
وأما الغاية فهي:"والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين. فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت =
"=أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال وابذعر الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها "=
"فخف ساكن القطر وخلت دياره وخربت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة للعمران بفساد مادتها ضرورة".
أما الزبدة فهي تعريفه الظلم."ولا تسحبن الظلم إنما هو اخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد =
"=أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه. فجباة الأموال بخير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها"=
"=ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة وغصاب الأملاك على العموم ظلمة. ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها وذهاب الآمال من أهله"=
". وهذا العنصر الأخير هو ما أعنيه بقتل العوامل الخمسة التي يتألف منها مثلث الإنتاج متساوي الأضلاع وقد ذكره ابن خلدون بتحديد عام.
علة اللجوء العودة إلى ابن خلدون
وقبل أن أواصل فلأشرح لم استعملت ابن خلدون: فاشباه المفكرين يدعون أن العودة إلى التراث عديمة الفائدة وأنه لم يعد صالحا لأن البشرية تجاوزته.
ونفس هؤلاء الأدعياء لا يعترون العودة إلى من عاش قبله بعشرين قرنا -ارسطو-رجعية لكن سخفهم يجعل العودة إليه والى ابن تيمية والغزالي عندهم رجعية.
وإذن فغايتي من استعمال ابن خلدون وغيره من علمائنا لا تولي أهمية لهؤلاء بل الهدف هو جعل الشباب يستعيد ثقته في نفسه ويعلم أن التقدم الإنساني أمر لا شك فيه لكنه لا يلغي إبداعنا.
كيف تغتال مقومات المثلث الخمسة
أعود إلى مثلثي: كيف يقتل مقوما كل ضلع من الضلعين الراكزين على القاعدة التي هي العملية الانتاجية وقمة المثلث التي تجعل المشروع منتجا عينيا.
فإذا كان سد الحاجة يتم بالاستيراد فإن فاعلية الدافع الاستهلاك وفاعلية العلاج الإبداعي للمبادرة توأدان: تقتل فاعية الاستهلاك الحاجة لأنها يستجاب لها بمنتج مستورد.
وعندما تقتل دافع الاستهلاك الداخلي بسده بالاستيراد يصبح المنتج الأجنبي الذي تستورد بضاعته وخدمته هو المتحرك وليس المنتج الأهلي فيصبح دورك تصدير العمل وتوريد البطالة لقواك المنتجة.
وعندئذ لن يبقى لمن له مهارة إدارة المشروعات ما يديره إلا الاقتصاد الطفيلي لتوريد البطالة ممن ينتج حاجتك وتصدير العمل إليه بما فعلت لغبائك.
ومن ثم لن يجد العامل المشترك في قمة المثلث أي اليد العاملة ما تعمل عدا تحميل البضاعة المستوردة في المواني والمطارات او دور النوادل للسواح.
وهذه الأعمال التي يحتقرها ابناء المجتمعات التي تتصور نفسها غنية تؤدي إلى استيراد عمال يعتبرون عبيدا فلا يبقى لأل البلد إلا البطالة والكسل.
سأكتفي بهذا وقد أعود إلى أبعاد أخرى غير الاعتماد على التوريد والتصدير بخصوص ما اعتبره ابن خلدون العلامة الأساسية لسقوط الدول: فساد النخب.
لكن ذلك لا يعني أني ضد الاستيراد أو أقول بالاكتفاء الذاتي المطلق -الأوتارسي-بل هو يعني أن الاستيراد يتعلق بالتبادل المتكافيء استيرادا وتصديرا حتى لا يؤدي إلى موت الانتاج المحلي ومعه الكفاءة شرطي التحرر من التبعية.
عوامل عميقة محددة لخصائص السوق
ولتكن خاتمة هذا الفصل الكلام في محددات السوق. فليس صحيحا إلا شكلا أن السوق يحددها العرض والطلب. ذلك أن هذين يحددهما قبل السوق الاستبداد والفساد.
ولهما كذلك محددات موضوعية غير التدخل الذي يعكس وظائف الدولة اي الاستبداد والفساد معا (عندنا) أو الفساد وحده (في البلاد الديموقراطية). فالعرض يتحكم فيه المتحكمون في الانتاج والتوريد.
وهما ليسا حرين لسيطرة أصحاب الاحتكار الخاص أو العام والأول مشروط بالثاني. لهذا يعتبر ابن خلدون أن للحكام يدا في الحرابة وهي من جنسه بعنف مادي.
وإضافة إلى الاحتكار نجد عكسه وهو الإغراق لتفليس بعض المنافسين باسعار بخسة للاستفراد بالسوق لاحقا. وهما نوعان من الحرابة اللطيفة في الظاهر وهما في الباطن أعنف من الحرابة.
ويوجد عامل موضوعي لا يتعلق بإرادة البشر وهو مضاعف: فرعه الأول هو قابلية البضاعة أو الخدمة لبديل منها قد يلغيها من السوق فيخسر أصحابها ويفلسون.
والثاني هو خصائص البضاعة. فبعضها لا يصمد طويلا لمفاعيل الزمن فيخاف صاحبه من فساده فيبيعه بالخسارة وخاصة الفواكه. والتصبير كما هو معلوم مكلف فيؤدي إلى احتكارها أو إلى كسادها لغلائها.
وكل هذه العوامل المتدخلة في السوق تبقى مع ذلك دون العامل الأخطر وهو مضاعف كذلك: دور الربا في إثقال التمويل ودور مقدار السيولة لدى صاحب المشروع في المحافظة أو عدمها على مشروعه.
فهذان العاملان يفسدان آلية السوق ولا يبقيان على صفتها بالحرة إلا بـمعنى لفظي لا حقيقة له: فكاهل المنتج قد يثقل إذا اضطر أحيانا للسداد العاجل فيبيع منتجه أو حتى مشروعه بثمن بخس.
أما دور المال السائل فيمثل حرية المنتج والمالك. فإذا وجد لصوص لهم سيولة متربصين بمن يمر بضائقة مالية فإنهم قد يشترون أملاكه بأبخس الأثمان (وليس بآلية حرية السوق كما يزعمون).
واستراتيجية تحين الفرص التي من هذا النوع غالبا ما تكون أصل الكثير من تداول الغنى والفقر بين الناس وهي من آليات السوق المغشوشة التي تشبه الحرابة.
وأخيرا فإن الكثير من التجارة-رغم التمييز الديني بينها وبين الربا-هي ربا مقنع لأن الحروز الدينية ضد تحولها إلى ربا وأحيانا إلى حرابة غائبة أو مغفول عنها.
وتبقى ثلاثة عوامل أخرى محددة للسوق بتحريفها حتى لا تكون بحق حرة فمحددة لقيم البضائع والخدمات وخاصة منذ أن أصبح النظام الاقتصادي عالميا.
وأولها وأخطرها هو احتكار مرجعية العملة في التبادل الدولي وهو ما يجعل أمريكا تستطيع أن تستدين بلا مقابل لأن عملتها غير خاضعة لمعيار فوقها.
يكفيها أن تطبع ما تشاء من الأوراق النقدية لأنها غير مستندة إلى بضاعة معيار واحد بالنسبة إلى الجميع مثل الذهب بل هي بضمانة أمريكا لا غير.
ولهذه العلة أوجب ابن خلدون أن تكون العملة مستقلة عن السلطة التنفيذية (السلطان) وتابعة للسلطة التشريعية (الخليفة) لمنع تزييفها رغم أنها بضاعة عينية الذهب والفضة وليست ورقية
والعامل الثاني هو النظام المالي وسلطان البنوك الذي يمكن أن يؤثر في السوق بتحديد قيمة الفائدة بصورة تفيد البعض وتضر بالبعض بسبب أثرها على السيولة.
والعامل الأخير هو مضاربات البورصة وهي يمكن أن تحط أو ترفع اصطناعيا في القيم المتداولة فتؤدي إلى الإفلاس السريع والثراء السريع للبعض.
فيكون وراء السوق التي توصف بكونها حرة كذبا آليات قد تتحول إلى نظام مافياوي يمكن أن يتحكم في عصب الدول أي الاقتصاد فيتحكم بالتالي في سياساتها ويستتبعها للماسكين بهذه الآليات.


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة