الثلاثاء, 28 يونيو, 2016 10:21:06 مساءً

أشبعونا بالأساطير الشعوبية ضد الدولة الأموية. لكن من يمعن النظر في التاريخ الإسلامي يجد أن أهم إنجازات المسلمين أموية مشرقية وأموية مغربية.
ولأبدأ بالأمر الأساسي. كيف استطاع شعب حدثت فيه ثورة مثل التي يمثلها نزول القرآن والخروج من الجاهلية أن يروض القبلية والكسروية والقيصرية التي كانت مسيطرة على ما أصبح الإقليم العربي الحالي؟
لم يكن ممكنا أن تحدث تلك الثورة من دون ردة كبرى-بعد الردة الصغرى- هي الفتنة الكبرى التي جمعت بين هذه الأدواء الثلاثة التفجيرية: الجاهلية والكسروية والقيصرية.
لذلك فالمعجزة الأموية هي تصفية ذيول الفتنة الكبرى وتحرير الأرض التي كانت خاضعة للجاهلية والكسروية والقيصرية في المشرق والمغرب كما هي الآن تقريبا.
فارض الخلافة لم تتجاوز مع حررته الدولة الأموية وما فتحته خارج المستعمرات الفارسية والبيزنطية لم تتجاوزها الدولة العباسية بل هي نكصت دونها.
ولم تمتد أرض الإسلام وراء ذلك إلا لاحقا بإسلام المغول وذلك أيضا من معجزاتها لأنها لو لم تكن قد وطدت إسلام ما حررته لما غُلب المغول والصليبيون.
أما رمز الحضارة الراقية والتي أصبحت مضرب الأمثال في فن العيش الدنيوي المشترك وفي الجمع بين الروحي والدنيوي والعلمي والجمالي فهي الأندلس أو أموية المغرب الإسلامي.
وهذه أيضا من معجزات الدولة الأموية المغربية بعد أن ظنت الشعوبية التي كانت في بداية الدعوة العباسية أنها قد أفنت الأمويين فكانت معجزة نسر قريش.
وكم شوهوا الحجاج. ونسي العرب فضله المضاعف: فلولاه لانفرط عقد دولة الإسلام بسبب ذيول الفتنة الكبرى والمؤامرات الكسـروية والقيصرية والشعوبية والنزعات القبلية.
ولولاه لما كنا اليوم نقرأ القرآن قراءة سليمة لأنه مبدع الشكل الذي حافظ على نطق القرآن ليس السليم نحويا فحسب بل والأمين لجيل معاصريه الأول.
وفي مقابل ذلك اشبعونا كذبا بخوارق يبرأ منها آل البيت إن كانوا حقا منهم. فالخليفة الرابع لا يمكن أن يكذب فيؤله نفسه ولا أبناؤه أو أحفاده.
ومهما قيل عن بطولاته فإن التاريخ لا يشهد بأنه كان من أبطال الفتح ولا يذكر التاريخ أنه قاد جيش الإسلام أو كتب الوحي بل كان أحد الصحابة المرموقين.
لم يكن له فضل على غيره من الصحابة بل كان مثلهم وهذه منزلة ليست هينة. فهو من المهاجرين الأول فضلا عن كونه أسلم وهو حدث وظل وفيا للرسالة.
لم نسمع في أي رواية محترمة أنه جادل في أحقية من تقدمه في الخلافة ولم نسمع أنه ادعى الحكم بالحق الإلهي بل هو بويع مبايعة حرة مثل المتقدمين عليه.
لذلك فعلي وأبناؤه سنة وليسوا شيعة. وهم لا يؤمنون باستبداد الوساطة الروحية (الكنسية المجوسية) ولا بالحكم بالحق الإلهي وهذه أيضا كسروية مجوسية.
وما قرأت أبدا نصا سنيا يطعن في سنية آل البيت أو يزعم تشيعهم أو يحط من قدرهم رغم كل ما يقوله المغالون فيهم وهم أبرياء مما ينسب إليهم من كذب عليهم وتحيل.
ولا يوجد بين الشيعة عامة ومتطرفيها خاصة من يحبهم لذاتهم بل هم للتوظيف. لا يحبهم لذاتهم ولقرابتهم من الرسول إلا السنة حبا لوجه الله وفي الله دون توظيف.
ولأعد إلى المعجزة الأولى للدولة الأموية التي بدأت في الشرق: فالمشرق كان مقسوما بين الجاهلية وفارس وبيزنطة ومثله كان سكان الإقليم والعرب خاصة.
والمغرب كله بما فيه اسبانيا كان تابعا لبيزنطة. وكل سكانها عربـا أو من نفس المحتد السامي ومن ذوي الألسن المتقاربة. الأموية الأولى حررت ذلك كله.
وجيوش الفتح لم تكن إلا شباب هذه البلاد الذين شعروا بأنهم فعلا تحرروا وأعتقوا فصاروا فرسان الفتح محرري أنفسهم من الاستعمار الفارسي والبيزنطي من أوثان الجاهلية.
أما نسبة بداية حركة الترجمة وتحصيل العلوم اليونانية للدولة العباسية فهي كذبة شعوبية. فترجمة الرياضيات والفلك والطبيعيات والطب والاستراتيجيا بدأت معها وتطورت خلال حكمها.
صحيح أنها ازدادت تطورا في الدولة العباسية وأصبحت أكثر انتظاما وهذا أمر طبيعي فالذي يزرع ليس بالضرورة هو الذي يحصد. ندين للزارع أكثر مما ندين للحاصد.
ويكفي الدولة الأموية أن عبد الملك بن مروان حقق شرطي السيادة الفعلية للدولة الإسلامية. فقد جعل العربية لغة العلم العالمية الثانية بعد اليونانية وقبل اللاتينية تاريخيا وصك دينار العرب.
ولا سيادة من دون لغة علم عملة مستقلتين. والدولة العباسية تآمرت على الأموية المغربية مع شارل مانيو لكن هذا قلد المغربية في المؤسسة التعليمية.
وأخيرا فإن التاريخ الإسلامي قد شُوه كما نرى الحاضر الإسلامي يشوه. تتهم السنة بكل الرذائل وهي أصل كل الفضائل لأن الرذائل هي حقد المنتقمين من العرب.
ويكفي أن تسمح منادبهم وسبابهم لأفاضل بناة الإسلام وخاصة الصحابة وحتى تكفيرهم بل إن توظيف آل البيت في هذه المهمة القذرة هو بدوره حط منهم وتحقير: اعتبارهم مجرد أداة وخدعة سياسية.
ولكن أليس في ما أقول هنا تناقض مع ما قلت في كلامي على فرادة الثورتين اللتين أنسبهما إلى الرسالة أعني الحرية الروحية والحرية السياسية (الفصول العشرة التي صدرت منها)؟
أليست الدولة الأموية دولة استبدادية وفاسدة ووراثية؟ كل ذلك صحيح ومع ذلك فالتناقض ينبغي أن يفهم من حيث طبيعة العلاقة بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ.
وقبل بيان دور هذه العلاقة فلأبدأ بأمرين. أولا لو كان الرسول يشك في أخلاق معاوية لما استكتبه القرآن. وثانيا لو كان الفاروق يشك في سياسته ما أبقاه واليا على الشام. فمن عزل خالد لا يعييه عزل معاوية.
30-كان الرسول يعلم أن الأمة فهمت شروط الاستخلاص التي تحققت بختم القرآن وتربت عليها. لكنها لم تحقق شروط الاستعمار في الارض الذي له نوع ثان من الرجال.
31-فلا أحد ينكر أن خالد كان عنيفا وكان قائدا مبدعا. وكانت المرحلة مرحلة الانتقال من تحقيق شروط الاستخلاف (القرآن والسنة) إلى تحقيق شروط الاستعمار في الارض.
وهذا يحتاج لقائد عسكري ولقائد سياسي بصفات خاصة: عبقرية عسكرية وعبقرية سياسية. وقد عينهما الرسول فعلا (خالد) ورمزا (معاوية) فتم ما كان الرسول يدركه بما وهبه الله من توقع للمستقبل.
وكان ذلك يقتضي قبله قيادات سياسية تحافظ على نواة الدولة الجامعة بين الاستخلاف والاستعمار في الارض: دولة الخلفاء الراشدين. ثم بعد ذلك تتميز الوظيفتان.
وبذلك يفسر ابن خلدون تغير نظام الحكم الإسلامي. فهو أصبح بعد الخلافة الراشدة نظاما جامعا بين مبدا القبلية ومبدأ الكسروية ومبدأ القيصرية مع عامل تعديل أعلى هو مبدأ الرشد على الأقل كنموذج.
لكن مبدا الرشد الروحي والسياسي لا يتحقق إلافي التاريخ ومن هنا التعارض الظاهر بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ. إيقاعهما الزماني مختلف.
36-ذلك أن إيقاع التاريخ يحدده أساسا مقتضيات الاستعمار في الأرض وهو سياسي واقتصادي وعسكري لتحقيق عاملين حددتهما سورة قريش: "آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع ».
ما أتكلم عليه في فرادة القرآن وتحقيق ثورتي الحرية الروحية والحرية السياسية يتعلق بالمرحلة الثانية من تاريخ الأمة أو مرحلة الاستئناف الآن.
بعد ما مر من تاريخنا وما تحقق من شروط الاستعمار في الأرض تحققا يجعل الأمة قد تجاوزت الحاجات الأولية إلى ما يجعلها تشرئب لمنزلة الاستخلاف.
وهذه الشروط هي الجغرافيا وثمرتها سد الحاجات المادية والتاريخ وثمرته سد الحاجات الروحية وباجتماع هذه المقومات الأربعة تتحقق قيم المرجعية (القرآن والسنة).
وختماما فإن القرون الماضية كلها هي مسار تحقيق شروط الاستعمار في الأرض بفضل البداية الأموية والمستقبل كله هو السعي لتحقيق شروط استئناف الاستخلاف الراشدي.
ولا طموح لي غير المساهمة بقدر الوسع في إعداد الشباب للشروع في تحقيق شروط الاستئناف الذي يستفيد من نجاح الاستعمار في الأرض للاستخلاف الراشد.
آباؤنا وأجدادنا كانوا ساعين لتحقيق شروط الاستعمار في الأرض وقد نجحوا إلى حد لا يكاد يصدق (يكفي النظر في خارطة المعمورة) وفي أذهانهم حلم تحقيق شروط الاستخلاف لأنهم جميعا يؤمنون بنموذج الراشدين وقيمهم.
ونجحوا أحيانا في تحقيق قيم الاستخلاف-ولنا مثال الخليفة الخامس-لكن ذلك كان نادرا. والأمر مفهوم. فلا بد من النضوج: فالثورتان الروحية والسياسية سابقتان جدا للعصر.
منذ بداية الثورة الشبابية بـ"إذا الشعب يوما أراد الحياة" بدأ الإنسان المسلم يشعر بأنه مستعد للانتقال من الاستعمار في الأرض إلى الاستخلاف فيها.
لذلك لم يكد يمر يوم لم أكتب فيه شيئا متعلقا بالثورة من قريب أو من بعيد. فلا بد للأمة من مراجعة مرحلة شبه الاقتصار على الاستعمار لتحقيق الاستخلاف: وذلك هو مطلوبي في كلامي على فرادة القرآن.


قضايا وآراء
غريفيث