اللجنة الأمنية بتعز تصدر 14 قرارا مهما     منظمة دولية تدعو الإدارة الأمريكية لوقف مبيعات الأسلحة للإمارات     انهيار متسارع للعملة اليمنية مقابل العملات الصعبة واستفادة مباشرة للحوثيين     جلسة استماع للصحفيين المفرج عنهم من سجون جماعة الحوثي بمأرب     وزير الخارجية اليمني: استقرار اليمن من استقرار المنطقة بالكامل     منظمة دولية: استهداف الحوثيين للأحياء السكنية بتعز ترتقي لجريمة حرب     منظمة دولية تدعو الحوثيين للإفراج الفوري عن صحفي يمني     إحصائية جديدة .. وفاة نحو 233 ألف يمني بسبب الحرب في اليمن     افتتاح مخيم الوفاء الخيري لذوي الاحتياجات الخاصة بمأرب     مرخة العلياء الحلم الذي أصبح حقيقة     مجزرة جديدة للحوثيين بتعز تخلف قتلى في صفوف الأطفال والنساء     تنديد واسع بعنف الشرطة الفرنسية على مصور من أصول سورية     كلمة الرئيس هادي بمناسبة 30 من نوفمبر     محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام     مصرع قيادي كبير في تنظيم القاعدة في كمين بأبين    

الثلاثاء, 28 يونيو, 2016 12:13:12 مساءً

هذا قسم من دراسة كتبها الاستاذ بمناسبة تحول المرحوم حسنين هيكل إلى خبير في السياسية الدولة لدى الجزيرة بعد محاضراته التي القاها وخرف فيها كما عن له أن يخرف. والتعليق هنا يخص ما قاله قبيل القمة التي انعقدت في الدوحة في ترتيب القيم العادية قبل الثورات العربية يعني منذ عقد.
أعيد نشره بعد مشورة الأستاذ لأهمية التذكير بالفكر العقيم الذي مهد لسيطرة إيران الإقليمية وربح قلوب الشعوب بتواطوء بين من النخب الأجيرة من خلال خدعة المقاومة والتضامن اللفظي مع قضية فلسطين وادعاء الحرب على المستكبرين باسم المستضعفين.
مسألة البحث
سؤال أريد فحصه بدقة لتمحيص فكر هيكل الجيواستراتيجي المزعوم : هل نصيحة الحلف مع إيران تدل على حس سياسي حقيقي وعلى فهم عميق للسياسة الدولية وتوقع مستقبليات التاريخ الكوني ؟ أم إن الحلف الذي ينصح به هو حلف مع صف سيتبين في المدى المنظور أنه الصف الخاسر تماما كما حصل للحلف الأول مع الاتحاد السوفييتي الذي كان من مؤيديه؟
وهذا السؤال يطابق تمام المطابقة ما أطلبه من ضرورة: تحليل ما يتصوره هيكل فهما لمجريات السياسة الدولية وهو مجرد إسقاط لتصورات الحرب الباردة دون اعتبار لما أدى إلى ما آلت إليه. فقد نصح الأستاذ هيكل قادة الدول العربية الذين قد يلتقون في القمة المقبلة بأن يتحالفوا مع إيران بحجج أريد أن أفحصها لأبين أن ما أصف به اجتهاداته ليس فيه تجن عليه. وهذه الحجج تنقسم إلى جنسين بحسب ما تهدف إليه:
الأول: يهدف إلى التشكيك في اتهام العرب سياسة إيران مدعيا أن هذه التخوفات دليل على بلادتهم وسخف فكرهم السياسي.
الثاني: يهدف إلى بيان العلل التي يبرر بها الحلف مع إيران ضد إسرائيل وأمريكا في استرداد دور مصر والعرب في الإقليم.
القضية الأولى
خطر إيران على العرب والمسلمين وهم أم حقيقة؟
وبصورة أدق: هل توجس القادة العرب من إيران مجرد وسوسة علتها خوفهم على كراسيهم فحسب كما يزعم هيكل أم هي في الحقيقة بداية وعي بالبعائد من محددات القوة الحقيقية للأمم (حتى وإن كنا لا نستثني الخوف عن الكراسي وهو أمر طبيعي ويمكن أن أحيانا أن تتوافق مصالح الأنظمة القريبة مع مصالح الأمة البعيدة) ؟ لو قلت من البداية إن كل حجاج هيكل الذي يفسر نجاح إيران وفشل مصر بما يسميه القوة الناعمة يرد إلى الاستهانة بمعناها لما صدقني أحد. سيعترض علي: كيف لمن يفسر النجاح والفشل بالقوة الناعمة أن يكون مستهينا بها أو غير فاهم لمعناها ؟
والجواب عن هذا الاعتراض هو الذي سيبين السطحية التي يعيش عليها فكر من يتصور تكديس الوثائق بديلا من تحليلها وفهم منطقها: هيكل يستعمل مفاهيم ولا يذهب بمدلولها إلى غايته ومن ثم فهو يقع في المحظور العقلي أعني يدلل بعكس ما يقصد. ذلك أن الرجل يغالط فيتكلم على القوة الناعمة دون تحييز في السياق: فالقوة الناعمة ليست من جنس واحد بل هي متغيرة بحسب السياقات فقد تكون دينية وقد تكون فلسفية وقد تكون من الإغراء المادي أو المعنوي.
لذلك فلا بد من التحييز في السياق: فإيران تستعمل قوتين ناعمتين متمازجتين اجتمعتا عندها لأن أمثاله من المستشارين فرقوا بينهما عند العرب عامة وفي مصر خاصة لما كانت تسعى إلى تزعم الحركة العربية. ما ينعيه على مصر من فقدان للقوة الناعمة هو ما نتج عن قتلها النسقي في مصر لما كان هو مستشارا فحكمت القيادات ذات النظر القصير على مصر بالفشل الدائم ومن ثم باختيار الصف الخاسر في تحالفاتها.
نعم إيران تبدو ناجحة بقوة ناعمة. ولكن هل سأل هيكل عن القوة الناعمة التي تستعملها إيران ما هي ؟ وعن القوة الناعمة التي فقدتها مصر ما هي ؟ طبعا كل ذلك يبقى مسكوتا عنه لأنه لو حدده لتبين للجميع أن تحليلاته كلها مبينة على أغاليط ولا أقول مغالطات لأني لا أتهم النوايا بل أحكم على النتائج. والسؤال الجامع بين السؤالين هو: لم كانت القوة الناعمة الإيرانية لا تخيف الغرب ولا تؤثر إلا في الوضع العربي؟ أليس لأن ما يخيف الغرب هو ما تستعمل ضده هذه القوة الناعمة ومن ثم فهي تستعمل لمنع تكون القوة الحقيقية في المستقبل المنظور على حدوده وضد إسرائيل ؟
الكل يعلم أن إيران اجتمعت لديها قوتان ناعمتان تجاوزهما الغرب: القومية (التفرس) والطائفية (التشيع). وكلتاهما قوتان يعلم الجميع أنهما أمر تجاوزه التاريخ الكوني عامة والغربي خاصة بل إن التاريخ الكوني الأوروبي لم يبدأ في التحقق للاستعداد إلى القوى الكونية التي من حجم الصين والولايات المتحدة والهند وروسيا المنبعثة من حولها إلا بتجاوز الطائفية والقومية. لذلك فهذه القوة الناعمة الإيرانية بقدر ما هي قوية لمنع الاستقرار في الأقطار العربية والوحدة العربية بين الأقطار في إطار الجامعة بقدر ما هي إلى زوال قريب فلا تخيف الغرب خاصة وهي ستحقق هاتين الغايتين اللتين يسعى إليهما أعني الغايتين اللتين ستضمنان البقاء الحقيقي لإسرائيل بعد أن يصبح الكل من حولها دول طوائف وفسيفساء قوميات متداخلة في حرب دائمة أي كما يحدث في الصومال وأفغانستان.
والعجيب أن هيكل يتجاهل أن إيران نفسها ليست فارسية كلها وأنها هي أيضا فسيفساء من الطوائف والقوميات وأن هذا الغول أو القوة الناعمة التي تحفر بها قبر الدويلات العربية والجامعة العربية سيستعملها الغرب كذلك –في الوقت المناسب طبعا بعد أن تقوم بما ينتظر منها-ليحفر بها قبر إيران أيضا فيحل بها ما نراه يجري حاليا في باكستان وقبلها في العراق وربما في تركيا لاحقا.
وعلي الآن أن أبين علة فاعلية القوة الناعمة الإيرانية أعني القومية والطائفية في البلاد العربية أو بصورة أدق لماذا هي أخطر على العرب من إسرائيل وأمريكا في المدى المباشر والبعيد لأني لست ممن يمكن أن يخيفه سيف ديمقليس أعني تهمة العمالة لهما للسكوت عن الخطر الخفي والأبعد غورا دون نفي الخطر الأمريكي والإسرائيلي الذي هو بين للعيان ولا يحتاج إلى تحليل عميق لإدراكه؟
لو انتبه المستمع إلى كلام هيكل عن القوة الناعمة لأدرك أنه يتكلم عليها وكأنها تفعل من دون الخضوع إلى منطق يخصها ومن دون سياق يحدد طبيعة فاعليتها. إنه يتجاهل ولعله يجهل منطق العلاقات بين القوى أو لعله يتصورها تفعل دون قوانين فتجري كما اتفق بصرف النظر عن السياق. لا بد إذن من أن نفهم قانون الفاعلية الذي يحكم القوة الناعمة بمقتضى السياق.
إن أمريكا وإسرائيل يستعملان دون شك قوة ناعمة مضاعفة تختلف تمام الاختلاف عن القوة الناعمة التي تستعملها إيران. فقوتهما الناعمة مردها إلى الإغراء الناتج عن ثمرات النمو الاقتصادي الموعود أو الرفاهية المادية وثمرات النمو الخلقي الموعود أو الحريات وحقوق الإنسان. ولهذه القوة الناعمة مزيتان تجعلان فاعليتها ليست مما ينبغي للعرب أن يخافوه:
1-فهي أولا لا تحقق أهدافهما إلا في المدى البعيد بحيث إن التصدي لها ليس من المستعجل الحاسم ويمكن التدارك في كل الحالات إذا كان الهدف المرجو قد تبين معارضا للمصلحة العربية العليا فضلا عن كونه يمكن أن يصبح عامل قوة لمن استعمل ضده.
2-وهي أهداف عند تحقيقها لن تكون لصالح مستعملها وحده بل هي ستكون لصالح الأمة العربية وذلك لأن مجرد الحضور المادي للعدو صاحب هذه القوة الناعمة حضور دافع إلى الوحدة حتما لما في سلوكه من عدوان مباشر على الحدود والوجود.
وقانون أثر القوة الناعمة الذي نريد إثباته يمكن صوغه كالتالي: فقوة عدوك الناعمة تكون أكثر تأثيرا كلما تظاهر صاحبها بعدم اللجوء للقوة الغليظة وكلما كانت قوته الناعمة من جنس قوتك الناعمة بحيث ينافسك في سر وجودك. وذلك لأن القوة الخشنة تعطل مفعول القوة الناعمة ومن ثم فلن تكون قوة أمريكا وإسرائيل الناعمة رغم كونها ممثلة للمستقبل أمرا مخيفا بالنسبة إلى كل عاقل: المخيف هو البدائل المزيفة منها وليست هي بذاتها ومعنى ذلك أنك يمكن أن تزيل الخطر بتحقيق عكس ما يهدف إليه العدو كأن تحقق الديموقراطية الفعلية ردا على الديموقراطية الزائفة التي يريد محاربتك بها كقوة ناعمة.
أما إيران فتستعمل قوة ناعمة مضاعفة من طبيعة أخرى مختلفة تمام الاختلاف. إنها ثمرات التأويل الفاسد لماضي الأمة بهدف إحياء الأحقاد بين طوائفها وتمرر ذلك بالتحدي الكاذب للقوتين الأوليين لربح المخيال الشعبي علما وأن هاتين القوتين تتركانها تلعب هذه اللعبة لما لهما من مصلحة في منع الخطر الحقيقي على مصالحهما أعني تحقق النهضة العربية قلبا للصحوة الإسلامية. عامل التحدي هدفه تمرير عامل الفتنة بين المسلمين وخاصة في الوطن العربي للقضاء على كل وجود للدولة القطرية الضامنة لشروط النهوض وكل إمكانية لتحقيق التعاون بين الدول القطرية لتحقيق ما حققته أوروبا من وحدة تجاوزت القوميات والطائفيات. ولعمري فإن الجميع يعلم أن إيران في الخفاء لا تني عن مغازلة أمريكا وإسرائيل لعلتين:
أولا لخوفها على نظامها الذي هو مناف لروح العصر
وثانيا للطمع في دور تؤديه في ما تتصوره أرضا خلاء.
والغريب أن جل المفكرين العرب لا يتوقفون عن وصف ما يجري في العالم العربي بالخلاء والضعف في حين أن أي قطر من أقطار الوطن العربي بفضل التنافس حتى بينها بات يحقق ما يمكن أن يجعل الأمة العربية في منتصف هذا القرن قوة عظمى من حجم الهند حاليا إذا تطورت العقليات فتحقق التكامل العربي. والغريب كذلك أن هذه النخب الغبية تتجاهل أمرا يفقأ العينيين ببينونته. فالعرب عامة والعرب السنة خاصة هم الذين يحاربون أمريكا وإسرائيل وهم الذين هزموهما حيثما هزمتا لكنهم ينسبون النصر بذهنية التحريف والتزييف في كل شيء إلى إيران التي تكتفي بتشويه المقاومة السنية ووصفها بالإرهابية والتكفيرية: فصارت هزيمة أمريكا في العراق إرهابا وتسليم جنوب لبنان للحلف الأطلسي مقاومة.
والحقيقة أن الجميع يعلم أن الإرهاب الحقيقي ليس سنيا بل هو كان ضد السنة وأنه لم يبدأ اليوم وأن طبيعته شيعية بالجوهر: فهو بدأ مع الحركة الشيعية وما انفصل عنها منها أو الحركة الخارجية المتطرفة منذ الفتنة الكبرى. والسؤال الآن هو لماذا كانت هذه القوة الناعمة المزيفة مؤثرة في البلاد العربية ؟ هنا يأتي دور هيكل والحكم الذي كان هو من مستشاريه الكبار: فهم مثلهم مثل حزب البعث العربي –في الحقيقة الطائفي الماركسي-حاربوا قوة العرب الناعمة طيلة أكثر من نصف قرن باسم الصراع الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والتحديث جاعلين القومية العربية والتحديث حربين على الإسلام.
وهذا الإسلام الذي حاربوه وحيدوه في كل أوجه الحياة هو الذي توظفه إيران اليوم فتبدو للشعب الغافل وكأنها حامية للإسلام في حين أنها تنخره من الداخل بإعادة عقارب الساعة إلى ما يسمونه يا لثارات الحسين تماما كما فعلت بحزب آل البيت: فهي نخرته من الداخل وحولته إلى حصان طروادة حتى تثأر لكسرى أنو شروان. وفي هذه الحرب على الإسلام تحالفت الحركة العربية التي تسمي نفسها قومية مع الصف الخاسر أعني مع الاتحاد السوفياتي. فكانت النتيجة ما نرى: مصر خرجت من الحركة التاريخية لأنها أخرجت محركها الفعلي أعني الإسلام الذي صار أهله يحتمون بأعدى أعدائه أي التشيع الإيراني. انهارت كل هذه الأنظمة العربية التي حاربت مبدأ قيامها وقوتها الناعمة بانهيار الاتحاد السوفياتي الذي عمل كل ما ينبغي حتى يقضي على مقومات الوجود المستقل فجعلها هشة تكفي هبة نسيم لتقلب سافيها على عافيها.
واليوم يدعونا حسنين هيكل إلى نفس اللعبة بالتحالف مع الصف الخاسر في وقت منظور. وهو لا يعي ذلك لأنه لا يدري أن العنتريات الإيرانية التي لا يتوقف عن مدحها ليست إلا خلبا وهي لا تختلف في شيء عن انتصارات الاتحاد السوفياتي في لحظات احتضاره. ولا فرق بين خروتشاف الذي ضرب منصة الأمم المتحدة بحذائه وعنتريات نجاد: كلاهما يعبر عن الحقيقة التي هي الشعور بالخوف من المستقبل والزوال الحتمي لما ينافي روح العصر. وإيران تنافي العصر مرتين بخلاف الاتحاد السوفياتي:
فالاتحاد السوفياتي كان نظامه منافيا للغرب بالمقابل مع قيم الغرب الرأسمالي فحسب أعني مع الرفاه المعنوي أو الحريات والرفاه المادي أو الخيرات الاستهلاكية.
أما إيران فتنافيه مرتين: الغرب الحديث أعني أوروبا الإصلاح الديني أو عدم الاستناد إلى البابوية والغرب الحالي أعني الغرب الرأسمالي أي الحريات والرفاه المادي.
وبهذه المعايير فالعرب هم أقرب من إيران للقيم الحديثة بما لا يقاس حتى لو اكتفينا بأقل العرب تقدما حضاريا معنويا أعني بلاد الخليج لأنها على الأقل من حيث الحضارة المادية هي ألف مرة أكثر تحديثا من إيران خاصة إذا تمكن العرب من الجمع بين ما لديهم من ثروات مادية اجتمعت عند من ليس لهم القدرات البشرية ومن لديهم القدرات البشرية وليس لهم الثروات المادية. ومن ثم فالتوجس من إيران علته تكمن في هذين الأمرين:
1-افتكاك قوة العرب الناعمة بسبب غباء القيادات التقدمية المزعومة وهيكل من مستشاريهم الكبار وهو يستهين بالدين دائما ومع ذلك يتكلم عن قوة إيران الناعمة: هل لإيران قوة ناعمة مغرية غير الدين المحرف في الشطحات الشيعية ؟
2-افتكاك قوة العرب المادية بسبب هذا الانفصال بين وجود الثروة العربية حيث تقل السكان ووجود السكان حيث تقل الثروة العربية ؟ فإذا ضمت إيران العراق والخليج والشام ماذا يبقى للعرب؟ وأي قوة ناعمة أو خشنة يمكن أن ينصح بها هذا الهيكل مصر حتى تستعيد دورها ؟
لم يسأل هيكل هذا السؤال الضروري: هل إيران مستعدة حقا للتحالف مع العرب أم هي طامعة في ضم الضفة الغربية من الخليج بعد أن ضمت العراق جهرا وبقية الهلال سرا حتى لو سلمنا له بأن مصحلة العرب هي في التحالف مع أضعف حلقات المنطقة بخلاف ما يتصور؟
لكن كل من يفهم حقائق التاريخ يعلم أن إيران في شكلها الحالي إلى زوال بمجرد أن تنهي دورها الذي ينتظره منها الغرب وهو سينهيها بنفس الآليات التي تستعملها الآن أعني بالطائفية والقومية لأنها هي بدورها فسيفساء من القوميات والطوائف حتى وإن كان الآن يغازلها ويمدح الحضارة الإيرانية: إنه لمن العجائب أن تصبح الحضارة الإسلامية نهبا يلغى منه الدور العربي وينسب إما إلى اليهود أو إلى الفرس في كل المصنفات التي تمدح الحضارة الإسلامية وكأنها ليست عربية بل يهودية في الغرب (الأندلس خاصة) وإيرانية في الشرق (العراق خاصة).
أما المهمة التي كلفت بها بوعي أو بغير وعي فهي القضاء على القوة المخيفة لأوروبا وإسرائيل أعني الوطن العربي المحيط بثلاثة أرباع الأبيض المتوسط والفاصل بين القارات الثلاث وبين قطبي العالم المقبلين أعني الصين وأمريكا من جهة المحيط الأطلسي بحيث إذا لم تمنع الوحدة العربية فلن يبقى لهما إلا الوصلة الثانية من جهة المحيط الهادي.
ولاختم هذه المسألة الأولى بتحديد دقيق لهدف إيران قصير النظر لكونه في الحقيقة هدف أمريكا وإسرائيل: إنها تسعى لجعل كل الأقطار العربية مثل لبنان تحكمه بالعنف الأقلية الشيعية التي تسلحها لتقضي على شرط شروط التقدم أعني الدولة التي تحكم بالقانون وليس حكم العصابات المسلحة. ونحن نرى ذلك بصدد التحقق بسبب غباء النخب العربية التي صار هيكل فيلسوفها وصار بعض الصحافيين في الجزيرة فقهاء في السياسة والإستراتيجية بعقلية البدو الذين لا يميزون بين الفزات والعنتريات والقوة الحقيقية حتى صاروا يتصورون:
أن من لم يصنع بعد قنيبلة يمكن أن يخيف من يملك منها مائتين (إسرائيل) فضلا عمن يملك منها الآلاف (أمريكا).
وأن علماء عقاب الزمان في إيران سيغلبون علماء الغرب مع العلم أن إيران لا تملك ما يمول مشروع علمي واحد من حجم ما تحققه دويلة غربية فضلا عما اجتمعت له كل أوروبا.
القضية الثانية
علل الحلف مع إيران ضد إسرائيل وأمريكا لاسترداد دور مصر
إذا كان سوء الفهم في علاج المسألة الأولى هو عدم فهم طبيعة القوة الناعمة المؤثرة كيف تكون فإن سوء الفهم في علاج هذه المسألة هو عدم فهم العلامات التي يظنها هيكل وكل المحللين نصرا لإيران ولمن يسمون أنفسهم بالممانعين وهي في الحقيقة نذائر الهزيمة النهائية تماما كما حدث بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي والنازية والإمبراطورية اليابانية.
نسوا ممانعة كل العناتر السابقين من ناصر إلى صدام عندنا إلى هتلر وإمبراطور اليابان قبل الحرب العالمية الثانية إلى كل زعماء الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. لم يفهموا أن دهاة الغرب يطبقون قانون مصارعي الجودو: استعمال قوة العدو لجعله يهدم نفسه بالصبر عليه وتركه يذهب إلى غايته في تهوره وغبائه. نسوا أن الاتحاد السوفياتي لم يسقط بحرب عسكرية شنها الغرب عليه بل بأمرين لو كان هيكل حقا يحلل ما يتلاعب به من وثائق ولا يغرر بالأمة لكان داريا بمعاني ما يقول:
الأول المهادنة وحتى التحييد بما يسمى التعايش السلمي ليفقد الفزة البدائية الناتجة عن الحماسة الإيديولوجية يفقدها قوة الدفع فترتد على نفسها وتهدم ذاتها خاصة إذا صاحبها تحريك الخلافات الداخلية بين الإصلاحيين أو المحرفين والمحافظين.
الثاني التسابق في التسلح مع الحرب الناعمة ببعديها أعني إغراء الرفاه المادي والرفاه المعنوي أو الحريات والحقوق للأقليات تحقيق الغليان المؤدي إلى الفوضى (الخلاقة). حلم الشعوب التي كانت تحت الاتحاد السوفياتي بالرفاه المادي والمعنوي وإفلاس الاقتصاد السوفياتي هما اللذان أسقطاه وليست الحرب.
وكل من سمع خطابات الغرب منذ النصف الثاني من عهدة بوش الثانية وقرأ تقرير اللجنة المشتركة بين الحزبين الأمريكيين اللجنة التي نصحت بالانفتاح على سوريا وإيران-وقبل أن يأتي أوباما-يعلم أن إستراتيجي الغرب مروا إلى المرحلة الثانية من الإستراتيجية القتالية أعني استبدل الصدام المناجز بالصدام المطاول للقضاء على قوة العدو بالمهادنة وحتى بالدعوة للتعاون حتى تؤدي القوة الناعمة دورها مع فرض التنافس التسلحي عليه بصورة تجعله يفلس فينهار من الداخل: أوباما لم يأت بسياسة جديدة بل هو بدأ تحقيق ما خططت له إدارة أمريكا الحقيقية التي هي وراء الحزبين والإدارات المتوالية.
وقد سبق ان قلت مرة معلقا على تقرير المخابرات الأمريكية حول توقف البرنامج النووي الإيراني المزعوم منذ 2003 فبينت أنه لم يكن كما يزعم البعض مناورة أمريكية لمنع الحرب على إيران لأنها لم تكن في يوم من الأيام حلا جديا بل هو كان بداية نفس السياسة التي طبقت مع الاتحاد السوفياتي: إدخاله في نوع من التعايش الذي يبدو سلميا لتمكين القوة الناعمة الغربية من تحقيق أثرها وإفقاد القوة الناعمة الإيرانية زخمها بسبب ما سيحصل من حرمان مادي ومعنوي لدى الأجيال الإيرانية وتلك هي في الحقيقة شروط الضربة القاضية.
فعندما توقف اندفاعة المتحمس بالتخدير الإيديولوجي وتحول دونه والفعل الخارجي بالقوة الخشنة تتفاعل القوتان الناعمتان فتكون القوة الممثلة للقيم المستقبلية أكثر تأثيرا من القوة الممثلة للقيم الماضية فيرتد على نفسه ويتآكل إلى أن ينهار. تلك هي السياسة الجديدة التي بدأها الغرب مع إيران وحلفائها العرب مع ما ينتظره منها من جعل محيطها شبيها بما فعل الاتحاد السوفياتي بمحيطه: يصبح مستعدا لأن يكون محميات غربية طمعا في الرفاه المادي والمعنوي.
لكن كيف يعلل هيكل دعوته للحلف مع إيران وهو غافل عن كل ذلك رغم كونه قد عاصر إستراتيجية القضاء على الاتحاد السوفياتي وساهم في القضاء على الحركة العربية بتأييد الحلف معه بوصفه الصف الخاسر؟ لا حاجة لتفكير عميق: إنه يعللها بما كان يعلل به دعوته للتحالف مع الاتحاد السوفياتي. ولا تعجب إن أمد الله في عمره بأن تسمعه يتهم العرب بأنهم سبب انهيار الاتحاد الإيراني كما اتهمهم بأنهم كانوا سبب انهيار الاتحاد السوفياتي لأن بعضهم لم يتبعه في الحلف معه وفضل الحلف مع أمريكا.
العلة الأولى: إيران جار دائم وليست مثل إسرائيل قوة وافدة. وهذه العلة من عجائب الفكر الاستراتيجي والتاريخي فضلا عن كونها كاذبة في طرفيها. فكل واحد منهما يعارض الآخر: إذا كان هيكل يبرر ما تفعله إيران بكونها إمبراطورية سابقة في الإقليم فالمفروض أن يبرر ما تفعله إسرائيل بنفس التعليل. فهي أيضا كانت إمبراطورية في فلسطين حتى وصل سلطان الملك سليمان إلى اليمن إلا إذا كان هيكل يكذب بكل ما يخبر به القرآن. حجة التاريخ المتقدم على الإسلام تصح في الحالتين وهي ضد كل تحليلاته.
لكن لو فحصنا معطيات القضية بموضوعية لكان ينبغي لنا أن ندرك أن إيران وإسرائيل كلاهما يسعى إلى نقض التاريخ الإسلامي الذي تجاوز الإمبراطورية الإيرانية وبقايا الإمبراطورية الإسرائيلية ليعيدوا المنطقة إلى ما قبل الإسلام سواء ما قبل زوال الإمبراطورية الفارسية أو ما قبل زوال الإمبراطورية الإسرائيلية: وفي ذلك يتحد هيكل معهما لأنه يتلكم على القوة الناعمة ولا يشير لا من بعيد ولا من قريب إلى أن القوة الناعمة الوحيدة عند العرب هي الإسلام ولا شيء دون الإسلام إن كانوا حقا يريدون العودة للتاريخ الكوني فاعلين لا منفعلين.

ولا فرق عندئذ بين الموقفين الإيراني والإسرائيلي إلا من ناحية واحدة: وهي أن المشروع الإسرائيلي أقل خطرا على الإسلام الذي هو قوة العرب الناعمة من المشروع الإيراني لأن الأول يقوي لحمة المسلمين والعرب والثاني يقضي عليها. لن تجد عربيا أو مسلما واحدا يتحول إلى اليهودية أو الصهيونية لكن من اليسر أن تجد الكثير من الأغبياء يتصور نفسه وجد الحقيقة الإسلامية فعاد إليها بأن أصبح شعوبيا يعتبر أبا بكر والفاروق منافقين وأنو شروان وقاتل عمر بطلين.
ولاختم الكلام في هذه العلة الأولى بملاحظة قد تفهم القارئ علة الموقف الهيكلي المعجب بالمشروع الإيراني: إنه يحلم بمشروع فرعوني يعيد إلى مصر دورا في التاريخ الكوني مستمد من موميات الأقصر. فهو أيضا من دعاة العودة إلى الإمبراطورية الفرعونية ومن ثم ممن يؤمنون بمصر الفتاة: والدليل كتابه في فلسفة الثورة الذي يعتبر ما حول مصر مجالا حيويا لمصر فلا تكون مصر قلب الأمة العربية أو محرك الإسلام بل مجرد قوة استعمارية بالمصطلح الألماني للمجال الحيوي.
العلة الثانية: إنها من جنس العذر الأقبح من الذنب فضلا عن كونها من أكبر الأدلة على فقدان البصيرة: فهو يزعم أن إيران لها مشروع والعرب ليس لهم مشروع. ذكرت أن المشروع الإيراني ليس إيرانيا بل هو غربي مائة في المائة. فلأثبت ذلك. إن ثورة الخميني نفسها-رغم كونها من جوهر الفكر الشيعي المغالي والذي كان دائما حليفا للقوى العدوانية التي غزت دار الإسلام-لم تنجح إلا لأنها كانت تستجيب لحاجة غربية وبمساعدة غربية مباشرة. فنظام الشاه قد تآكل وكان سيسقط لا محالة. فكان على الغرب أن يختار الوريث المناسب لمصالحه. والمعلوم أن الحركة الشيوعية في إيران كانت قوية جدا وأن الحركة الليبرالية كانت بعيدة جدا عن أداء دور يذكر فكان الخوف من أن يكون الوارث هو من يمكن الاتحاد السوفياتي من الوصول إلى البحار الدافئة وإلى منابع الطاقة: لذلك فليس من الصدفة أن كانت طائرة العودة باريسية ولا أحد يمكن أن يقنعني بأن جيسكار ديستان كان محبا للإسلام بحيث يساعد ثورة تكون في خدمة قيمه.
وهذا الهدف الأول تحقق ويمكن للغرب أن يقول: ولله الحمد. لكن من أدى وظيفته أحسن أداء فصفى الحركة الشيوعية في إيران يمكن أن يصبح عبئا خاصة بعد أن تأكد انهيار الاتحاد السوفياتي وبدأ الإسلام السني يجسد المقاومة الساعية لتوحيد العالم الإسلامي في معركة التحرير من العدو الثاني أعني الاستعمار الأمريكي. عندئذ بدأت الوظيفة الثانية لهذه الثورة المزعومة: تهديم الإسلام من الداخل والحرب على قلبه أعني الأمة العربية التي تشاطئ الغرب القديم (أوروبا) وتمانع ضد الغرب الحديث (أمريكا) وتحارب ربيتهما في جزء من وطنها (إسرائيل).
فقلب الإسلام السني هم العرب والعرب يشغلون قلب العالم ولديهم أكثر من نصف ثرواته من جميع الأصناف. لذلك فقد بات من الضروري منع كل سعي لتحقيق شروط الوحدة شروطها الخفية لا التلاعب السياسي للأنظمة: وشرط شروطها الخفية هو الصحوة الإسلامية السنية التي بدأت تتجاوز الحدود القطرية وأحيت قوة العرب الناعمة التي ليست وظيفة إيران إلا السعي بكل الوسائل لإفساده.
وهذا هو دور الشعوبية منذ القرون الأولى للإسلام ثأرا لعبادة النار ضد عبادة الواحد الجبار: فالإرهاب الحشاشي هو البداية التي لا يغفلها إلا الأميون الذين يتحولون إلى استراتيجيين لمجرد كونهم صحفيين أعني أولئك الذين يعتبرهم نيتشة سرطان الفكر لما يغلبونه عليه من الغوغائية والسطحية. ولما كان هيكل لا يجهل هذه الحقائق بل يتجاهلها فإنه يدعو العرب للتحالف مع من يسعى للقضاء على قوتهم الناعمة وسلبها منهم بدءا بتشييع العالم العربي الذي تم الكثير منه في الخليج والهلال وختما بإدخال كل الأقطار العربية في حروب طائفية من جنس ما يحدث في العراق ولبنان وبدأ يفصح عن وجه القبيح في بعض إمارات الخليج وحتى في السعودية والمغرب.
ثم إنه ليس صحيحا أن العرب ليس لهم مشروع كما يدعي هذا المتعالم بتوريق الوثائق دون علم بالدقائق. إنما المشكل هو أن العرب اختاروا المعنى الحقيقي للمشروع حتى وإن لم يوفروا له شرط الشروط أعني التكامل العربي: فالمشروع بمقتضى حده يعني التوجه إلى المستقبل وليس العودة إلى حزازات الماضي واستئناف حكم البابوات. فإذا كان العالم قد تجاوز حكم السلط الكنسية والتنظيمات الفاشية فكيف يمكن أن نسمي مشروعا نظاما لا يحكمه إلا حرس الثورة والمآتم التي تدور كلها حول الثأر للحسين من يزيد ؟ العرب يريدون تحقيق الوحدة العربية لتكون قلب الأمة الإسلامية المعتدلة التي يكون فيها الدين مصدر القيم وليس سلطة سياسية حاكمة بالعمائم. فأي التوجهين يمكن أن يعتبر مشروعا حقا ؟
الخاتمة
لست ممن يتهم من يخالفني بالعمالة. ولست ممن يعتبر هيكل مأجورا. فلا شك أنه صادر عن اجتهاد غلبت عليه الثقة المفرطة بعلمه المزعوم: مشكله أنه لا يفهم أن القيادات لم تعد من جنس عبد الناصر تخلط بين انتفاش الزعيم وعنترياته وشروط القوة الحقيقية التي تتنافس فيها الأمم ذات المشاريع المستقبلية. والمعلوم أن كل إفراط في الثقة يؤدي بصاحبه إلى تجاهل حقائق الأمور لأنه يتصور مجرد امتلاك الوثائق علما ويظن بنفسه العصمة.
ذلك أنه لو كان يطبق المعرفة العلمية بما يتكلم عليه لأدرك أن القوة الناعمة التي يتحدث عنها عند إيران ليست قوة موجبة بل هي قوة سلبية بإطلاق ومن ثم فهي لا يمكن أن تكون إلا قوة تهديم. فالإسلام جاء ليوحد البشر حول القيم التي يسميها القرآن الكريم قيم الفطرة وليس ليرجعهم إلى دولة يحكمها حراس الثورة والعمائم أي حكم البابوات.
أوروبا لم تخرج إلا بعد قرون من حكم حراس الكنيسة وأهماج المليشيات الجرمانية طيلة القرون الوسطى وما أدت إليه من حملات صليبية وحروب استرداد زرعت الحقد والكراهية بين الشرق والغرب وبين أهل الأديان المنزلة الثلاثة حتى إن أوروبا دخلت في حروب بعضها دام قرنا كاملا وانتهت إلى الحربين العالميتين اللتين حصدتا الملايين. والغرب بدأ يخرج من هذه السموم ويسعى إلى نظام عالمي قد يساعد على تحقيق الأخوة البشرية إذا نحن لم نستسلم لقوى الشر فيه وبينا بالمقاومة السوية أننا نمد اليد لقوى الخير التي لا يخلو منها الغرب.
لكن شرط ذلك كله هو تعديل التاريخ المقبل بتحقيق شروط قيام القطب الخامس الذي يغيب الآن أعني قطب الإسلام بين قطبي الشرق القديم (الصين والهند) وقطبي الغرب (أمريكا وأوروبا) فإن العرب من واجبهم أن يستردوا قوتهم الناعمة أي الإسلام وأن يتحدوا ليوحدوا من حولهم المسلمين بتحريرهم ممن يزرع الفتنة الطائفية بينهم حتى صارت سفاراته في المغرب العربي تجري مسابقات بين الشباب حول من بقر بطن فاطمة مدعين أن الجواب الصحيح هو: عمر بن الخطاب رضي الله عنه.


قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ