اليمن تهدد إيران بمقاضاتها دوليا بعد تسليم المليشيات مقارها الدبلوماسية     فرق طبية دولية تزور مأرب لإجراء عمليات مجانية وتدريب كوادر يمنية     عراقيل مفتعلة أمام عودة الحكومة إلى عدن     بيان لقيادة المنشآت يكشف زيف الاستلام والتسليم للمقار الحكومية بعدن     حملة اعتقالات بصفوف المحتجين وقطع كامل لشبكة الإنترنت بمعظم المدن الإيرانية     أزمة جديدة بعدن أثناء محاولة تنفيذ أول خطوات اتفاق الرياض     "استجابة" تختتم تدريب 20 امرأه نازحة بمأرب     مصرع قيادي حوثي ونجله بالضالع ومشرف عمليات بالبيضاء     السعودية تضغط على أمن مأرب للإفراج عن أحد قيادة الحوثيين محكوم عليه بالإعدام سابقاً     قرار جديد من القيادة السعودية دعما للتفاهمات مع الحوثي     مقاومة البيضاء تضبط شحنة حشيش في طريقها للحوثيين بصنعاء     عندما تصغر اليمن وتبدو ملحقا بالسعودية     عمنا سعيد في رحاب الخالدين     وزارة الدفاع والأركان اليمنية تنعيان مقتل عدد من الضباط والجنود     قيادي بحزب الإصلاح: تقرير "جونسون" كشف زيف التهم والأكاذيب بحق الحزب    

السبت, 27 يوليو, 2019 09:51:14 مساءً

 
ذكرت في المقال السابق نبذة بسيطة عن مراحل تكوين الازدواج في الشخصية العربية، وبشكل سريع سردت كيف تأتى ذلك الازدواج، أنهيت المقال بالقول إن الدين قد شكل عاملاً جديداً وقوياً في تكوين ازدواج الشخصية العربية، حينما تم استخدامه من قبل ما يسمى رجال الدين في سبيل توطيد سلطتهم في المجتمع من ناحية، وإرضاء السلطان ومحاباته من ناحية أخرى، فشكلت جملة عوامل من العادات والتقاليد والخرافات وسلطة رجل الدين (الوعظ والإرشاد) وحكم الطغاة (الاستبداد والظلم) حالة الازدواج لدى الشخصية العربية، فلا هي تعيش بواقعية وموضوعية في شئون حياتها، ولا هي ذاتية متأملة، ولا هي خليط من ذا وذاك، بل تجدها كما قال ابن خلدون في مقدمته "يسوقها الارتجال وتكره النظر في طبائع الأشياء وحقائقها"، فالحقيقة بالنسبة لها ما لا يتعارض مع ما تؤمن به وتعتقده، وما لهج به اللسان دون حاجة للتدبر والتفكر. 
 
يقول علي الوردي "إن التناقض بين الإسلام والبداوة هو من هيج حالة الازدواج لدى الشخصية العربية"، لكننا نستطيع اليوم أن نضيف إلى تلك الثنائية ثنائية أخرى ساهمت في تعزيز ذلك الازدواج أكثر مما كان، وهما حالة الاستقطاب التي شكلتها الجماعات الإسلامية وحالة الاستقطاب السياسي الحزبي في نسخته العربية، وأعني بالنسخة العربية ذلك أن السياسة العربية حالة شاذة في السياق التاريخي لعالم السياسة، إذ لا يمكننا القول أن نسميها سياسة، ولا يمكننا في المقابل القول أنها لا سياسية، ربما التوصيف الذي يناسب تلك السياسة هو الازدواج فالأشياء تأتي من طبائعها، ومن الطبيعي أن نرى مثل هذه السياسة، فما ننتجه ونبدعه هو خلاصة من التراكم الذي شكلناه وحتما شكلنا.
 
سابقاً كانت الشخصية العربية تعيش الازدواج في عاداتها وتقاليدها فيما بينها، ثم عندما جاء الإسلام في تناقضه معها شمل الازدواج القيم والأخلاق والعقائد والضمير، أي الازدواج فيما بين الفرد وبين الله من ناحية، وبينه وبين التعامل مع الآخر من ناحية أخرى، بعد ذلك جاء السلطان فاستخدم الدين ورجاله لتعزيز سلطته على المجتمع فشمل الازدواج العلاقة بين الحاكم والمحكوم من جهة، وبين قيم الإسلام الصحيحة وعمائم الوعاظ التي ترى أنها تمثله من جهة أخرى، ثم جاءت السياسة في نسختها الحديثة فشكلت حلقة جديدة من الازدواج في المجتمع ليشمل الازدواج المجتمع والدين والدولة.
 
تعيش اليوم الشخصية العربية حالة ارتباك وازدواجية لم تشهد لها مثيل منذ نشأتها، والازدواج بإيجاز هو حالة انشطارية في وعي المجتمع والفرد، بمعنى أن يعيش الفرد والمجتمع بشخصيتين في ذات الوقت، الأولى ظاهرية وهي التي يظن الفرد والمجتمع أنها حقيقته، وهي شخصية مُتقمصة مؤمنة تقية صادقة، بينما الشخصية الأخرى مضمرة في باطنه، هي من تُسيره وتحكم علاقته بمن حوله. غطى ذلك الازدواج كل مناحي حياة المجتمع، الدين، الثقافة، الفن، السياسة، الرياضة، التعليم، منظومة القيم والأخلاق والمبادئ الكبرى، شمل ذلك الازدواج كل شرائح المجتمع، السياسيون والعسكريون والأحزاب، المفكرين والنخب المثقفة، رجال الدين والمنظمات المدنية، الرجال والنساء والأطفال.
 
تذهب الدولة لتُكمم الأفواه فتظلم وتسجن وتقتل وتصادر الحقوق والحريات، ثم تذهب إلى الوعاظ ليسهلوا لها مهامها إزاء ردة فعل المجتمع، يأتي الوعاظ فيستخدموا كل ما أوتوا من سلطان الدين، فيسلبوا به عقول المجتمع بالوعظ والإرشاد (ولو سرق مالك وجلد ظهرك) وينذرنهم بالويل والثبور، ثم تأتي بعد ذلك المنظمات المدنية فتستغل معاناة المجتمع وقهره، بمعنى يتم استهلاك المجتمع ومن ثم إعادة تدويره مرة أخرى لإعادة إنتاج ما أسماهم علي الوردي الجلاوزة الجدد، ليستلموا الدور مجدداً فيعيدوا الكرة والأخرى مثل سابقيهم، وهكذا تتسع فوهة الازدواج في الشخصية العربية يوماً بعد يوم، بل أنها تأخذ مناحٍ شتى مُعقدة ومُركبة مع مرور الوقت، وكل ذلك بما يستجد من حياة الإنسان العربي من انفصام بين ما يعيشه وما يضمره، بين المُثل التي ينشدها وبين القيم التي يعيشها.
 
ما نراه اليوم من انفصام وانعدام الثقة بين الدولة والمجتمع، بين قيم الدين وممارساته، بين الفرد وذاته، يعود ذلك إلى أن علاقة الازدواج متبادلة بين كل هذه الأطراف، فلا المجتمع يثق بالدولة ولا الدولة تثق بالمجتمع، ولا الدين حقق القيم التي ينشدها، ولا الفرد حقق التصالح مع ذاته، وما التخبط الذي نراه في صورته الكبيرة إلا أن الجزئيات تعيش ذات التخبط، فما كان للدولة أن تكون مختلفة إذ أن المجتمع هو من أفرزها، وكذلك الأمر مع الفرد، وللقارئ أن يسأل متى حققت الدولة العربية التصالح ولو بشكل نسبي بينها وبين المجتمع، تعيش الدولة العربية منذ نشأتها القلق والارتباك، بل أنها عملت منذ قدومها كإدارة للمخاطر والأزمات والطوارئ، فهي تعرف أنها لم تأتي من أجل المجتمع والمجتمع يعرف أيضاً أن الدولة لم تأتي من أجله، ولذا فكلى الطرفين يعرف الآخر فالازدواجية هي حتمية هكذا علاقات. 
 
ختاما في المقال القادم سوف أحاول عرض كيف ساهم الاستقطاب الذي شكلته الجماعات الإسلامية في تعزيز حالة الازدواج لدى الشخصية العربية، مما عزز اغتراب الفرد عن ذاته ليذوب في ذات الجماعة، وهو ما غير علاقته مع الأخرين من حوله من ناحية حسب وجهة نظر الجماعة، وعلاقته مع نفسه من ناحية أخرى إذ يحاول أن يبتلع ذات الجماعة فيه وأنا لها أن تُبتلع وهنا يتفجر الازدواج.



قضايا وآراء
حملة فكوا الحصار عن مدينة تعز